فخ التكنولوجيا المعقدة.. هل أصبح امتلاك سيارة حديثة كابوسا لميزانيتك؟

منذ عقدين من الزمان، كان بإمكان أي هاوٍ للميكانيكا أن يفتح غطاء محرك سيارته، ويشخص الخلل ويصلحه بأدوات بسيطة، فقد كانت السيارات حينها عبارة عن منظومات ميكانيكية مترابطة بوضوح. أما اليوم، فبمجرد رفع غطاء المحرك، ستجد نفسك أمام “صندوق أسود” مغلف بالبلاستيك، ومحاط بمئات الحساسات والأسلاك المعقدة.

انتقل عالم السيارات من عصر الميكانيكا البسيطة إلى عصر البرمجيات التي تسير على عجلات، ولكن هذا التحول التكنولوجي المبهر جاء بضريبة باهظة يدفعها المستهلك من جيبه ووقته؛ لتصبح رسائل “الخطأ” التي تظهر على الشاشة الرقمية هي الكابوس الأكبر.

وبينما منحتنا ثورة السيارات مستويات غير مسبوقة من الرفاهية والأمان، فإنها نصبت فخا خفيا للمستهلكين، حيث ارتفعت تكاليف الصيانة إلى مستويات قياسية، وأصبح الإصلاح البسيط يتطلب ميزانية قد توازي ثمن سيارة مستعملة بالكامل في سنوات مضت، مما يطرح تساؤلا جوهريا: هل تخدم هذه التكنولوجيا السائق حقا، أم أنها صممت لتجعل “وكالات السيارات” المحطة الوحيدة للإصلاح؟

HEFEI, CHINA - JANUARY 17: A worker from Chinese electric vehicle (EV) company NIO puts a tire on a car as he works on the automated production line at the companys manufacturing hub on January 17, 2025 in Hefei, China. China produces and exports more electric vehicles than any other country, leading the global electric vehicle (EV) market with production capacity that now outpaces domestic sales. Luxury brand NIO saw a 38% rise in EV deliveries in 2024 and is looking to further its expansion into overseas markets with a range of premium vehicles, a new lower priced sub-brand, and its battery swapping charging system. Exports of Chinese EVs exceeded two million for the first time in 2024, according to government figures. While the global expansion of Chinas EV industry has triggered trade tensions with the U.S. and Europe where governments are enacting tariffs on China-made electric cars, the companies are making inroads in markets in Asia, South America, and Africa. Chinese brands have become known worldwide for design and advanced EV technology at competitive prices, as they continue to fuel a transition to electric vehicles at home in the worlds largest car market. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
ثورة صناعة السيارات وفرت الرفاهية والأمان، إلا أنها رفعت تكاليف الصيانة إلى مستويات قياسية (غيتي)

وتعتمد السيارات الحديثة على شبكة معقدة من الحساسات والمعالجات؛ حيث يوضح الخبراء التقنيون أن المشكلة الأساسية لم تعد تكمن في تعطل القطع الميكانيكية فحسب، بل في “برمجتها” أيضا. فاليوم، لا يمكنك استبدال بطارية أو مصباح خلفي في بعض الطرازات الفاخرة دون “تعريف” القطعة الجديدة على نظام السيارة البرمجي، وهو ما يحصر عمليات الإصلاح داخل أروقة الوكالات الرسمية.

وبحسب التقارير الصادرة عن منصة ريبورير دريفن نيوز (Repairer Driven News) المتخصصة، فإن الشركات المصنعة للسيارات اتجهت نحو تصميم “وحدات متكاملة” غير قابلة للإصلاح الجزئي.

فعلى سبيل المثال، إذا تعطل مصباح السيارة، فلن تجد فنيا يفتح المصباح لتغيير شريحة إلكترونية صغيرة، بل سيخبرك بضرورة استبدال المصباح بالكامل، وهو ما قد يكلف في السيارات الفاخرة مبلغا يتجاوز 3000 دولار.

إعلان

هذه الفلسفة ترفع تكلفة الصيانة بنسبة تصل إلى 400% مقارنة بالسيارات التي صنعت قبل عقدين، وتخلق جبلا من النفايات الإلكترونية التي يصعب تدويرها.

Close up hands of unrecognizable mechanic doing car service and maintenance. Oil and fuel filter changing. by Dusko ادوبي ستوك
عالم السيارات انتقل من عصر الميكانيكا البسيطة إلى عصر البرمجيات التي تسير على عجلات (ادوبي ستوك)

وعي المستهلك

ويؤكد المهندس أحمد السباعي، رئيس مجلس إدارة إحدى وكالات السيارات في قطر، في حديثه للجزيرة نت، أن ثقافة الوعي هي الركيزة الأساسية لحماية حقوق المستهلك وضمان كفاءة المركبة.

وأشار إلى أن إدراك العميل الدقيق لشروط الضمان وتفاصيله الفنية يمثل خط الدفاع الأول له، حيث يساهم هذا الوعي في تجنب سوء الفهم أو فقدان حقوقه القانونية مع الوكالة، مما يخلق علاقة شفافة ومستدامة بين الطرفين.

وشدد السباعي على ضرورة اهتمام الملاك بالجانب التدريبي والتقني، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا الحديثة، خاصة فيما يتعلق بعمر البطاريات وأنظمة الشاشات المتطورة، موضحا أن هذه المكونات التكنولوجية تمثل قيمة مضافة كبرى للمركبة، ولكنها تظل مرهونة بمدى قدرة العميل على تشغيلها والتعامل معها بذكاء، فالمعرفة التقنية تضمن للمستخدم استغلال كامل إمكانيات السيارة وإطالة عمرها الافتراضي.

سلاح ذو حدين

ويرى الخبير التقني جون بول “إننا ننتقل إلى مرحلة لا يمتلك فيها المستهلك سيارته فعليا، بل يستأجر حق استخدام برمجياتها، فالقيود التي تفرضها الشركات على بيانات الإصلاح تجعل الميكانيكي المستقل عاجزا عن المساعدة، مما يقوض المنافسة في السوق ويترك العميل تحت رحمة تسعير الوكيل”.

ويضيف بول المعروف بـ “طبيب السيارات” (Car Doctor) في منشور على حسابه على فيسبوك “إننا نعيش في عصر أصبحت فيه السيارة أشبه باشتراك شهري في خدمة تكنولوجية، وليست أصلا ميكانيكيا نمتلكه للأبد. فأنظمة مساعدة السائق (ADAS) – مثل الكاميرات والرادارات – جعلت القيادة أكثر أمانا، لكنها في المقابل حوّلت الحوادث البسيطة إلى “كارثة مالية”.

ففي السابق، كان أي اصطدام طفيف في مقدمة السيارة “الصدام” يتطلب طلاء بسيطا، أما اليوم، فقد أصبح الصدام محشوا بحساسات الركن ورادارات المسافة، لذا فإن أي ضربة خفيفة تتطلب استبدال الحساسات وإعادة معايرتها باستخدام أجهزة دقيقة ومعدات متطورة.

يبدو أن تكنولوجيا السيارات أصبحت سلاحا ذا حدين، فهي تمنحنا الأمان والرفاهية، ولكنها تفرض علينا تكاليف خفية قد لا تظهر إلا بعد انتهاء فترة الضمان.

لذلك، لم يعد كافيا عند شراء سيارة جديدة السؤال عن “قوة المحرك” أو “فخامة المقصورة”، بل أصبح من الضروري التقصي عن “مؤشر قابلية الإصلاح” ومدى توفر بدائل للصيانة خارج أروقة الوكالة، ويبقى وعي المستهلك هو الدرع الوحيد أمام هذا “الفخ التكنولوجي” الأنيق.

 

المصدر: الجزيرة