تشكل الفنون بمختلف أنواعها وتجلياتها بوابة للتعبير الإنساني، يعبر الفرد من خلالها عمّا يختزنه من مشاعر وأسئلة، مفرغا مكنونه في صيغة بصرية كانت أو سمعية، وفن الجداريات لا يخرج عن هذا الإطار كما يكتسب في ليبيا سياقا خاصا، إذ انبثق مع لحظة الثورة معبرا عن الحرية والرفض والاستهجان حاملا معه مساحات من الأمل، محققا في بداياته انتشارا جامحا في تأثيره.
وما لبث هذا الحضور أن تراجع وفترت رسائله وتقلص فنانوه، ورغم اضمحلاله فإن فن الجداريات في ليبيا لم يختف وظل محصورا في نطاقات ضيقة تؤطره القيود الإجرائية المعقدة وغياب الدعم والإشباع، متكئا على إصرار فنانيه ومحاولاتهم الدؤوبة التي لا تنكفئ.

عندما تضيق المساحة
الفنان سالم المزوغي من مدينة بنغازي مهتم برسم الجداريات والفن الغرافيكي وفن “الهيبهوب”، ويقول في حديثه للجزيرة نت إن فن الجداريات في ليبيا فن صعب، فهو ينقل من الشارع رسائل نابضة وآراء قد تنتقد السلطة، التي فرضت إجراءات معقدة وخصصت مساحات ضئيلة، وهو ما قوض رواجه بعد أن كان وسيلة التعبير الأشهر إبان ثورة 17 فبراير/شباط 2011.
ويقول المزوغي الذي يرتاد فن الجداريات منذ 13 عاما إن حلمه الأثير كان ولا يزال في أن يغدو فن الجداريات في ليبيا فنا معترفا به على نطاق واسع، إذ يسعى من خلال تجربته برسم الحروفيات العربية على الجدران لتقديم الحرف العربي بحداثة تعبر عن جيل شاب يعتز بهويته العربية والثقافية.
وأردف بالقول: “أشعر بأن مسؤولية جمالية وأخلاقية تقع على كاهلي لتحويل المكان الذي أعيش فيه إلى مكان أجمل،” حسب تعبيره.

تجارب حية
وينتمي الفنان محمد شندول إلى جيل تشكل وعيه الفني عام الثورة، ويشارك شندول الجزيرة نت بتفاصيل تجربته الأولى للرسم على الجدار وتحديدا على سور باب العزيزية في العاصمة طرابلس، فتلك التجربة المفتوحة أمام المارين وتعليقاتهم المتباينة بين تحفظ ودهشة واستغراب، شكلت نقطة انطلاقته وأصبحت هواية الرسم على الجدران مصدر رزقه.
ويستعيد المزوغي تجربته في رسم جدارية بمدينة طرابلس على طريق مروري سريع ومفتوح، ما أتاح له تفاعلا حيا وفوريا مع المارة، فتنوعت ردود الأفعال بين من وثق بعدسته العمل ومن أغدق كلمات الإطراء ومن توقف ليقدم يد المساعدة، غير أن المشهد لم يخل من أصوات مثقلة بالتشاؤم تنبأت بزوال الجدارية على يد بلدية طرابلس.

تحديات دامغة
وعن التحديات يؤكد المزوغي أن التصاريح الأمنية الممنوحة للفنانين إجراءاتها معقدة وتفرض على الرسامين أماكن محدودة وضيقة، وفي بعض الأحيان تفرض قيود فكرية تفرغ العمل من محتواه، مؤيدا لوجود الرقابة والتنظيم شريطة ألا يتحول ذلك إلى أداة إجحاف وكبح، مقرا بوجود خبرات وطاقات شابة قادرة على إحداث الأثر.
ويضيف أن أفق هذا الفن يظل ضبابيا في ظل غياب أبسط مقوماته المتمثلة في الدعم والاحتضان المؤسسي وتكثيف المبادرات والفعاليات الداعمة فضلا عن تسهيل التصاريح الأمنية، متوقعا أفول فن الجداريات إذا استمرار الإهمال.
أما شندول فيرى أن الإشكال لا يكمن في التصاريح الأمنية بحد ذاتها فالتصاريح وإن لم تكن عصية المنال -في كثير من الأحيان- إلا أنك تحتاج لأكثر من تصريح وموافقة وهذه الإجراءات لا تعني بالضرورة تهيئة ظروف العمل للرسم بما في ذلك تخصيص الفضاء الملائم لفكرة الفنان، فالكثير من المساحات الممنوحة تفتقر إلى الجدوى البصرية والتأثير المجتمعي.

أما عن الموقف الرسمي لبلدية طرابلس المركز، فقد مثلته عضو المجلس المسؤولة عن ملف الثقافة والتنمية لطيفة الطبيب التي أوضحت للجزيرة نت أن البلدية تحاول تتبع إجراءات تنظيمية تدعم فناني الجداريات وتسهيل منحهم التصاريح والتراخيص اللازمة.
كما أشارت إلى السعي لإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية لتسجيل الجداريات المنفذة والمخطط تنفيذها، وذلك لتحديد المواقع واقتراح الرسومات المناسبة.
إجراءات معقدة
وأكدت الخبيرة القانونية جازية شعيتير للجزيرة نت أن عملية استخراج التصاريح اللازمة للفنانين تواجه العديد من العقبات في مقدمتها تعقيد المسار الإداري لاستخراج التصاريح وتعدد إجراءاته دون آلية واضحة، فضلا عن عدم توفر نموذج موحد وجاهز خاص بطلبات الرسم الجداري، وهو ما يضطر الفنانين إلى تقديم مراسلات رسمية كثيرة والدخول في دوامات انتظار طويلة دون سقف زمني محدد للرد.
واستنطاقا لتجارب فناني الجداريات في ليبيا وتتبع مسارات هذا الفن وفهمه في السياق الليبي وأفق استمراره، التقت الجزيرة نت بمجموعة من الفنانيين لاستجلاء تجاربهم.

محاولات لا تنكفئ
وحينما يغدو الفن مكبلا وتتحول التصاريح الأمنية إلى عقبة، لا ينكفئ الفنانون عن إعادة ابتكار المحاولة مرات عديدة. ففي عام 2022 حاول الفنان الكاليغرافي محمد بوليفة رسم جدارية على أحد جدران مدينة بنغازي المدمرة وتحديدا منطقة وسط البلاد، جراء الحروب المتتالية يذكر فيها بأن المكان -مسقط رأسه- ولا يزال رغم الخراب حيا في وعيه، إلا أن محاولته اصطدمت باستحالة الحصول على تصريح حتى وإن كان الجدار مدمرا.
فتحايل على الواقع بالفن الرقمي، ولجأ إلى رسم الجدارية رقميا ونشر الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي والتذكير “بالذاكرة والشارع” كما سماهما في حديثه للجزيرة نت.
والمفارقة أن الصورة لاقت رواجا وصدى واسعا ونجحت في فتح حوار عام حول إعادة إعمار وسط بنغازي، وفق حديثه.
ولترسيخ فن الجداريات وتعزيز حضوره أوصى الفنان محمد شندول خلال حديثه للجزيرة نت بـ:
- إطلاق برامج توعوية للتعريف بفن الجداريات ووظيفته الثقافية.
- تخصيص مساحات حضرية مناسبة للرسم بدل حصر الفنانيين في مواقع هامشية.
- توحيد آلية التصاريح وتبسيطها.
- الاستفادة من خبرات الفنانيين في إبراز الهوية الوطنية عبر جداريات توثق التاريخ واللغة والرموز الثقافية.
- إدماج فن الجداريات في مشاريع ثقافية تنموية مستدامة مثل تجميل الأحياء وإعادة تأهيل الفضاءات العامة وربطه بالسياحة الثقافية.
دعم وتشبيك
بدوره، يرى الفنان والكاتب المتخصص في الفنون التشكيلية عدنان معيتيق من مصراتة أن تجربة الجداريات في ليبيا تشهد تطورا لافتا يواكب التحولات المحلية مدفوعا بحماس الفنانين الشباب الذين أصبح لديهم اطلاع أوسع على التجارب العالمية، ما مكنهم من التميز والإبداع، لافتا في حديثه للجزيرة نت إلى أن دعم هذا الفن يحتاج لإجراءات بسيطة منها تخصيص البلديات لمساحات رسم في الساحات والميادين لتكون مسارح مفتوحة للفن.
كما دعا إلى تشجيع إقامة الورش التي تجمع الفنانين من مختلف المدن الليبية لتبادل الخبرات وتعزيز المشهد الفني، لرفع الذائقة البصرية.
المصدر: الجزيرة