فيروس زيكا: أمهات منسيات لا يستطيع أطفالهن الأكل أو الكلام أو المشي

عندما أبلغ الطبيب روتي فرييريس بأن ابنتها حديثة الولادة تامارا لن تعيش طويلاً، بدأت تبكي بلا توقف.

كانت تامارا مصابة بصِغَر الرأس، أي حجم رأس أصغر من الطبيعي، وهو أحد الأعراض الناتجة عن إصابة الأم بفيروس زيكا أثناء الحمل.

اليوم، تبلغ تامارا التاسعة من عمرها، وتتغذى عبر أنبوب في المعدة. يداها أصبحتا أكثر تيبّساً وتشنجاً، وتعاني صعوبة في تثبيت رأسها.

أعلنت منظمة الصحة العالمية والسلطات البرازيلية حالة طوارئ صحية عامة، واستمر التحذير حتى مايو/أيار 2017.

وتامارا واحدة منهم. تعيش في ماسايو، المدينة الساحلية في شمال شرق البرازيل، حيث سُجّل 75 في المئة من حالات متلازمة زيكا الخلقية في البلاد.

ولا يملك العلماء حتى الآن تفسيراً قاطعاً لسبب تركز الحالات في تلك المنطقة.

تتميز المتلازمة بمشكلات في القلب والمفاصل، وصعوبات في تنسيق المضغ والبلع.

ومعظم المصابين بها لا يحققون مراحل النمو المعتادة مثل الحبو، أو الأكل، أو المشي، أو الكلام، أو التدرب على استخدام المرحاض.

وللتغلب على تحديات تربية ابنتها، تعاونت روتي مع أمهات أخريات في الوضع نفسه، بعد أن التقت بهن لأول مرة في مجموعة دعم شكّلتها السلطات الصحية المحلية عام 2016.

تقول: “كان هناك العديد من الأطفال المصابين بالمتلازمة نفسها مثل تامارا. بدأنا نتبادل الحديث والمعلومات… وعندها بدأت الأمور تتضح”.

لذلك شكّلن مجموعة مستقلة، بقمصان صفراء خاصة بهن، لمساندة بعضهن بعضاً، والمطالبة بالمزيد من الحقوق.

الانتقال للعيش معاً

توقفت العديد من الأمهات عن العمل، واعتمدن على إعانات حكومية بنحو 265 دولاراً (199 جنيهاً إسترلينياً) شهرياً، وهو الحد الأدنى للأجور.

وجدن أنفسهن في معارك قانونية ضد النظام الصحي للحصول على عمليات جراحية، وكراسٍ متحركة، وأدوية، وحليب للأطفال.

كما تخلّى عن كثيرات منهن أزواجهن. بعضهم تزوج وأنشأ أسراً جديدة.

وتضيف لبي بي سي: “سمعت من كثير من النساء أن أزواجهن شعروا بأنهن وضعن دور الأمومة قبل دور الزوجة”.

وقد وجدت النساء طرقاً جديدة لتنظيم حياتهن.

وتقول أليساندرا: “كان هدفنا أن يعشن بالقرب من بعضهن ليدعمن بعضهن، ليكنّ شبكة الدعم التي تفتقر إليها معظمهن”.

بدأت أليساندرا رعاية حفيدها إريك، المصاب بمتلازمة زيكا الخلقية، بعد مقتل ابنها في حيّهما على أطراف ماسايو.

انتقلت روتي إلى مجمع “أمهات زيكا” بعد طلاقها، وأصبحت قريبة من جارتَيها آن كارولين دا سيلفا روزا ولينيسي فرانسا، اللتين لديهما طفلان مصابان بالمتلازمة، وهما مويسيس وإنزو.

مثل تامارا، يتغذى مويسيس عبر أنبوب يخرج من معدته. لم يعد قادراً على الوقوف، لكنه يتمكن من رسم ابتسامة خفيفة حين تغمره شقيقته الصغيرة ماريا بالقبلات.

أما إنزو، فهو من بين قلة من الأطفال الذين لديهم استقلالية أكبر. فبعد سنوات من دخول المستشفيات والخروج منها، أصبح قادراً الآن على المشي والكلام.

العيش بالقرب من بعضهن أتاح للأمهات تبادل النصائح حول التعامل مع الحالات الصحية المعقدة لأطفالهن. لكن كانت هناك فوائد أخرى أيضاً.

فقد بدأت روتي حضور دروس مسائية بعد أن تكفلت آن كارولين ولينيسي برعاية تامارا مما مكنها من استكمال دراستها والحصول على شهادة الثانوية.

لا تزال تامارا غير قادرة على المشي أو الكلام، كما توقع الأطباء. قبل سنوات قليلة، لم تكن تستطيع تثبيت نظرها على أي شيء بعينه، لكن بفضل العلاج الطبيعي باتت الآن قادرة على التعرّف إلى نفسها في المرآة.

وعيناها تتابعان والدتها في كل مكان. وغالباً ما تتبادلان النظرات عندما تجلس روتي بجانبها على الأريكة وتداعب شعرها الطويل المجعّد.

كما أثمرت معركة الأمهات التي استمرت عقداً من الزمن من أجل الحصول على دعم مالي أفضل.

ففي ديسمبر/كانون الأول، أقرّ البرلمان البرازيلي مشروع قانون قُدّم عام 2015 يمنح العائلات المتضررة من زيكا تعويضاً بقيمة 8,800 دولار، إضافة إلى دفعات شهرية قدرها 1,325 دولاراً، أي خمسة أضعاف الإعانة السابقة.

لكن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا استخدم حق النقض ضد القانون، قائلاً إن تبعاته المالية غير واضحة، واقترحت إدارته بدلاً من ذلك دفعة واحدة بقيمة 10 آلاف و500 دولار.

إلا أن خبراء مثل الدكتورة مارجاني ليموس، التي شخّصت أولى حالات صِغَر الرأس المرتبطة بزيكا، رأوا أن هذا غير كافٍ.

وأشارت وزارة الصحة في ولاية ألاغواس إلى أن وضع الفيروس في المنطقة تحسّن بفضل جهودها في توعية المواطنين بإزالة المياه الراكدة وتدريب فرق المراقبة الصحية. لكنها لم ترد على أسئلة حول كيفية دعم الأسر المتضررة.

لكن في النهاية، انتصرت الأمهات. فقد أُلغي قرار لولا، وأُبلغن بأنهن سيحصلن على كامل التعويضات المقررة في مشروع قانون عام 2015.

تراجع غامض في الحالات

رغم التراجع الكبير في عدد حالات زيكا وولادات الأطفال المصابين بالمتلازمة، تقول الدكتورة ليموس إن تفشياً جديداً يظل ممكناً، لأن سبب التراجع لا يزال مجهولاً.

وتوضح: “يبدو أن الطفرة توقفت تلقائياً. وهذا يدعم نظرية وجود مناعة طبيعية. لكن هل هذا صحيح؟ كم تدوم؟ لا نعرف”.

 

المصدر: BBC