في ظل تصاعد الحروب والأزمات في مناطق متعددة من العالم، لا يقتصر أثر هذه الأحداث على الجغرافيا والسياسة، بل يمتد إلى الحياة اليومية لملايين الأشخاص، محدثا اضطرابا في الإيقاع النفسي والمهني للفرد. وحينها يصبح الحفاظ على قدر من الإنتاجية بمثابة وسيلة لاستعادة الإحساس بالهدف والمعنى، وتعزيز الشعور بالسيطرة وسط واقع مضطرب.
ولا تُختزل الإنتاجية هنا في إنجاز المهام الوظيفية فقط، بل تشمل توجيه الجهد نحو أنشطة ذات قيمة تدعم الاستقرار النفسي وتمنح اليوم بنية واضحة، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
الحرب تهدد كفاءة العقل وقدرات الدماغ
بغض النظر عن موقع النزاع أو سببه أو الأطراف المتورطة فيه، فإن الأثر المدمر للحروب والنزاعات يبقى واحدا، فهي تؤدي بلا شك إلى خسائر في الأرواح، وانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي، إضافة إلى معاناة إنسانية واسعة النطاق يمكن وصفها بـ”الشلل التام”، وتشمل الوظائف الإدراكية والقدرة على أداء المهام بشكل فعال.
وفي دراسة نشرتها مجلة “الطب النفسي السريري”، بعنوان “أثر الأسر واضطراب ما بعد الصدمة على الأداء المعرفي لدى أسرى الحرب السابقين”، وجد الباحثون أن أسرى الحرب الذين عانوا اضطرابات ما بعد الصدمة أظهروا تدهورا طويل الأمد في الأداء المعرفي العام لديهم ومهاراتهم العقلية مقارنة بأقرانهم الذين لم يتعرضوا للتجربة نفسها، وهو ما يشير إلى أن الصدمات النفسية المرتبطة بالحرب يمكن أن تضعف القدرات العقلية للتركيز والتخطيط وحل المشكلات، حتى بعد عقود من التعرض لهذه الأحداث.

وكانت دراسة نشرتها مجلة “ببمد” (PubMed) الطبية، قد أظهرت أن التوتر الحاد المصاحب لحالات القلق الشديد عند العيش في نطاق أحداث قتالية -مثل النزاعات المسلحة والحروب- يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الأداء المعرفي والمزاج، بما في ذلك تباطؤ القدرة على الاستجابة وتراجع الذاكرة وضعف الاستدلال المنطقي، وهي مؤشرات مباشرة تؤثر في الإنتاجية في العمل والفعالية في الحياة بشكل عام.
تأثير الحروب على الأداء المهني
وعلى الرغم من أن الأبحاث السالف ذكرها تمت في سياقات العسكريين أو أسرى الحروب، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن المدنيين المتأثرين بالعنف المستمر يظهرون أنماطا مشابهة من التراجع المعرفي والانفعالي، وهو ما يؤثر على أدائهم في مهام العمل وقدرات التعلم أو حتى أداء الروتين اليومي الطبيعي.
مثلا، تشير الأبحاث المنشورة في مجلة “ساينتيفيك ريبورتس” (Scientific Reports) إلى أن المهنيين الأكاديميين في أوكرانيا عانوا من ارتفاع كبير في مستويات القلق والإرهاق النفسي، بعد شن روسيا حربا على بلادهم عام 2022، الأمر الذي أثر في مستوى إنجازهم الوظيفي وجودة أدائهم المهني.

وتوضح هذه الدراسة أن الضغوط النفسية المستمرة وعدم الاستقرار المؤسسي والاجتماعي، يمكن أن يؤديا إلى انخفاض القدرة على التركيز وتحقيق الأهداف، وهو ما يمثل حالة نموذجية لتأثير بيئات الحرب والاضطرابات الكبرى على الإنتاجية بين المواطنين العاديين، وليس فقط بين الجنود والعسكريين.
هذا يفسر لماذا يواجه الكثيرون صعوبة في إنجاز مهام بسيطة خلال فترات الاضطرابات السياسية والأزمات العسكرية، رغم امتلاكهم الكفاءة المهنية نفسها التي كانت لديهم في الظروف الطبيعية. فالمسألة ليست ضعف إرادة، بل إعادة توجيه بيولوجية ونفسية للموارد العقلية نحو البقاء.
الصحة النفسية والإنتاجية
إلى جانب الأثر النفسي، تحدث الحرب تحولات مباشرة في بنية العمل. تقارير منظمة الصحة العالمية حول “الصحة النفسية في مكان العمل” تؤكد أن البيئات غير المستقرة -حيث يتداخل العمل مع الضغوط الشخصية أو تتكرر الانقطاعات في الخدمات الأساسية- ترتبط بارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي وانخفاض الأداء.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن القلق والاكتئاب يتسببان عالميا في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنويا. وفي سياقات الحرب، تتضاعف هذه الخسارة بفعل النزوح والعمل عن بعد في ظروف غير مهيأة وضعف الدعم المؤسسي والموارد.
استراتيجيات لدعم الإنتاجية
إذا كانت الدراسات تؤكد أن الحرب تضعف التركيز والقدرة على الإنجاز، فإن السؤال هنا يصبح “كيف يمكن تقليل هذا الأثر؟”. الأبحاث النفسية والعلمية لا تقدم وصفات جاهزة، لكنها تشير إلى مجموعة استراتيجيات تساعد في استعادة قدر من السيطرة المعرفية حتى في البيئات غير المستقرة.
-
1- تحديد وإدارة الروتين
تظهر أبحاث علم النفس الإكلينيكي أن الروتين ليس مجرد تنظيم للوقت، بل أداة لتنظيم الجهاز العصبي نفسه. ففي سياقات التهديد المزمن، يساعد وجود أنماط يومية متوقعة على تقليل حالة التأهب المستمر.
تقرير منظمة الصحة العالمية حول “الصحة النفسية في مكان العمل”، مثلا، يشير إلى أن وضوح الأدوار وتحديد ساعات عمل منتظمة قدر الإمكان ووضع حدود بين وقت العمل ووقت الراحة، تعد عوامل وقائية ضد الإرهاق الوظيفي وشلل الإنجاز.
-
2- تقسيم المهام و”تقليل الأحمال”
كذلك تؤكد الأبحاث في الوظائف التنفيذية أن الضغط النفسي يقلل من سعة الذاكرة العاملة، مما يجعل التعامل مع مهام كبيرة أو معقدة أكثر صعوبة. في هذا السياق، يصبح تقسيم العمل إلى وحدات صغيرة قابلة للإنجاز استراتيجية قائمة على فهم بيولوجي للانتباه، لا مجرد تقنية تنظيمية.

وفي دراسة نشرتها مجلة جامعة كولومبيا للأبحاث عام 2023، بعنوان “علم النفس ومهارات إدارة المهام من خلال التقسيم”، يتضح أن تقسيم المهام إلى وحدات صغيرة يمكن أن يسهل التعلم والشعور بالتحفيز ويزيد احتمال الإنجاز مقارنة ببناء قائمة مهام كبيرة ومعقدة، لأن المهام الصغيرة تعزز الشعور بالسيطرة والتركيز حتى وإن كان ذلك تحت الضغط بسبب الأحداث الكبرى والمتابعة الإخبارية المحمومة.
على سبيل المثال، يمكن لتحديد 3 أولويات واقعية في اليوم، بدلا من قائمة طويلة غير قابلة للتحقق أن يساعد في تقليل الإحباط الناتج عن فجوة الإنجاز.
-
3- الصحة النفسية والبدنية شرطان للإنجاز
لا تعد العناية بالنوم أو الحرص على الحركة الخفيفة أو تقليل التعرض المستمر للأخبار مجرد نصائح رفاهية، بل شروط لاستعادة كفاءة الانتباه والذاكرة، خصوصا وأن النشاط البدني المعتدل يسهم في خفض مستويات الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
وتشير مراجعات لدراسات عدة نشرت نتائجها في مجلة “بي إم سي سايكولوجي” (PMC Psychology) إلى أن اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب في مناطق النزاع والاضطرابات الكبرى ترتبط مباشرة بتراجع الأداء اليومي وانخفاض الإنتاجية وضعف كفاءة الإنجاز. كما تتقاطع هذه الاضطرابات مع عوامل مثل قلة النوم وسوء التغذية وغياب النشاط البدني، وهي عناصر تزيد من حدة الضغط النفسي وتؤثر سلبا في التركيز والقدرة على اتخاذ القرار.
وتلفت المراجعات كذلك إلى أن التواصل المنتظم مع أشخاص موثوقين يساهم في خفض أعراض القلق وتعزيز المرونة النفسية. وفي بيئات العمل، يرتبط توفر مساحة آمنة للتعبير عن الضغوط بانخفاض معدلات الاحتراق الوظيفي وتحسن المناخ العام للأداء.
-
4- تنظيم العمل فترة الأزمات
إضافة لما سبق، فإن تقليل الاجتماعات غير الضرورية، وتحديد توقعات واقعية للإنتاج يساعدان في منع الإرهاق، لأن وضوح التوقعات يعد أحد أهم العوامل المرتبطة بالأداء في البيئات غير المستقرة.
وبحسب الطبيب النفسي ديفيد مايكل، في مقال بمجلة “ميديوم” (Medium) بعنوان “كيف تجعل تركيزك يدوم لفترة أطول وتصبح أكثر إنتاجية”، فإن المرونة هنا لا تعني خفض المعايير، بل إعادة تعريفها بما يتناسب مع التطورات.
فالإنتاجية في زمن الحرب أو الاضطرابات الكبرى “لا تقاس بعدد الساعات، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على الاستمرار دون استنزاف كامل لمواردهم النفسية والمادية على حد سواء”، وفق تعبيره.
المصدر: الجزيرة