أنهى هان تشنغ نائب الرئيس الصيني جولة أفريقية مكوكية شملت كينيا وجنوب أفريقيا وسيشل في الفترة ما بين 24 و30 مارس/آذار الماضي. ولم تكن هذه الجولة مجرد زيارة بروتوكولية، بل جاءت كمرحلة “تنفيذية” حاسمة لتحويل تعهدات منتدى التعاون الصيني الأفريقي إلى واقع اقتصادي ومؤسسي ملموس.
ويرى تقرير نشرته إذاعة فرنسا الدولية عبر مراسلها في بكين أن العنوان الأبرز لهذه الجولة هو التحول في العقلية الاقتصادية الصينية تجاه أفريقيا. فبعد عقود من التركيز على تمويل البنية التحتية الضخمة التي أثقلت كاهل بعض الدول بالديون، بدأت بكين تنتهج سياسة “المنفعة المتبادلة” عبر فتح أسواقها للمنتجات الأفريقية.
ففي كينيا، كان المشهد رمزيا بامتياز، حيث شهد هان تشنغ انطلاق أول شحنة بضائع كينية إلى الصين معفاة تماما من الرسوم الجمركية. وأفادت صحيفة ستاندرد الكينية بأن هذه الخطوة قد تساعد في تعزيز الصادرات وتقليل الضغوط على ميزان المدفوعات، بينما يحذر منتقدون من أن فتح الأسواق وحده لا يكفي ما لم يصاحبه دعم للقدرات الإنتاجية والتنافسية المحلية، ومراجعة شروط التمويل التي ترافق مشاريع البنية التحتية.

جنوب أفريقيا.. قاطرة الشراكة في العصر الجديد
كانت المحطة الثانية في جنوب أفريقيا هي الأكثر ثقلا من الناحية السياسية والاقتصادية. فمع وصول حجم التبادل التجاري إلى رقم قياسي تجاوز 53 مليار دولار في عام 2025، يبدو أن العلاقة بين بكين وبريتوريا قد تجاوزت نمط “البائع والمشتري” إلى “التحالف الإستراتيجي الشامل”.
ويعكس ترؤس هان تشنغ للجنة العليا المشتركة رغبة بكين في مأسسة العلاقات، بحيث لا تتأثر بالتقلبات السياسية الداخلية. ولم يكن التركيز هذه المرة على المناجم فقط، بل امتد ليشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، في إشارة واضحة إلى أن الصين تريد أن تكون شريكا للصناعة في أفريقيا، وليس فقط ممولا لطرقها.
أمن المحيط الهندي.. سيشل والبعد الجيوسياسي
لم تكن زيارة سيشل مجرد محطة دبلوماسية عابرة. ففي ظل التنافس المحموم بين الصين والقوى الغربية والهند في المحيط الهندي، جاء دعم بكين لـ”الاقتصاد الأزرق” وتكنولوجيا الصيد المستدام في سيشل ليرسل رسالة مفادها أن الصين حاضرة في الممرات المائية الحيوية عبر “القوة الناعمة” والدعم التنموي. فقد قدمت الصين منحة قدرها 14.5 مليون دولار لدعم مشاريع الإسكان والتنمية الاجتماعية في سيشل. كما ركزت المحادثات على التعاون في تكنولوجيا الصيد المستدام وحماية المحيطات.

دبلوماسية المؤسسات.. الرد الصيني على التحديات
تأتي هذه الجولة في وقت تواجه فيه الصين منافسة شرسة من مبادرات غربية مثل “البوابة العالمية” الأوروبية. وقد ركزت تصريحات هان تشنغ والوفد المرافق له على ما وُصف بـ”مأسسة” العلاقات عبر لجان وآليات مشتركة، مع التأكيد على تحقيق نتائج سريعة يشعر بها المواطنون، مثل مشاريع ربط البنية التحتية الإقليمية. ويعكس هذا المزيج بين آليات مؤسسية ومبادرات سريعة التنفيذ محاولة الجمع بين الاستقرار المؤسسي والنتائج العملية.
حاول هان تشنغ خلال هذه الجولة إعادة تعريف الشراكة الصينية الأفريقية لعام 2026 وما بعده، فهي شراكة لم تعد تكتفي ببناء الجسور والموانئ، بل تسعى لبناء “سلاسل قيمة” تسمح للمنتج الأفريقي بالوصول إلى المستهلك الصيني.
وبذلك، تحاول بكين تقديم نموذج تنموي بديل يربط بين استقرار الديون، وتدفق التجارة، والتعاون التكنولوجي، مما يضع القوى الغربية أمام تحد جديد لإثبات قدرتها على مجاراة هذا النفَس الصيني الطويل في القارة.
المصدر: الجزيرة