بالتزامن مع تصاعد حدة القتال في اليمن وسقوط مئات القتلى خلال أيام على خلفية اشتباكات متصاعدة بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، انتشر ادعاء بأن قبائل محافظة الجوف شمالي البلاد أعلنت “النفير العام” لمساندة الحوثيين.
واستند مروّجو الادعاء إلى مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي، زُعم أنه يوثق استنفارا غير مسبوق لقبائل محافظة الجوف، بهدف طرد القوات الحكومية ومن وصفتهم بـ”المعتدين”.
قصص مقترحة
list of 1 item
end of list
ويظهر المقطع المتداول -على أنه حديث- موكبا ضخما مكونا من عشرات المركبات تقل المئات من العناصر المسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، من دون الإعلان عن وجهتها.
توقيت حساس
ويأتي انتشار المقطع في وقت اتسعت فيه رقعة المعارك، إذ أعلنت الحكومة اليمنية إحراز تقدم في جبهتي الجوف والبيضاء، وسط تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة الإنسانية مع موجة نزوح جماعي جديدة.
ويكتسب الادعاء في هذا التوقيت الحساس أهمية كبيرة؛ إذ تُعد الجوف إحدى أهم البيئات القبلية في شمال اليمن، وتقع على مقربة من محافظة مأرب والحدود السعودية، وهو ما يمنحها أبعادا أمنية وسياسية تتجاوز نطاق المحافظة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الحساس.
وزعمت بعض الحسابات أن قبائل “دهم” جهزت 20 ألف مقاتل من قوات التعبئة العامة في محافظة الجوف، من أبناء القبائل والمشايخ بعتادهم وعدتهم لتكون دفعة أولى في مساندة جماعة أنصار الله في مواجهة التصعيد العسكري الجاري.
أول ناشر للمقطع
وتوصلت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة إلى أول ناشر للمقطع، وهو حساب باسم “محمد عدلان”، نشره بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول الجاري، مرفقا بادعاء: “جميع قبائل الجوف تعلن النفير والجهوزية لطرد مرتزقة السعودية من الجوف”.
وبتحليل نشاط الحساب، تبيّن أنه يروج بشكل متكرر لسردية جماعة الحوثيين في ظل توسّع المعارك الأخيرة.
كما نشرت وسائل إعلام عربية وصفحات أخرى يتابعها ملايين المستخدمين المقطع نفسه، مع ادعاء منسوب إلى “مصادر محلية” مفاده أن قبيلة دهم وأبناء محافظة الجوف أعلنوا جاهزيتهم لمساندة الحوثيين، وأن آلاف المسلحين منهم مستعدون للمشاركة، في تكرار للادعاء ذاته.
لكن وحدة المصادر المفتوحة تحققت من المقطع وتبين أنه مضلل إذ يعود إلى أشهر سبقت تصاعد المعارك الحالية، وفي سياق مغاير تماما.
كيف تحققنا؟
عند البحث، لم نعثر على أي تقارير موثوق بها تؤكد هذا الادعاء، بل وجدنا مقاطع منسوبة إلى مشاركة مسلحين من القبائل اليمنية إلى جانب قوات الحكومة، بالتزامن مع دخولها سوق اليتمة في محافظة الجوف، وهو ما أثار الشكوك حول صحة المقطع المتداول.
وعند التدقيق في الصوت المرافق للمقطع في ثوانيه الأولى، سمعنا أصواتا عبر مكبرات الصوت في الخلفية تنادي بـ”نفير قبائل دهم”، لكن ذلك لا يؤكد السياق الزمني الذي صور فيه المقطع.
البحث بكلمات مفتاحية
بحثنا بعبارة “نفير قبائل دهم” باعتبارها كلمة مفتاحية مساعدة على منصة “تيك توك”، واللافت أن النتائج قادتنا إلى مقاطع فيديو مشابهة من حيث العناصر: مواكب تضم مركبات، واصطفاف مئات العناصر المسلحة، وتشابه كبير في طبيعة الموقع.

لكن أغلب هذه المقاطع يعود نشرها إلى مطلع يوليو/تموز الماضي، مما عزز الشكوك حول الرواية المتداولة.
كما استخدمنا أداة “Who Posted What” للبحث عبر فيسبوك بعبارة “قبائل دهم” في مطلع يوليو/تموز الماضي، فظهرت معنا مشاهد مماثلة ارتبطت بتوافد أكثر من قبيلة من عدة محافظات يمنية في توقيت متزامن على موقع يعرف بـ”مطارح الريان”.

واللافت أن البحث عبر فيسبوك أظهر نسخة من المقطع نفسه، منشورة على حساب يحمل اسم “منصة وقناة اليمن الأولى”، وأشارت إلى أنه يوثق “نكفا قبليا” مسلحا لقبائل دهم في مديريات الزاهر والمتون والمطمة بمحافظة الجوف، وهو ما يؤكد أن المقطع ليس حديثا ولا صلة له بالتصعيد العسكري الجاري.
وعند مطابقة الفيديو الذي يُروج له على أنه حديث بالمقطع الأصلي المنشور في مطلع يوليو/تموز الماضي، ضمن أحداث النكف القبلي، يلاحظ التطابق التام بينهما، مما يؤكد إعادة تدويره.

وبالتعمق في البحث، تبيّن أن الأزمة التي أدت إلى ذلك “النكف القبلي” اندلعت على خلفية استغاثة امرأة زعمت أنها ابنة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وقالت إن القيادي في جماعة الحوثي فارس مناع استولى على منزلها في العاصمة صنعاء.
وتدخّل الشيخ حمد بن فدغم لنصرة استغاثتها، بوصف ذلك واجبا تمليه الأعراف القبلية في إغاثة المستجير ورد المظالم، ثم تصاعدت القضية عقب احتجاز الجماعة للشيخ والمرأة، وما تردد لاحقا عن تعرضهما لإجراءات قسرية أثناء الاحتجاز.
ومنذ أن أطلق الشيخ حمد بن فدغم نداء ما عرف بـ”نكف الكرامة” في 24 يونيو/حزيران الماضي توافدت على “مطرح الريان” عشرات الوفود من عدة محافظات يمنية، في واحدة من أوسع الاستجابات القبلية العابرة للمناطق والانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب عام 2014.
ويُعد “النكف” أحد أكثر الأعراف القبلية رسوخا في اليمن، ويقوم على تعبئة جماعية لنصرة المستجير ورد المظالم، ويستند إلى منظومة من الالتزامات الاجتماعية التي تمنحه قوة تتجاوز الاعتبارات الفردية.
ويُقصد به الاستنفار العام والدعوة الجماعية للنصرة و”الفزعة”، بهدف الدفاع عن القبيلة أو أحد أفرادها، أو مناصرة قضية تمسّ الحقوق أو الشرف أو الكرامة، وتُعد الاستجابة له واجبا قبليا وأخلاقيا لا يجوز التخلف عنه.
من روج للادعاء؟
بتتبع طبيعة الحسابات التي روّجت للمقطع المضلل مقرونا بالادعاء، تبين أنها حسابات مؤيدة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، في محاولة لإظهار دعم قبلي واسع لها في المناطق المتاخمة لسيطرتها.
ويشهد اليمن منذ أسبوع تصعيدا عسكريا متزايدا على عدّة جبهات، إذ شنّ الحوثيون المدعومون من إيران هجوما بريا تزامن مع قصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مناطق ساحلية مطلة على البحر الأحمر وفي محيط تعز، محاولين التقدم نحو مناطق متاخمة لمضيق باب المندب الإستراتيجي، تسيطر عليها الحكومة اليمنية.
الأهمية الإستراتيجية للجوف
تكتسب محافظة الجوف أهمية عسكرية كبيرة في سياق المعارك الحالية بين القوات الحكومية والحوثيين بسبب موقعها الجغرافي في شمال شرقي اليمن، إذ تقع على تماس مع محافظتي صعدة وعمران، وتجاور مأرب من جهة الجنوب.
وبسبب موقعها، تعد الجوف حلقة وصل إستراتيجية بين شمال اليمن وشرقه، وتمنح السيطرة عليها تأثيرا مباشرا في حركة القوات والإمدادات بين هذه الجبهات.
وتبرز أهمية الجوف أيضا باعتبارها بوابة باتجاه معاقل الحوثيين في صعدة وعمران، فالتقدم فيها يفتح محاور عسكرية نحو المحافظتين، ومنهما باتجاه صنعاء. بالإضافة إلى ذلك، تمنح المساحة الواسعة والطبيعة المفتوحة للجوف القوات المتقدمة مجالا للمناورة وإعادة الانتشار، وتضيف مواقع مثل الحزم ومعسكر اللبنات أهمية عملياتية للتحكم في طرق الحركة والإمداد.
المصدر: الجزيرة