قصة المنشور المحذوف.. هل يمكن استخدام الاستمطار والطقس سلاحا تكنولوجيا؟

ففي 22 أبريل/نيسان الماضي، نشرت السفارة الإيرانية في العاصمة الأفغانية كابل تغريدة تدعي فيها أنه “بعد تدمير المركز الإماراتي السري للتحكم بالمناخ، تغيرت أنماط الطقس”. هذان السطران كانا فحوى ما نشرته السفارة.

لكن سرعان ما حُذف المنشور ولزمت السفارة الصمت، غير أن الإنترنت لا ينسى، فقد التقط حساب مجهول التغريدة وأعاد نشرها لتحصد أكثر من 3.5 ملايين مشاهدة في ثلاثة أيام فقط.

ومع انتشار مقاطع فيديو -ثبت لاحقاً أنها مضللة- لتساقط الثلوج في غير موسمها في إيران، طفا إلى السطح سؤال يراود الملايين عن إمكانية أن تتحكم دول في التلاعب بطقس منطقة بعينها وافتعال العواصف أو الجفاف.

وتتبعت حلقة (19 مايو/أيار 2026) من برنامج “حياة ذكية” هذا الملف، وحاولت الإجابة عنه من خلال سرد عدد من القصص المشابهة والمواقف السياسية تاريخياً التي ألمحت بوجود هذا النوع من القدرات التكنولوجية لدى دول.

وهم سرقة السحب

عقب المنشور المحذوف، انتشر فيديو لمسجد يغطيه الثلج قيل إنه في طهران خلال أبريل/نيسان، كدليل على التلاعب بالمناخ. لكن أدوات التحقق الجغرافي أثبتت أن المبنى هو ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد الجبلية، حيث يعد تساقط الثلوج في هذا الوقت من العام أمراً معتاداً.

ولم يكن السياسيون بعيدين عن هذه النظريات، ففي عام 2011، اتهم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد دولاً أوروبية بإفراغ السحب قبل وصولها لبلاده.

وفي عام 2018، اتهم مسؤول عسكري إيراني إسرائيل ودول الجوار بـ”سرقة الثلوج والغيوم”، ولكن هل هذا ممكن علمياً؟ تجيب الحلقة عن هذا التساؤل بتوضيح وجود اختلاف بين الاستمطار وتغيير المناخ.

الحقيقة وراء “الاستمطار الصناعي”

فوفق ما ورد في الحلقة، فإن تقنية الاستمطار (Cloud Seeding) ليست سرية، بل هي موجودة منذ منتصف القرن الماضي وتُستخدم في دول عديدة من خلال رش مواد كيميائية مثل “يوديد الفضة” أو “كلوريد الصوديوم” لتسريع هطول الأمطار.

ومع ذلك، يجمع الخبراء والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية على أن لهذه التقنية قيوداً صارمة تمنعها من أن تكون سلاح دمار مناخياً:

  • أثر محدود ومؤقت: لا يتجاوز تأثير الاستمطار زيادة نسبة الهطول بـ 5% إلى 20% فقط من السحابة.
  • نطاق جغرافي ضيق: لا يتعدى تأثيرها 100 كيلومتر مربع.
  • لا يمكن تحريك السحب: التكنولوجيا الحالية لا تستطيع دفع سحابة من بلد إلى آخر، ولا يمكنها تخليق سحابة من العدم، بل تتعامل فقط مع السحب الموجودة مسبقاً.

أما الفيضانات والأمطار الغزيرة التي تضرب المنطقة، فهي ناتجة عن ظاهرة طبيعية ضخمة تُعرف بـ”النهر الجوي” (Atmospheric River)؛ وهي أشرطة ضخمة من بخار الماء تنطلق من المحيطات، تحمل كميات مياه تعادل أضعاف نهر الأمازون.

وإن الادعاء بأن رشة ملح من طائرة يمكنها افتعال أو إيقاف “نهر جوي”، يعادل الادعاء بإمكانية إيقاف شلالات نياجرا بكف اليد.

هل يتحكم الجيش الأمريكي في الزلازل والطقس؟

لا يقتصر هوس التحكم في الطقس على الشرق الأوسط، فالتقرير في حلقة حياة ذكية يكشف أن الولايات المتحدة تتبنى نفس الهوس، فبرنامج هارب الذي بدأ في التسعينيات بتمويل من البحرية الأمريكية ووكالة “داربا” وقع ضحية نظريات المؤامرة.

فقد كان هدف البرنامج الذي يبث موجات راديو عالية التردد (بقوة 3.6 ملايين واط) لتسخين الغلاف الأيوني (أيونوسفير) فوق ألاسكا، لكن أصابع الاتهام وُجهت إليه بافتعال الزلازل والبراكين والعواصف.

يُعدّ مشروع
يُعدّ مشروع “هارب” (HAARP) الأمريكي أحد أقوى أنظمة الإرسال الراديوي عالي التردد المختصة في دراسة الأيونوسفير (غيتي)

ورغم انتقال إدارة المشروع إلى جامعة ألاسكا، وتأكيد جلسات الاستماع في الكونغرس أنه لا يمتلك القدرة على تعديل الطقس، إلا أن ملايين الأشخاص -بمن فيهم نواب أمريكيون- لا يزالون يطالبون بتجريم ما يسمونه “الهندسة الجيولوجية”.

والمثير للاهتمام أن ولاية تينيسي الأمريكية مررت مؤخراً قانوناً يُجرم تعديل الطقس، وتدرس 10 ولايات أخرى قرارات مشابهة. ورغم أن العلماء يؤكدون أن هذه القدرات مستحيلة حالياً، إلا أن تشريع قوانين ضدها يعطي ملايين الناخبين إحساساً زائفاً بأن التقنية موجودة فعلاً.

ويرى علماء النفس والاجتماع أن الإيمان بقدرة دول معينة على تغيير الطقس له تفسير بسيط وهو الهروب من المسؤولية، وفق ما خلصت إليه الحلقة.

فعندما تضرب موجة جفاف قاسية دولة ما (كما حدث في إيران حيث تم استنزاف 77% من مكامن المياه الجوفية وجفت بحيرة أورمية)، أو عندما تغرق مدن غير مستعدة للسيول، يكون من الأسهل للسياسيين إلقاء اللوم على عدو خفي يسرق السحب بدلاً من الاعتراف بسوء إدارة الموارد المائية وتجاهل البنية التحتية.

 

المصدر: الجزيرة