عادت العاصمة القطرية إلى واجهة الأخبار العالمية مجدداً، عقب هجوم إسرائيلي استهدف قيادات من حركة حماس هناك يوم الثلاثاء الماضي.
وفي حزيران/ يونيو الماضي، قصفت إيران قاعدة العديد الجوية التي تديرها الولايات المتحدة في قطر، بعد قصف الولايات المتحدة لمواقع جوية داخل إيران.
كما تصدّرت عناوين الصحف خلال الأشهر الماضية، عندما قدّمت طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لتستخدم ضمن أسطول الطائرات الرئاسية.
من صيد اللؤلؤ إلى النفط والغاز
وفي عام 1916، وقّعت قطر اتفاقية مع بريطانيا منحت بموجبها لندن السيطرة على شؤونها الخارجية مقابل ضمان أمن الإمارة واستقرارها. وبعد عقود من الأزمات الاقتصادية، بدأت مرحلة جديدة مع انطلاق الاستكشافات النفطية في أربعينيات القرن الماضي، تبعها اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في خمسينياته، ما مهّد لتحول قطر إلى واحدة من أكبر مصدّري الطاقة في العالم.
الاستقلال
في عام 1968 أعلنت بريطانيا قرارها سحب قواتها من منطقة الخليج العربي، ما دفع قطر إلى الدخول في مفاوضات مع البحرين وإمارات أخرى شكّلت لاحقاً دولة الإمارات العربية المتحدة، في محاولة لتأسيس كيان اتحادي انتهت برفض الدوحة وإعلان استقلالها رسمياً عام 1971.
وفي عام 1995، تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني السلطة بعد انقلاب أبيض على والده، ليبدأ عهد جديد ارتبط بتحولات سياسية واقتصادية عززت من دور قطر الإقليمي والدولي.
في عام 1996 تبنت قطر إطلاق قناة الجزيرة الفضائية، التي قُدمت كمنبر إخباري مستقل، بتمويل مباشر من الأمير آنذاك. وبعد ثلاث سنوات، جرت أول انتخابات بلدية عام 1999، اعتُبرت خطوة رمزية نحو إضفاء طابع أكثر ديمقراطية على النظام السياسي.
وفي 2002، استضافت قطر قاعدة العديد الجوية، التي أصبحت مقراً لقيادة القوات الأمريكية في المنطقة. وبعد عام واحد، صوّت القطريون على دستور جديد نصّ على تشكيل مجلس شورى يضم 45 عضواً، يُنتخب ثلثاهم مباشرة فيما يعيّن الأمير البقية. دخل الدستور حيّز التنفيذ منتصف 2005، ليصبح أول دستور مكتوب في تاريخ البلاد.
وفي السياق الاقتصادي، وقعت قطر عام 2005 صفقة مع الولايات المتحدة بقيمة 14 مليار دولار لإنشاء أكبر مركز للغاز المسال في العالم، كما أصبحت في 2007 مع الإمارات من أكبر المساهمين في بورصة لندن. وفي 2009، قطعت الدوحة علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل بعد أن كانت تستضيف مكتباً تجارياً لها.
عام 2010 مثّل نقطة تحول بارزة بفوز قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتكون أول دولة عربية تنال هذا الامتياز. وبعد عام، أعلن الأمير حمد بن خليفة عن أول انتخابات برلمانية في تاريخ البلاد، حُدد موعدها عام 2013.
تستخدم قطر عائداتها الضخمة من احتياطيات الغاز لتمويل مشاريعها وطموحاتها الإقليمية والدولية.
تلعب قطر منذ سنوات دوراً محورياً كوسيط في النزاع المتكرر بين إسرائيل وحركة حماس، إذ وفّرت قناة اتصال غير مباشرة بين الطرفين خلال الحرب التي نشبت في قطاع غزة بعد هجمات 7 أكتبور/ تشرين الأول 2023، وغالباً ما نسّقت جهودها مع مصر والأمم المتحدة لتثبيت اتفاقات تهدئة مؤقتة أو تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
لكن الهجوم الإسرائيلي الأخير على قيادات من حماس في الدوحة أثار تساؤلات حول مستقبل هذا الدور، بعدما أكدت قطر أن مثل هذه العمليات “تُقوّض” جهود الوساطة الجارية لوقف إطلاق النار. وتقول الدوحة إن تحرّكاتها تندرج في إطار التزامات إنسانية ودبلوماسية أوسع، تشمل المساعدات والإغاثة في مناطق النزاع.
ورغم إشادة أطراف دولية بقدرة قطر على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، تواجه الدوحة انتقادات من بعض الحكومات التي ترى أن استضافتها لقيادات حماس يمثّل دعماً سياسياً للحركة.
في 5 يونيو/حزيران 2017، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، متهمةً إياها بإيواء معارضين سياسيين ومنحهم منبراً عبر قناة الجزيرة الممولة من الحكومة.
واتهمت الدوحة أيضاً بدعم جماعات مثل الإخوان المسلمين وتنظيم الدولة والقاعدة، وهي اتهامات نفتها قطر ووصفتها بأنها “غير مبررة”.
وطالبت هذه الدول بإغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر وخفض مستوى العلاقات مع إيران، فيما أُغلقت الحدود البرية والجوية والبحرية كوسيلة للضغط على الدوحة.
ورغم المقاطعة، نجحت قطر في تنويع شراكاتها التجارية، خصوصاً مع سلطنة عمان وإيران وتركيا. وأشار صندوق النقد الدولي في تقرير صدر في مارس/آذار 2018 إلى أن الأثر المالي المباشر للأزمة تلاشى إلى حد كبير.
وفي خضم الأزمة، تداولت صحف سعودية مقترحاً لشق قناة بحرية على طول الحدود بين البلدين، عُرفت باسم “قناة سلوى”، ما كان سيحوّل قطر إلى جزيرة، ووصفت الفكرة حينها بأنها جزء من “مشروع سياحي”، لكنها لم تُنفّذ.
وفي الرابع من يناير/كانون الثاني 2021، أُعلن التوصل إلى اتفاق مصالحة في قمة “العلا” بالسعودية بوساطة كويتية ودعم أمريكي. أعادت الرياض فتح حدودها مع قطر، لتلتحق بها لاحقاً الإمارات والبحرين ومصر في مسار تطبيع العلاقات.
فازت قطر في عام 2010 بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تنظم هذا الحدث العالمي، وهو ما اعتُبر محطة فارقة في تاريخها الحديث.