قمة أنقرة.. ملفات شائكة أمام قادة الناتو ومساع لطمأنة ترمب

تتجه الأنظار اليوم الثلاثاء إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث ستنطلق أعمال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تستمر يومين وتركز على تعزيز الإنفاق والقدرات الدفاعية الأوروبية وإبرام صفقات ضخمة لشراء الأسلحة، في ظل ضغوط أمريكية مكثفة لتحقيق توازن أكبر في مجال تقاسم الأعباء بين أعضاء الحلف.

ومن المقرر أن يصل قادة الدول الأعضاء الـ32 إلى أنقرة للمشاركة في القمة التي تُعقد في القصر الرئاسي التركي، في ظل مساع أوروبية حثيثة لكسب رضا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الغاضب إزاء الموقف الأوروبي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وتأتي هذه القمة بعد عام من تعهد الدول الأعضاء في الحلف بزيادة ميزانياتها الدفاعية والأمنية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منها بحلول عام 2035 تحت ضغط من ترمب.

التسلح لطمأنة ترمب

وأكد الأمين العام للحلف مارك روته أن الدول الأوروبية تفي بوعودها عبر تعزيز الميزانيات العسكرية والتحرك لتحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع عن قارتها في مواجهة روسيا.

وقال روته، في تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام بعد وصوله إلى أنقرة أمس الاثنين عشية انعقاد القمة، إن أعضاء الحلف سيكشفون خلال قمتهم في العاصمة التركية أنقرة عن عقود تسليح جديدة بمليارات الدولارات، ليُظهروا للرئيس الأمريكي التزامهم بتعهداتهم الدفاعية.

وأضاف روته: “بعد عام واحد فقط، نرى بالفعل تقدما نوعيا، فالحلفاء الأوروبيون وكندا يستثمرون بالفعل نحو 4% من ناتجهم المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن، وسيعرضون خططا واضحة بشأن كيفية تحقيق الهدف النهائي”.

وأشار إلى أن هذا الأمر “يُترجم بـ258 مليار دولار من الاستثمارات الإضافية في عامي 2025 و2026 معا، ونحن نستثمر في أمننا، ونحرص على أن يكون لدينا ما نحتاج إليه لحماية مجتمعاتنا اليوم وغدا، لأن التهديدات التي نواجهها حقيقية، بما في ذلك التهديد الروسي”.

إعلان

وأكد روته أنه إلى جانب اضطلاع دول أوروبية بمسؤولية أكبر بشأن دفاعها عن نفسها، أصبحت الآن “رأس حربة في توفير الدعم  لأوكرانيا”.

ويسعى القادة الأوروبيون في الحلف إلى تحويل تعهداتهم في مجال التسلح إلى التزامات ملموسة، لتهدئة الرئيس الأمريكي المستاء من فرض دول أوروبية قيودا على استخدام القوات الأمريكية لقواعدها لمهاجمة إيران.

blogs - ترمب مع الناتو
لقاء سابق بين ترمب (يمين) والأمين العام للحلف مارك روته في واشنطن (رويترز)

معرض للصناعات الدفاعية

ومن المقرر أن تُفتتح أعمال القمة بمعرض ومنتدى للصناعات الدفاعية يقام اليوم الثلاثاء قبيل بدء جلسات القمة، بهدف مساعدة الحلفاء على تحويل الزيادات السريعة في الميزانيات العسكرية إلى قدرات جديدة، حيث سيكشف القادة عن صفقات أسلحة جديدة تقدر بعشرات المليارات لإثبات التزامهم بالوعود أمام ترمب، وهو ما وصفه دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى -اشترط عدم كشف هويته- بالقول: “لقد حان وقت العرض”.

وفي سياق هذه الجهود، أعلنت كندا أمس الاثنين اختيارها شركة “تيسين غروب مارين سيستم” الألمانية لبناء أسطولها الجديد من الغواصات في برنامج تُقدَّر قيمته بمليارات الدولارات، لتعميق العلاقات الدفاعية مع حلفاء الناتو الأوروبيين.

ضغوط ترمب والملف الإيراني

وكان الرئيس الأمريكي قد غادر واشنطن متوجها إلى القمة في وقت متأخر من مساء الاثنين، يرافقه وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث.

وقبيل أيام قليلة من القمة، واصل ترمب هجومه على الحلفاء واصفا إنفاقهم الدفاعي بأنه “سخيف”، وكتب على منصته “تروث سوشيال” الأسبوع الماضي: “من السخف أن تستمر الولايات المتحدة في هذا المسار الأحادي الجانب في حين أن العلاقة ليست متبادلة. لم يقفوا بجانبنا عندما احتجنا إليهم”.

ويطمح القادة الأوروبيون إلى تجنب أي صدام حاد مع ترمب قد يضرب مصداقية الحلف، خاصة بعد تشكيكه مرارا في إمكانية استمرار واشنطن في الالتزام بحماية حلفائها.

وتشير تقارير إلى أن القادة الأوروبيين يعولون على علاقة ترمب الجيدة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحملة التودد التي يقودها الأمين العام للحلف روته، رغم وجود ملفات شائكة قد تشعل غضبه إثر خلافاته السابقة مع قادة آخرين، آخرهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني.

وفي محاولة لإظهار الرغبة في التعاون بشأن ملف إيران، شكّل الحلفاء الأوروبيون بقيادة فرنسا وبريطانيا بعثة بحرية محتملة للمساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، ونقلت دول سفنا حربية لتكون أقرب للمنطقة، غير أن الوضع يبقى قابلا للانفجار، إذ يفضل الأوروبيون التريث حتى تتضح معالم الاتفاق الأمريكي مع إيران قبل إرسال قطعهم البحرية.

وتشير التقارير إلى أن قادة الحلف يأملون أن يتبنى الرئيس الأمريكي نبرة تصالحية خلال القمة، بيد أنهم بدؤوا يتقبلون حقيقة تراجع الولايات المتحدة بشكل حتمي عن تحالفها معهم وتحوّل تركيزها نحو منطقة المحيط الهادي ومناطق أخرى.

فقد أعلنت واشنطن مؤخرا تقليص الأصول والقدرات العسكرية التي تضعها تحت تصرف قادة الناتو، معبرة عن رغبتها في أن يتولى الحلفاء زمام المبادرة في الدفاع عن القارة.

إعلان

ومن المتوقع أن تسعى الدول الأوروبية لإثبات جاهزيتها لتأدية هذا الدور، مع العمل جاهدة على إبقاء ترمب والجيش الأمريكي في التحالف قدر الإمكان.

زيلينسكي في أنقرة

على صعيد آخر، من المقرر أن ينضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى قادة الناتو، حيث سيحضر عشاء القادة مساء اليوم الثلاثاء، وسيحصل زيلينسكي على التزام من داعميه الأوروبيين بمواصلة تدفق المساعدات العسكرية إلى كييف.

ويسعى زيلينسكي للحصول على تعهدات بمساعدات عسكرية إجمالية بقيمة 140 مليار يورو (نحو 160 مليار دولار)، وحث الحلفاء على اتخاذ “قرارات حاسمة” لتقديم مزيد من صواريخ الدفاع الجوي بعد قصف روسي مدمر أسفر عن مقتل حوالي 30 شخصا.

ويُتوقع أن يعقد زيلينسكي اجتماعا ثنائيا مع ترمب على هامش القمة، يسعى من خلاله لإقناعه بأن كييف بدأت تقلب موازين الحرب لصالحها، وبأن عليه الضغط على موسكو لإعادتها إلى طاولة التفاوض.

 

المصدر: الجزيرة