عثر مواطن أمريكي بمحض الصدفة على كنز تاريخي مخبأ داخل مرآب منزله في ولاية نيويورك، يضم مئات الوثائق العسكرية السرية التي توثّق معاناة أكثر من 120 جنديا أمريكيا وقعوا في أسر الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية.
ووفق صحيفة واشنطن بوست، فإن الوثائق المكتشفة تتضمن شهادات نادرة كتبها الجنود وتسلط السجلات الضوء على الظروف المعيشية القاسية، ونقص الغذاء، والانتهاكات الصارخة التي واجهها هؤلاء الجنود في المعسكرات النازية.
قصص مقترحة
list of 3 items
end of list
مصادفة في صندوق متهالك
بدأت قصة اكتشاف الوثائق في بلدة “واترلو” بولاية نيويورك، عندما كان مواطن أمريكي يدعى جيسون هيردل ينظف مرآب منزله القديم، وأثناء إزالته للوح خشبي مثبت على الجدار، عثر على تجويف مخفي يحتوي على صندوق كرتوني قديم مليء بأوراق متهالكة كان على وشك رميها في سلة المهملات.
غير أن هبوب نفحة هواء رفعت أحد الأغطية لتكشف عن كلمة “سري” حُفرت بأحرف حمراء عريضة، مما أثار فضوله، ودفعه إلى فحص محتويات الصندوق، ليكتشف أنه يضم نحو 300 صفحة من الأوراق القديمة المكتوبة بخط اليد، عمرها نحو 80 عاما.
تضمنت الأوراق شهادات فردية ومدونات كتبها أسرى حرب أمريكيون، وصفوا فيها الظروف المأساوية التي عاشوها في المعتقلات النازية.
وتصف هذه الوثائق، التي يعود تاريخ بعضها إلى فبراير/شباط 1945، ظروفا قاسية عاشها الجنود داخل المعتقلات، تشمل سوء التغذية، ونقص الرعاية الطبية، وانتشار الفئران والقمل، فضلا عن نقلهم في عربات بضائع مكتظة وتعرضهم للقصف، مما شكل انتهاكا صريحا لاتفاقية جنيف لعام 1929 المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب.
وتضمنت الشهادات تقارير قدمها ضباط وردت أسماؤهم في التقارير، بالإضافة إلى شهادات جنود وثقوا مشاهداتهم لعمليات قتل وضرب، مثل شهادة رقيب يدعى إيجين إيدشون، كتب أنه شاهد حارسا يطلق النار على أسير توقف لتعديل حقيبته.
كما استذكر جندي يدعى هنري دالي تعرضه للأسر في معركة الثغرة وإجباره على السير في شوارع المدن والعمل في تفريغ عربات القطارات، وفقدانه اثنين من رفاقه بقصف جوي.

متى جمعت شهادات الجنود؟
تعود جذور هذه الوثائق إلى معسكر “لاكي سترايك” في نورماندي بفرنسا، وهو أحد المعسكرات الشهيرة التي أنشأها الجيش الأمريكي بعد تحرير أسراه من السجون الألمانية لاستجوابهم وتوثيق شهاداتهم لاستخدامها في محاكمات جرائم الحرب.
بيد أن وجود هذه الوثائق ظل مجهولا لعقود، إذ لم تسجل إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية الأمريكية اختفاءها رسميا في قوائم المفقودات لديها.
وبعد دراسة الوثائق، تواصل هيردل مع المؤرخين المحليين ومسؤولي الأرشيف الوطني الأمريكي، ليتولى “برنامج استعادة الأرشيف”، التابع للحكومة، التحقق من صحتها ونقلها إلى مقر الأرشيف في منطقة “كوليدج بارك” بمريلاند، حيث وُضعت تحت حراسة ومعالجة متخصصة تمهيدا لرقمنتها وإتاحتها للجمهور.
وأكدت المتحدثة باسم الأرشيف الوطني، غريس ماكفري، أن هذه الوثائق لم تكن مدرجة حتى ضمن قائمة المستندات المفقودة للحكومة، مشيرة إلى أهميتها التاريخية الاستثنائية في حفظ ذاكرة البلاد العسكرية.
كيف وصلت الوثائق لمرآب بنيويورك؟
حتى الآن ما زالت كيفية وصول هذه الوثائق الفدرالية السرية إلى مرآب المواطن الأمريكي الذي اكتشفها لغزا، فوفق جيسون هيردل الذي عثر على الصندوق، قد تكون الوثائق وصلت عن طريق جار سابق لأسرة زوجته، حيث إن المنزل يعود لعائلة زوجته عبر أجيال متعاقبة، وقد عثر في المكان الخفي نفسه على مقتنيات وتذكارات تعود لأحد أسلاف تلك العائلة.
كما لم يُعرف حتى الآن المسار الرسمي أو الشخص المحدد الذي نقل هذه الوثائق الفدرالية من معسكر الاستجواب “لاكي سترايك” في فرنسا إلى داخل مرآب المنزل الذي عثر عليها داخله.
ويحمل هذا الاكتشاف قيمة إنسانية وتاريخية فريدة بالنسبة لعائلات الأسرى والمتاحف الحربية، فقد أكد خبراء في متحف الحرب العالمية الثانية أن هذه الشهادات المباشرة توفر مادة تاريخية نادرة تكشف عن جوانب لا تتيحها كتب التاريخ التقليدية.
كما أتاحت الوثائق لبعض عائلات المحاربين القدامى فهم المعاناة الصامتة التي كتمها آباؤهم بعد عودتهم من الحرب ورفضوا الحديث عنها طوال حياتهم.
المصدر: الجزيرة