لم تكن الرشقات الصاروخية التي استهدفت مستوطنة كريات شمونة اليوم السبت -ضمن سلسلة عمليات أعلنها حزب الله ردا على الهجمات الإسرائيلية على لبنان– مجرد تطور أمني جديد على الجبهة الشمالية، بل أعادت إلى الواجهة أزمة مستوطنة تحولت خلال الأشهر الماضية إلى أحد أبرز مؤشرات الإخفاق الإسرائيلي في استعادة الاستقرار إلى المناطق المحاذية للحدود اللبنانية.
ومع كل جولة تصعيد جديدة، تجد كريات شمونة نفسها مجددا في دائرة الاستهداف. وبينما تنشغل الحكومة الإسرائيلية بإدارة التداعيات الأمنية والعسكرية للمواجهة، تكشف الوقائع على الأرض أزمة أعمق تعيشها المستوطنة -الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من الحدود اللبنانية- التي لا تزال تعاني من تداعيات النزوح وتراجع النشاط الاقتصادي وإحجام آلاف السكان عن العودة.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات متصاعدة بشأن مدى قدرة الحكومة الإسرائيلية على إنجاز أحد أهم أهدافها المعلنة، وهو إعادة الحياة الطبيعية إلى شمال إسرائيل، في وقت أصبحت فيه هذه الأزمة تمثل اختبارا سياسيا حقيقيا لحكومة بنيامين نتنياهو.
مدينة أشباح
تثير الأوضاع في كريات شمونة تساؤلات متزايدة داخل إسرائيل بشأن جدوى السياسات المتبعة على الجبهة اللبنانية، وقدرة الحكومة على استعادة ثقة آلاف السكان الذين ما زال كثير منهم مترددا في العودة إلى مدينة أصبحت تُوصَف في الإعلام الإسرائيلي بأنها “مدينة أشباح”.
وتعيش كريات شمونة منذ سنوات تحت هاجس الصواريخ وصفارات الإنذار، لكن الحرب الحالية وما تبعها من عمليات متبادلة بين حزب الله وإسرائيل دفعت المدينة إلى مرحلة مختلفة يصفها سكانها بأنها “حياة معلقة” بين الخوف من التصعيد والعجز عن استعادة الحياة الطبيعية.
ولم تعد أزمة كريات شمونة قضية أمنية مرتبطة بسقوط الصواريخ فحسب، بل تحولت إلى ملف سياسي داخلي يلاحق حكومة بنيامين نتنياهو.
فالمدينة التي شكلت لعقود إحدى القواعد الانتخابية التقليدية لليمين الإسرائيلي أصبحت اليوم من أكثر المناطق انتقادا لأداء الحكومة، وسط اتهامات متزايدة بالفشل في توفير الحماية وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
وقد عبّر رئيس بلدية كريات شمونة أفيحاي شتيرن عن هذا الغضب بوضوح عندما اتهم الحكومة بالتقصير في حماية السكان، قائلا إن الدولة أخفقت في أداء واجبها الأساسي المتمثل في توفير الأمن للمدنيين، محذرا من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى تراجع المدينة وفقدانها جزءا كبيرا من سكانها.
وأضاف: “لديّ 4700 شقة بدون حماية، أيّ نوع من النصر الإسرائيلي هذا؟ لا يُرسل جندي إلى المعركة بدون درع واقٍ، فلماذا يُوضع المدنيون على خط المواجهة بدون حماية؟”، كما تحدث أحد سكان المستوطنة قائلا: “نحن كالبط في مهب الريح، إنه لأمر جنوني أن نعيش في هذه المدينة، وكأننا في ساحة معركة دائمة”.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الحياة اليومية، فالسكان الذين عاد بعضهم بعد فترات طويلة من الإجلاء وجدوا أنفسهم أمام مدينة تعاني من تراجع الخدمات وإغلاق المؤسسات التجارية وضعف النشاط الاقتصادي، ويؤكد محتجون محليون أن أكثر من 30% من السكان لم يعودوا حتى الآن، وأن جزءا منهم أعلن نيته عدم العودة نهائيا.
ويبدو التأثير الاقتصادي للحرب من أكثر الجوانب وضوحا في المدينة، فقد تضررت الأعمال الصغيرة والمتوسطة بشكل كبير نتيجة الإخلاء المتكرر وتراجع عدد السكان.

فرار جماعي
ويتحدث أصحاب مشاريع عن انخفاضات حادة في المبيعات وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 50% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، في حين اضطرت مؤسسات كثيرة إلى تقليص عدد العاملين أو إغلاق نشاطها كليا.
كما انعكست الأزمة على القطاعات التي كانت تشكل ركيزة للاقتصاد المحلي، خصوصا الزراعة والسياحة، فالمزارعون يواجهون صعوبات في العمل قرب المناطق الحدودية، بينما تراجعت الحركة السياحية التي كانت تشكل موردا مهما للمنطقة الشمالية.
ويحذّر مسؤولون محليون من أن استمرار هذا النزيف سيؤدي إلى انخفاض قيمة العقارات وتراجع الاستثمارات الخاصة، مما قد يحول الأزمة الأمنية المؤقتة إلى أزمة تنموية طويلة الأمد.
ورغم إعلان الحكومة الإسرائيلية تخصيص مليارات الشواكل لإعادة تأهيل الشمال، فإن السلطات المحلية والسكان يشتكون من بطء وصول الأموال وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية، ويقول مسؤولون محليون إن الفجوة ما زالت كبيرة بين ما يُعلَن عنه في الخطط الحكومية وما يتحقق فعليا على الأرض.
على الجانب الآخر من الحدود، تبدو الصورة مختلفة في التفاصيل لكنها متشابهة في النتائج، فبينما تعاني كريات شمونة من النزوح والركود الاقتصادي، يعيش جنوب لبنان أوضاعا أكثر قسوة نتيجة الغارات والدمار الواسع والنزوح الجماعي والقصف شبه اليومي.
مستقبل المدينة
وتبرز هنا معضلة أخرى تتعلق بمستقبل كريات شمونة على المدى البعيد، فالكثير من العائلات التي انتقلت خلال الحرب إلى وسط إسرائيل وجدت فرصا أفضل في التعليم والخدمات والعمل، مما جعل فكرة العودة إلى الشمال أقل جاذبية.
ويحذر مسؤولون محليون من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى تراجع قيمة العقارات وانخفاض الاستثمارات وتسارع الهجرة الداخلية، من شمال إسرائيل إلى وسطها.
سياسيا، تمثل كريات شمونة تحديا متزايدا لحكومة نتنياهو، فاستمرار القصف والاضطرابات الأمنية يضعف الرواية الرسمية التي تتحدث عن استعادة الردع وتحقيق الأمن في الشمال، كما يمنح المعارضة الإسرائيلية فرصة لاتهام الحكومة بالعجز عن حماية سكان الحدود وإعادة الحياة الطبيعية إليهم.
وفي المقابل، يجد نتنياهو نفسه أمام خيارات معقدة، فالتصعيد العسكري المستمر يحمل أخطار استنزاف إضافية للجبهة الداخلية والاقتصاد، بينما قد يُنظَر إلى أي تسوية أو تهدئة طويلة الأمد على أنها تراجع عن أهداف الحرب.
غير أن المفارقة تكمن في أن إسرائيل التي تطرح الحرب باعتبارها وسيلة لإعادة الأمن إلى شمالها، تجد نفسها بعد أشهر طويلة أمام واقع لم ينجح بعد في إعادة الاستقرار إلى كريات شمونة، التي أصبحت بالنسبة لكثير من الإسرائيليين رمزا لأزمة أعمق تتجاوز حدود المواجهة العسكرية مع حزب الله.
المصدر: الجزيرة