كيف تؤثر الميكروبات التي تعيش في السحب على حياتنا

تجوب تريليونات من البكتيريا والفطريات والفيروسات والكائنات وحيدة الخلية، أعالي الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

والعلماء في طور اكتشاف أنها تؤثر بشكل كبير في الطقس، وحتى على صحتنا.

السحب رفيقتنا الدائمة خلال حياتنا. تطفو فوقنا أحياناً على شكل خيوط رفيعة. وفي أيام أخرى، تُظلم السماء وتُسقط علينا المطر.

ولكن، وعلى الرغم من معرفتنا بهذه الأغطية التي تتشكل من بخار الماء، إلا أنها تُخفي عنا سراً.

استغرق الأمر عقوداً حتى يتقبل الناس حقيقة وجود هذه الكائنات الحية التي تعيش في البيئة الهوائية.

في ثلاثينيات القرن العشرين، حلق بعض العلماء في السماء بالطائرات، حاملين شرائح وأطباق بتري – وهي أطباق دائرية شفافة ذات غطاء مسطح، تستخدم لزراعة الكائنات الحية الدقيقة في المختبرات الطبية – لالتقاط جراثيم فطرية وبكتيريا تعيش في الهواء.

اليوم، في القرن الحادي والعشرين، ينشر علماء الأحياء الهوائية أجهزة متطورة لجمع عينات الهواء على طائرات بدون طيار.

كما يستخدمون تقنية تسلسل الحمض النووي لتحديد الكائنات الحية المحمولة جواً من خلال جيناتها.

ويُدرك الباحثون الآن أنّ البيئة الهوائية هي موطن هائل يعج بالزوار من الكائنات الحية.

في كل مرة تتحطم فيها موجة في المحيط، تُقذف قطرات دقيقة من مياه البحر في الهواء، ويكون بعضها يحمل فيروسات وبكتيريا وطحالب وكائنات حية وحيدة الخلية أخرى.

وبينما تسقط بعض هذه القطرات بسرعة عائدةً إلى المحيط، تلتقط الرياح بعضها الآخر وترتفع إلى السماء، حيث يمكن أن تحملها لآلاف الأميال.

على اليابسة، يمكن للرياح أن تجرف الأرض، حاملةً البكتيريا والفطريات والكائنات الحية الأخرى.

وفي كل صباح، عندما تشرق الشمس وتتبخر المياه في الهواء، يمكن أن تطلق أيضاً كائنات دقيقة.

كما تُولّد حرائق الغابات، تيارات هوائية صاعدة عنيفة قادرة على امتصاص الميكروبات من الأرض ومن جذوع الأشجار وأوراقها، حاملةً إياها إلى الأعلى مع الدخان المتصاعد.

فالطحالب، على سبيل المثال، تُنبت ساقاً تحمل في طرفها كيساً من الأبواغ (خلية تكاثر لا جنسي في علم النبات)، تُطلقه كنفحات من الدخان في الهواء.

وقد يسقط ما يصل إلى ستة ملايين من الأبواغ الطحلبية على متر مربع واحد من المستنقع خلال صيف واحد.

إذ تتكاثر العديد من أنواع النباتات عبر إطلاق مليارات حبوب اللقاح جواً خلال كل ربيع.

فقد طورت مدافع بيولوجية ووسائل أخرى لإطلاق أبواغها في الهواء، كما أن أبواغها مُجهزة بأصداف متينة وتكيفات أخرى لتحمل الظروف القاسية التي تواجهها أثناء سفرها عالياً حتى طبقة الستراتوسفير.

وقد عُثر على فطريات على ارتفاع يصل إلى 12 ميلاً (20 كيلومتراً)، فوق مياه المحيط الهادئ المفتوحة، وهي محمولة على الرياح.

كما يُقدّر أن 50 مليون طن من أبواغ الفطريات تُحمل جواً في المدة الزمنية نفسها.

وتصعد أعداد لا تُحصى من الفيروسات والأشنات والطحالب وغيرها من أشكال الحياة المجهرية إلى الهواء.

ومن الشائع أن تسافر لأيام في الهواء قبل الهبوط، وخلال هذه الفترة يُمكن أن تُحلّق لمئات أو آلاف الأميال.

وخلال هذه الرحلة، قد يطير كائن حي إلى منطقة من الهواء حيث يتكثف بخار الماء على شكل قطرات.

وسرعان ما يجد هذا الكائن نفسه مُغلفاً بإحدى تلك القطرات، وقد تحمله التيارات الصاعدة إلى عمق أكبر داخل كتلة الماء. فيدخل عندئذٍ قلب سحابة.

وقد جاء الكثير ممّا تعلمه العلماء عن الحياة في السحب، من قمة جبل في فرنسا يُسمى بوي دو دوم.

وعلى مدار العشرين عاماً الماضية تقريباً، زُوِّدت محطة أرصاد جوية على قمة بوي دو دوم بأجهزة أخذ عينات من الهواء.

ويرتفع الجبل عالياً لدرجة أنّ السحب تغطي قمته بانتظام، ما يسمح للعلماء بالتقاط بعض الكائنات الحية من عليها.

وكشفت دراسات أجراها بيير أماتو، عالم الأحياء الهوائية في جامعة كليرمون أوفيرنيو الفرنسية القريبة من المنطقة، أن كل مليمتر من مياه السحابة التي تطفو فوق بوي دو دوم، يحتوي على ما يصل إلى 100,000 خلية. وقد كشف حمضها النووي أنّ بعضها ينتمي إلى أنواع مألوفة، لكن الكثير منها جديد على العلم.

ويشعر العلماء الذين يستخدمون الحمض النووي لتحديد نوع هذه الكائنات، بالقلق الدائم بشأن إمكانية تلوث العينات، وأماتو ليس استثناءً.

وفي مختبر أماتو أيضاً، قد يزفر طالب دراسات عليا وهو يعاين العينات، بعض الجراثيم في أنبوب الاختبار.

وعلى مر السنين، رفض أماتو الاعتراف بآلاف الأنواع المحتملة، مشتبهاً بأن يكون هو أو طلابه قد لطخوا المعدات بميكروبات جلدية عن غير قصد.

إلا أنّهم أعلنوا بثقة عن اكتشافهم أكثر من 28,000 نوع من البكتيريا في السحب، وأكثر من 2,600 نوع من الفطريات.

ويشتبه أماتو وعلماء آخرون يدرسون السحب، في أنها قد تكون أماكن مثالية لبقاء البكتيريا على قيد الحياة – على الأقل لبعض الأنواع منها.

وكتب أماتو وفريق من زملائه عام 2017: “السحب بيئات مفتوحة للجميع (جميع الأنواع)، ولكن بعضها فقط هو الذي يزدهر فيها”.

 

المصدر: BBC