كيف تتغير احتياجات جسمك الغذائية من الطفولة إلى الشيخوخة؟

تعد التغذية المتوازنة حجر الزاوية للصحة المستدامة، إلا أن العلم يؤكد أن “الغذاء المثالي” ليس ثابتا لجميع الفئات العمرية، إذ يتغير تبعا للساعة البيولوجية واحتياجات الجسم في كل مرحلة. فما يحتاجه الرضيع لبناء دماغه يختلف تماما عما يحتاجه البالغ لحماية قلبه أو المسن للحفاظ على كتلته العضلية.

1. مرحلة الطفولة: بناء الأساس والذاكرة الغذائية

تعتبر مرحلة الطفولة الفترة التي يبني فيها الطعام أجسامنا وأدمغتنا. يحتاج الأطفال في هذه المرحلة إلى سعرات حرارية صحية، وحديد، ويود، ومجموعة واسعة من الفيتامينات لدعم المناعة والنمو.

آثار تناول السكر في مرحلة الطفولة

وفقا لما ورد في تقرير لبي بي سي (BBC)، أجريت دراسة بحثية نُشرت عام 2025، قام فيها فريق عالمي من الباحثين بفحص السجلات الطبية لـ 63 ألف شخص ولدوا في المملكة المتحدة بين عامي 1951 و1956 – فترة تقنين السكر في الحرب العالمية الثانية-، وكشفت الدراسة عن نتائج مذهلة:

  • الأطفال الذين تعرضوا لكميات أقل من السكر وهم في الأرحام وفي أول ألف يوم من حياتهم، كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 20 بالمئة في وقت لاحق من حياتهم.
  • كما انخفض خطر إصابتهم بفشل القلب بنسبة 25 بالمئة، والسكتة الدماغية بنسبة 31 بالمئة مقارنة بالأطفال الذين تناولوا السكر بحرية بعد انتهاء التقنين.

بناء العظام

توضح عالمة التغذية في إمبريال كوليدج لندن (Imperial College London) د. فيدريكا أماتي، أنه منذ الحمل وحتى سنوات الدراسة، ينمو الأطفال بسرعة وتتكون معظم كتلة عظامهم المستقبلية. لذا، يعد الكالسيوم وفيتامين دي أولويات قصوى للوصول إلى كتلة العظام المثالية في هذه المرحلة العمرية، وذلك لتقليل خطر الهشاشة مستقبلا.

Nutrition healthy eating habits for kids concept. Children do not like to eat vegetables. Little cute boy refuses to eat healthy vegetables.
يعد الكالسيوم وفيتامين دي أولويات قصوى في مرحلة الطفولة (شترستوك)

2. المراهقة والعشرينيات

تشير د. أماتي إلى أن هذه المرحلة العمرية هي فرصة كبرى ثانية لبناء جسم صحي على الأمد الطويل، حيث يتباطأ النمو الجسدي لكن الحاجة للعناصر الغذائية تظل مرتفعة لدعم النشاط الدراسي والاجتماعي وبناء عادات تحمي القلب والدماغ.

إعلان
  • الصحة العقلية: تذكر د. أماتي أن الأنماط الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة في المراهقة ترتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق، بينما تعمل حمية البحر الأبيض المتوسط كوقاية.
  • الخصوبة: تؤثر حمية البحر الأبيض المتوسط إيجابا على الخصوبة للرجال والنساء، بينما ترتبط الأنظمة الغذائية القائمة على الأطعمة المعالجة بالعقم.

3. منتصف العمر: إدارة التحولات الهرمونية

تعد مرحلة منتصف العمر فترة حرجة للتغذية، إذ تتباطأ قدرة الجسم على تعويض الخلايا والأنسجة، وتحدث تحولات هرمونية، خاصة لدى النساء في مرحلة سن اليأس، مع فقدان كثافة العظام وتغير توزيع الدهون في الجسم.

في هذه المرحلة، يصبح التركيز على التغذية المتوازنة أكثر أهمية للحفاظ على الصحة على المدى الطويل، ومنع الأمراض المزمنة مثل هشاشة العظام وأمراض القلب والسكري.

يُوصى هنا بالتركيز على العناصر الغذائية الأساسية التي تدعم العضلات والعظام، مثل البروتين والكالسيوم وفيتامين دي، مع الاستمرار في تناول الأطعمة الغنية بالمغذيات والدهون الصحية، مثل أحماض أوميغا 3 من الأسماك والمكسرات.

كما تساعد الألياف على دعم صحة الجهاز الهضمي والحفاظ على توازن الوزن، بينما تلعب المعادن مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم دورا مهما في وظيفة العضلات والأعصاب وتنظيم ضغط الدم.

Portrait of a young woman preparing and eating breakfast, drinking juice in the kitchen at home
من المهم التركيز على التغذية المتوازنة في مرحلة الشباب (شترستوك)

4. مرحلة الشيخوخة: مواجهة التدهور الوظيفي

تتدهور صحتنا مع التقدم في السن ونفقد الكتلة العضلية، مما يجعل البروتين ضرورة لمنع “الساركوبينيا” (Sarcopenia) أي فقدان الكتلة العضلية وقوتها مع التقدم في العمر.

يفقد البالغ المتوسط ما بين 3 و8 بالمئة من كتلته العضلية في كل عقد بعد سن الثلاثين، ويصبح الجسم أقل كفاءة في بناء العضلات مع التقدم في العمر. ووفقا لموقع هيلث لاين (Healthline)، تشير الدراسات إلى أن تناول كميات كافية من البروتين يوميا يمكن أن يقلل فقدان العضلات، إذ أظهرت إحدى الدراسات التي تابعت أكثر من ألفي مشارك من كبار السن لمدة ثلاث سنوات أن الأشخاص الذين تناولوا أعلى كمية من البروتين فقدوا كتلة عضلية أقل بنسبة تصل إلى 40 بالمئة مقارنة بمن تناولوا أقل كمية.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب الميكروبيوم (Microbiome) دورا مهما في طول العمر وجودة الصحة لدى كبار السن. فقد أظهرت الأبحاث أن المعمرين فوق مئة عام يمتلكون ميكروبيوم متنوعا وفريدا يحتوي على بكتيريا مثل Faecalibacterium prausnitzii التي تحمي الصحة.

كما أن مكملات البريبايوتك (Prebiotics) قد تساعد في تحسين الإدراك لدى كبار السن.

Happy retired senior indian couple eating healthy breakfast together, Elderly husband wife enjoy food at table, Love and bonding. Retirement life.
البروتين من العناصر الضرورية للحفاظ على الكتلة العضلية في مرحلة الشيخوخة (شترستوك)

خلاصة الاحتياجات الغذائية الحرجة مع تقدم السن

وفقا لموقع هيلث (Health) توصي أخصائيتا التغذية لورين ماناكر وكريستينا مانيان، بمجموعة من العناصر التي يجب التركيز عليها:

  • البروتين: يُنصح بتناول ما لا يقل عن 1.2 إلى 1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميا للحفاظ على العضلات، ويفضل دمجه مع تمارين المقاومة.
  • فيتامين بي 12: نظرا لضعف قدرة الجسم على امتصاصه -حيث يعاني 10 إلى 30 بالمئة من كبار السن من ضعف الامتصاص بسبب نقص حمض المعدة، يُنصح بجرعة 6 إلى 10 ميكروغرامات يوميا من المصادر الحيوانية أو الأطعمة المدعمة.
  • الألياف: يُنصح بتناول 25 غراما يوميا على الأقل؛ للوقاية من الإمساك (الشائع عند الأشخاص فوق 65 عاما) ولمنع مرض “الرتج” (Diverticulosis) الذي يصيب 50 بالمئة من الأشخاص فوق الخمسين.
  • الكالسيوم وفيتامين دي: تزداد الحاجة لهما لأن امتصاص الكالسيوم يقل مع السن، كما يصبح الجلد أرق وأقل كفاءة في إنتاج فيتامين دي. الجرعة المطلوبة هي 1200 ملغرام من الكالسيوم و 20 ميكروغراما من فيتامين دي لمن تجاوزوا السبعين.
  • المغنيسيوم والبوتاسيوم: المغنيسيوم مهم لدعم العضلات والأعصاب وتنظيم سكر الدم، بينما يقلل البوتاسيوم من خطر ضغط الدم وحصوات الكلى.
  • أحماض أوميغا 3: حيوية لحماية القلب (السبب الرئيسي للوفاة بين المسنين) وحماية الدماغ من التدهور المعرفي.
  • الماء والترطيب: ضروري جدا لأن “مستقبلات العطش” في الدماغ تصبح أقل حساسية مع السن، مما يجعل المسن لا يشعر بالعطش رغم حاجة جسمه للماء.
إعلان

 

المصدر: الجزيرة