ويمثل النفط الإيراني والفنزويلي ركيزة إستراتيجية لأمن الطاقة في الصين، حيث تساهم هذه الإمدادات -ضمن قائمة المصادر المعاقبة التي تشكل أكثر من 20% من واردات بكين- في توفير مليارات الدولارات سنويا وضمان استمرار الزخم الصناعي الصيني في مواجهة الضغوط الغربية.
وتُظهر التطورات الأخيرة -وفقا لما ورد في برنامج ظلال الحرب– أن الضغوط الأمريكية على إيران وفنزويلا تتجاوز كونهما صراعا مع أنظمة معارضة للولايات المتحدة، لتصل إلى استهداف مباشر للاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل حيوي على النفط الخاضع للعقوبات.
أباريق الشاي ونفط الظل
تعتمد الصين إستراتيجية معقدة للحصول على النفط الإيراني بعيدا عن أعين الرقابة الدولية، فهي لم تستورد برميلا واحدا من إيران منذ يوليو/تموز 2022 وفقا للبيانات الرسمية الصينية، إلا أن الواقع الجمركي يشير إلى ارتفاع هائل في الواردات القادمة من ماليزيا، والتي وصلت في يونيو/حزيران 2025 إلى 1.72 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل ضعف إنتاج ماليزيا الفعلي.
وتعتمد هذه العملية على ما يُعرف بـ “أسطول الظل”، وهي ناقلات نفط قديمة تعمل في نقاط تجمع غير مرخصة في عرض البحر، حيث تُطفأ أجهزة التتبع وتُنقل الشحنات من سفينة إلى أخرى ليعاد تسجيلها كنفط ماليزي أو إندونيسي.
وتعد “أباريق الشاي” -وهي مصافي تكرير مستقلة في مقاطعة شاندونغ الصينية- الوجهة النهائية لهذا النفط، حيث تحصل عليه بخصومات مغرية تتراوح بين 8 و10 دولارات للبرميل الواحد، مما يوفر مليارات الدولارات لدولة تستورد نحو 11.6 مليون برميل يوميا.
نهاية عصر الخصومات
لم يقتصر الضغط الأمريكي على الشرق الأوسط؛ ففي أمريكا الجنوبية، حيث استثمرت بكين مليارات الدولارات في قطاع الطاقة الفنزويلي منذ عهد هوغو شافيز، جاءت الضربة عبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع عام 2026 ضمن حملة للحد من تهريب المخدرات أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
هذا التحرك أدى فورا إلى اضطراب سياسات بيع النفط الفنزويلي، ورفع أسعاره بنسبة 30%، مما أنهى عمليا عصر النفط الرخيص الذي كانت تعتمد عليه الصين لتغطية نحو 4% من احتياجاتها السنوية عبر صفقات مدعومة وقروض ميسرة.

ومع تصاعد التهديدات الأمريكية تحت شعار منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وشن حملة عسكرية أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير/شباط الماضي، دخل أمن الطاقة الصيني مرحلة الخطر الشديد.
فمضيق هرمز يمثل “عنق الزجاجة” للصناعة الصينية، حيث يمر عبره أكثر من نصف النفط المتجه إلى الصين، ويأتي 40% من احتياجاتها من دول الشرق الأوسط.
ولذلك تشكل عرقلة الملاحة في هذا المضيق إثر العمليات العسكرية تهديدا مباشرا للأمن القومي الصيني، وهو ما يفسر دعوات بكين المستمرة لوقف التصعيد العسكري فورا.
لماذا سلاح الطاقة؟
تشير تقارير وتسريبات أمنية أمريكية، أبرزها ما يُعرف بـ “Overmatch Brief”، إلى أن واشنطن تفضل خيار “الضغط عبر الطاقة” على المواجهة العسكرية المباشرة مع الصين.
فقد أظهرت المحاكاة العسكرية لحرب محتملة بشأن تايوان احتمالية وقوع خسائر أمريكية كبيرة وتدمير طائرات وحاملات صواريخ في الأيام الأولى.
كما أن المواجهة التجارية الشاملة قد تضر بالاقتصاد الأمريكي إذا ردت الصين بمنع تصدير “المعادن الأرضية النادرة”.
وبناءً عليه، وجد صانع القرار الأمريكي في العقوبات والسيطرة على الممرات البحرية وتجفيف منابع النفط الرخيص أداة أقل تكلفة وأكثر فاعلية للحد من التمدد الصيني.
خطة بكين الاستباقية
في المقابل، لم تكن الصين غافلة عن هذه السيناريوهات؛ فمنذ أكثر من عقدين، بدأت بكين بناء احتياطيات نفطية إستراتيجية ضخمة.
وتفيد تقديرات شركات تتبع الشحن بأن المستودعات الصينية البرية احتوت مع بداية عام 2026 على أكثر من 1.2 مليار برميل من النفط، وهو ما يكفي لتغطية أكثر من 100 يوم من صافي الواردات.
ورغم أن هذه “الوسادة النفطية” تمنح بكين وقتا للمناورة والتعامل مع الصدمات، فإنها تظل حلولا مؤقتة في ظل نمط أمريكي متصاعد يستهدف مراكز إنتاج الطاقة العالمية لعرقلة مسار التنين الصيني.
المصدر: الجزيرة