لم تعد خريطة الضفة الغربية مجرد ورقة تحدد حدودا سياسية متنازعا عليها، بل تحولت خلال ستة عقود إلى مسرح لعملية “هندسة مكانية” تعد من الأكثر تعقيدا في التاريخ الحديث منذ عام 1967.
ولم يقتصر المشروع الإسرائيلي على بناء وحدات سكنية للمستوطنين، بل استهدف تفكيك النسيج الجغرافي الفلسطيني واستبدال شبكة سيطرة إسرائيلية متصلة به.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
اليوم، في عام 2026، لم يعد مصطلح “التوسع الاستيطاني” كافيا لوصف المشهد، إذ نحن أمام واقع “الحسم المكاني”، حيث تحولت الجغرافيا الفلسطينية إلى “أرخبيل” من الجزر المعزولة داخل فضاء من السيطرة الإسرائيلية الشاملة.

وعلى بُعد 7 كيلومترات شرق القدس، تقع مستوطنة “معاليه أدوميم”، إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية. أُنشئت عام 1975 على أراض صودرت من العيزرية وأبو ديس والطور، ضمن ما تصفه إسرائيل بـ”الدرع الشرقي” للقدس.
وتشكل المستوطنة محور مشروع (E-1) الهادف لربطها بالقدس عبر توسع استيطاني متصل، ما يؤدي فعليا إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وتقويض قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

منظومة السيطرة الشاملة.. أرقام تتجاوز الجغرافيا
تكشف البيانات الميدانية المحدثة عن بنية سيطرة متعددة الطبقات، تبدأ بالإنسان وتنتهي بالقانون. يقطن الضفة الغربية اليوم، بما فيها القدس الشرقية، أكثر من 780 ألف مستوطن، يتوزعون على 192 مستوطنة رسمية وما يزيد على 350 بؤرة استيطانية.
ولم يعد هذا الانتشار عشوائيا، بل يتبع إستراتيجية “نقاط الارتكاز” الهادفة إلى قطع التواصل بين المدن الفلسطينية الكبرى.
صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال مخيم جنين وعمليات هدم مستمرة.
أما على مستوى المساحة، فتسيطر إسرائيل فعليا على ما يقرب من 42% من مساحة الضفة عبر المستوطنات والمجالس الإقليمية التابعة لها.
وتشكل المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو نحو 61% من المساحة الكلية، وقد تحولت إلى مخزون إستراتيجي للاستيطان، إذ يحظر على الفلسطينيين البناء في 99% منها، مقابل تسهيلات واسعة للمستوطنين لإنشاء مزارع وشبكات طرق.
صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال مخيم نور شمس وعمليات هدم مستمرة.
أدوات السيطرة الناعمة.. “التصنيفات” كفخ قانوني
تعتمد إسرائيل منظومة من المسميات القانونية التي تبدو تقنية، لكنها تؤدي عمليا إلى مصادرة الأرض:
- أراضي الدولة: جرى تحويل نحو 15% من الضفة إلى “أراضي دولة”، تخصص حصريا للمستوطنين.
- المناطق العسكرية المغلقة: تغطي نحو 18% من المساحة، وتستخدم غالبا لتفريغ التجمعات البدوية قبل تحويلها لاحقا إلى كتل استيطانية.
- المحميات الطبيعية: استخدم هذا التصنيف لمصادرة مساحات واسعة، خاصة في الأغوار، عبر منع الفلسطينيين من الوصول إليها قبل إعادة توظيفها لخدمة التوسع الاستيطاني.

الانفجار الاستيطاني الكبير (2023-2026)
تمثل السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرحلة “الهرولة نحو الضم”، إذ انتقلت إسرائيل من نمط الاستيطان الحكومي الرسمي إلى نمط “الخصخصة الميدانية”.
برز ما يعرف بـ”الاستيطان الرعوي” كأخطر الأدوات، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمة مع قطيع أغنام، وبحماية الجيش يسيطرون على آلاف الدونمات المحيطة. وقد أنشئت أكثر من 165 بؤرة من هذا النوع منذ 2023، منها 89 بؤرة في عام 2025 وحده.
في المقابل، جرى دفع نحو 390 مخططا هيكليا لشرعنة آلاف الوحدات السكنية، بما يعني تحويل البؤر العشوائية إلى بلدات قانونية مرتبطة بالبنية التحتية الإسرائيلية من مياه وكهرباء وألياف ضوئية.

الضم الإداري.. نقل الصلاحيات من “الخوذة” إلى “البدلة”
من أبرز التحولات في الضفة عملية “الضم الصامت” أو الإداري، حيث نقلت صلاحيات واسعة من “الإدارة المدنية” التابعة للجيش إلى وزارات مدنية إسرائيلية.
هذا التحول يعني عمليا أن الضفة لم تعد تعامل كأرض محتلة مؤقتا تخضع لقوانين الحرب، بل كجزء يدار عبر بيروقراطية مدنية، ما يسهّل عمليات المصادرة والبناء دون قيود أمنية معقدة.

البنية التحتية.. الشرايين التي تخنق الأرض
تشكل الطرق الالتفافية العمود الفقري لمشروع التفتيت، إذ تستهلك نحو 3% من مساحة الضفة، لكن تأثيرها يتجاوز ذلك بكثير.
تخلق هذه الطرق فصلا مكانيا حادا، حيث تمنع التمدد الطبيعي للفلسطينيين وتفرض عليهم استخدام أنفاق وجسور معزولة للتنقل. كما تربط الكتل الاستيطانية بالمدن داخل الخط الأخضر، بما يعزز اندماجها الوظيفي داخل إسرائيل.
صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال طولكرم وعمليات هدم مستمرة.
عنف المستوطنين كأداة “تهجير وظيفي”
لم يعد عنف المستوطنين سلوكا فرديا، بل تحول إلى أداة وظيفية ضمن سياسة تفريغ الأرض. وأسفرت الاعتداءات الممنهجة، خاصة في الأغوار ومسافر يطا، عن تهجير ما لا يقل عن 79 تجمعا بدويا وفلسطينيا، وإزاحة قسرية لأكثر من 4700 شخص.
ويجري ملء هذا الفراغ ببؤر استيطانية رعوية، بما يغير الواقع الديمغرافي والجغرافي معا.

الهدم والحصار.. تدمير مقومات البقاء
في مقابل توسع الاستيطان، يواجه الفلسطينيون سياسة تضييق ممنهجة تستهدف مقومات الحياة، ففي عام 2025 وحده، صدر 991 إخطار هدم، وتم تدمير 1400 منشأة بين منازل ومنشآت زراعية.
وفي الوقت ذاته، تنتشر 925 نقطة إغلاق في الضفة، تشمل حواجز ثابتة وبوابات وسواتر ترابية، ما يحوّل تنقل الفلسطينيين إلى عملية معقدة قد تضاعف زمن الرحلة من دقائق إلى ساعات.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن مخيم جنين للاجئين “لن يعود إلى ما كان عليه”، في تصريح يعكس تصعيدا في الخطاب الرسمي المرتبط بالعمليات العسكرية في المنطقة.
جدار الفصل.. من “الأمن” إلى “الضم”
يواصل جدار الفصل أداء دور محوري في إعادة تشكيل الجغرافيا، عبر عزل مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي الخصبة ومصادر المياه خلفه.
وفي عام 2026، يجري استكمال مقاطع جديدة في مناطق إستراتيجية، ما يعمّق عزل القدس ويقطع التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
الخريطة الجديدة.. “الأرخبيل” بدلا من الدولة
تفضي هذه السياسات إلى إعادة تشكيل الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات رئيسية؛ شمال ووسط وجنوب، منفصلة عن بعضها.
لم يعد هناك تواصل جغرافي فلسطيني، إذ تحيط المستوطنات والطرق الالتفافية بكل مدينة، ما يجعل قيام دولة متصلة جغرافيا أمرا شبه مستحيل من الناحية العملية.

يوم الأرض في الذكرى الـ50
في الذكرى الـ50 ليوم الأرض، تشير المعطيات إلى أن الصراع لم يعد محصورا في حدود سياسية قابلة للتفاوض، بل أصبح صراعا على الوجود الفيزيائي فوق الأرض.
لا تقتصر السياسات الإسرائيلية على السيطرة، بل تمتد إلى إعادة تصميم الجغرافيا بما يمنع نشوء كيان فلسطيني متصل. وبهذا، تتحول “هندسة التفتيت” إلى أداة لإعادة كتابة الواقع، حيث تغدو الحقوق الوطنية مسألة إنسانية داخل جزر معزولة في محيط استيطاني متسع.
المصدر: الجزيرة