كيف تحولت الضفة الغربية من جغرافيا متصلة إلى أرخبيل استيطاني؟

لم تعد خريطة الضفة الغربية مجرد ورقة تحدد حدودا سياسية متنازعا عليها، بل تحولت خلال ستة عقود إلى مسرح لعملية “هندسة مكانية” تعد من الأكثر تعقيدا في التاريخ الحديث منذ عام 1967.

ولم يقتصر المشروع الإسرائيلي على بناء وحدات سكنية للمستوطنين، بل استهدف تفكيك النسيج الجغرافي الفلسطيني واستبدال شبكة سيطرة إسرائيلية متصلة به.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2ضربات صاروخية تعطل هبوط 6 طائرات عسكرية ومدنية بتل أبيب
  • list 2 of 2هل ظهر إعلامي مصري بسترة من ألواح شمسية؟

end of list

اليوم، في عام 2026، لم يعد مصطلح “التوسع الاستيطاني” كافيا لوصف المشهد، إذ نحن أمام واقع “الحسم المكاني”، حيث تحولت الجغرافيا الفلسطينية إلى “أرخبيل” من الجزر المعزولة داخل فضاء من السيطرة الإسرائيلية الشاملة.

خريطة تظهر نقاط الهدم والتدمير في الضفة الغربية حتى نهاية 2025 ( الجزيرة)
خريطة تظهر نقاط الهدم والتدمير في الضفة الغربية حتى نهاية 2025 (الجزيرة)

وعلى بُعد 7 كيلومترات شرق القدس، تقع مستوطنة “معاليه أدوميم”، إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية. أُنشئت عام 1975 على أراض صودرت من العيزرية وأبو ديس والطور، ضمن ما تصفه إسرائيل بـ”الدرع الشرقي” للقدس.

وتشكل المستوطنة محور مشروع (E-1) الهادف لربطها بالقدس عبر توسع استيطاني متصل، ما يؤدي فعليا إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وتقويض قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

توسع استيطاني بجوار مستوطنة كفار أدوميم (بلانت لابس)
توسع استيطاني بجوار مستوطنة كفار أدوميم (بلانت لابس)

منظومة السيطرة الشاملة.. أرقام تتجاوز الجغرافيا

تكشف البيانات الميدانية المحدثة عن بنية سيطرة متعددة الطبقات، تبدأ بالإنسان وتنتهي بالقانون. يقطن الضفة الغربية اليوم، بما فيها القدس الشرقية، أكثر من 780 ألف مستوطن، يتوزعون على 192 مستوطنة رسمية وما يزيد على 350 بؤرة استيطانية.

ولم يعد هذا الانتشار عشوائيا، بل يتبع إستراتيجية “نقاط الارتكاز” الهادفة إلى قطع التواصل بين المدن الفلسطينية الكبرى.

صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال مخيم جنين وعمليات هدم مستمرة.

أما على مستوى المساحة، فتسيطر إسرائيل فعليا على ما يقرب من 42% من مساحة الضفة عبر المستوطنات والمجالس الإقليمية التابعة لها.

إعلان

وتشكل المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو نحو 61% من المساحة الكلية، وقد تحولت إلى مخزون إستراتيجي للاستيطان، إذ يحظر على الفلسطينيين البناء في 99% منها، مقابل تسهيلات واسعة للمستوطنين لإنشاء مزارع وشبكات طرق.

صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال مخيم نور شمس وعمليات هدم مستمرة.

أدوات السيطرة الناعمة.. “التصنيفات” كفخ قانوني

تعتمد إسرائيل منظومة من المسميات القانونية التي تبدو تقنية، لكنها تؤدي عمليا إلى مصادرة الأرض:

  • أراضي الدولة: جرى تحويل نحو 15% من الضفة إلى “أراضي دولة”، تخصص حصريا للمستوطنين.
  • المناطق العسكرية المغلقة: تغطي نحو 18% من المساحة، وتستخدم غالبا لتفريغ التجمعات البدوية قبل تحويلها لاحقا إلى كتل استيطانية.
  • المحميات الطبيعية: استخدم هذا التصنيف لمصادرة مساحات واسعة، خاصة في الأغوار، عبر منع الفلسطينيين من الوصول إليها قبل إعادة توظيفها لخدمة التوسع الاستيطاني.
EFRAT, WEST BANK - FEBRUARY 27: A view over the Israeli settlement of Efrat as the United States embassy in Israel begins providing "routine passport services" on February 27, 2026 in the Israeli settlement of Efrat in the occupied West Bank. The U.S. says it will provide similar services in another settlement, Beitar Illit, in the coming months. The outreach marks a break with several decades of U.S. policy toward the settlements, which much of the world considers illegal and built on land intended for a future Palestinian state. (Photo by Amir Levy/Getty Images)
مشهد عام لمستوطنة “إفرات” في الضفة الغربية المحتلة (غيتي)

الانفجار الاستيطاني الكبير (2023-2026)

تمثل السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرحلة “الهرولة نحو الضم”، إذ انتقلت إسرائيل من نمط الاستيطان الحكومي الرسمي إلى نمط “الخصخصة الميدانية”.

برز ما يعرف بـ”الاستيطان الرعوي” كأخطر الأدوات، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمة مع قطيع أغنام، وبحماية الجيش يسيطرون على آلاف الدونمات المحيطة. وقد أنشئت أكثر من 165 بؤرة من هذا النوع منذ 2023، منها 89 بؤرة في عام 2025 وحده.

في المقابل، جرى دفع نحو 390 مخططا هيكليا لشرعنة آلاف الوحدات السكنية، بما يعني تحويل البؤر العشوائية إلى بلدات قانونية مرتبطة بالبنية التحتية الإسرائيلية من مياه وكهرباء وألياف ضوئية.

خريطة تظهر بلدات تعرضت لعمليات الهدم في مدينة القدس (الجزيرة)
خريطة تظهر بلدات تعرضت لعمليات الهدم في مدينة القدس (الجزيرة)

الضم الإداري.. نقل الصلاحيات من “الخوذة” إلى “البدلة”

من أبرز التحولات في الضفة عملية “الضم الصامت” أو الإداري، حيث نقلت صلاحيات واسعة من “الإدارة المدنية” التابعة للجيش إلى وزارات مدنية إسرائيلية.

هذا التحول يعني عمليا أن الضفة لم تعد تعامل كأرض محتلة مؤقتا تخضع لقوانين الحرب، بل كجزء يدار عبر بيروقراطية مدنية، ما يسهّل عمليات المصادرة والبناء دون قيود أمنية معقدة.

RAMALLAH, WEST BANK - OCTOBER 24: The Israeli army patrol close to the olive pickers to prevent clashes that may occur between Palestinians and settlers from nearby settlements on October 24, 2025 in Khirbet Abu Falah, Ramallah, West Bank. The West Bank's olive harvest season, which began earlier this month, is an important part of Palestinian culture and the local economy but increasingly precarious as Palestinians face attacks by Israeli settlers. According to the United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (UNOCHA), around three dozen attacks on Palestinians across 27 villages in the second week of October were related to the ongoing harvest. Palestinians also face roadblocks and other impediments imposed by Israeli security forces that prevent them from accessing their land. (Photo by Faiz Abu Rmeleh/Getty Images)
دورية للجيش الإسرائيلي قرب مزارعي الزيتون في خربة أبو فلاح شمال رام الله (غيتي)

البنية التحتية.. الشرايين التي تخنق الأرض

تشكل الطرق الالتفافية العمود الفقري لمشروع التفتيت، إذ تستهلك نحو 3% من مساحة الضفة، لكن تأثيرها يتجاوز ذلك بكثير.

تخلق هذه الطرق فصلا مكانيا حادا، حيث تمنع التمدد الطبيعي للفلسطينيين وتفرض عليهم استخدام أنفاق وجسور معزولة للتنقل. كما تربط الكتل الاستيطانية بالمدن داخل الخط الأخضر، بما يعزز اندماجها الوظيفي داخل إسرائيل.

صور الأقمار الصناعية التالية تظهر عملية تقطيع أوصال طولكرم وعمليات هدم مستمرة.

عنف المستوطنين كأداة “تهجير وظيفي”

لم يعد عنف المستوطنين سلوكا فرديا، بل تحول إلى أداة وظيفية ضمن سياسة تفريغ الأرض. وأسفرت الاعتداءات الممنهجة، خاصة في الأغوار ومسافر يطا، عن تهجير ما لا يقل عن 79 تجمعا بدويا وفلسطينيا، وإزاحة قسرية لأكثر من 4700 شخص.

ويجري ملء هذا الفراغ ببؤر استيطانية رعوية، بما يغير الواقع الديمغرافي والجغرافي معا.

epa12840680 Caravans set up in the evacuated settlement of Sanur, near the West Bank village of Fandaqumiya, south of Jenin, which was attacked by Israeli settlers, 22 March 2026. Settlers set fire to residential buildings and vehicles overnight in seperate attacks on three villages, according to the Wafa news agency. EPA/ALAA BADARNEH
كرفانات أقامها مستوطنون في موقع مستوطنة “سانور” المخلاة جنوب جنين (وكالة الأنباء الأوروبية)

الهدم والحصار.. تدمير مقومات البقاء

في مقابل توسع الاستيطان، يواجه الفلسطينيون سياسة تضييق ممنهجة تستهدف مقومات الحياة، ففي عام 2025 وحده، صدر 991 إخطار هدم، وتم تدمير 1400 منشأة بين منازل ومنشآت زراعية.

إعلان

وفي الوقت ذاته، تنتشر 925 نقطة إغلاق في الضفة، تشمل حواجز ثابتة وبوابات وسواتر ترابية، ما يحوّل تنقل الفلسطينيين إلى عملية معقدة قد تضاعف زمن الرحلة من دقائق إلى ساعات.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن مخيم جنين للاجئين “لن يعود إلى ما كان عليه”، في تصريح يعكس تصعيدا في الخطاب الرسمي المرتبط بالعمليات العسكرية في المنطقة.

جدار الفصل.. من “الأمن” إلى “الضم”

يواصل جدار الفصل أداء دور محوري في إعادة تشكيل الجغرافيا، عبر عزل مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي الخصبة ومصادر المياه خلفه.

وفي عام 2026، يجري استكمال مقاطع جديدة في مناطق إستراتيجية، ما يعمّق عزل القدس ويقطع التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.

الخريطة الجديدة.. “الأرخبيل” بدلا من الدولة

تفضي هذه السياسات إلى إعادة تشكيل الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات رئيسية؛ شمال ووسط وجنوب، منفصلة عن بعضها.

لم يعد هناك تواصل جغرافي فلسطيني، إذ تحيط المستوطنات والطرق الالتفافية بكل مدينة، ما يجعل قيام دولة متصلة جغرافيا أمرا شبه مستحيل من الناحية العملية.

An israeli soldier look on as Israeli authority employees empty a Palestinian home as 11 Palestinian families in the Batan al-Hawa area of Silwan are evicted to make room for Israeli settlers, in the predominantly Arab neighbourhood of Silwan, in East Jerusalem on March 25, 2026.
جندي إسرائيلي يراقب إفراغ منزل فلسطيني بسلوان شرق القدس، خلال إخلاء 11 عائلة لصالح مستوطنين (الفرنسية)

يوم الأرض في الذكرى الـ50

في الذكرى الـ50 ليوم الأرض، تشير المعطيات إلى أن الصراع لم يعد محصورا في حدود سياسية قابلة للتفاوض، بل أصبح صراعا على الوجود الفيزيائي فوق الأرض.

لا تقتصر السياسات الإسرائيلية على السيطرة، بل تمتد إلى إعادة تصميم الجغرافيا بما يمنع نشوء كيان فلسطيني متصل. وبهذا، تتحول “هندسة التفتيت” إلى أداة لإعادة كتابة الواقع، حيث تغدو الحقوق الوطنية مسألة إنسانية داخل جزر معزولة في محيط استيطاني متسع.

 

المصدر: الجزيرة