تُظهر الأبحاث أن البستنة تحافظ على المهارات والوظائف الإدراكية والمعرفية للإنسان، ما يساعد على العيش بشكل جيد لفترة أطول. من بين مشاريع البستنة التي أثبتت قدرتها على مساعدة مرضى الخَرَف في أوروبا، مشروع “مزارع الرعاية”.
تعيش الجدة المتقاعدة ماريان روغستاد في النرويج، ولا تزال تستمتع بالتعلم كما كانت طوال حياتها. عملت موظفة في فندق في سويسرا لمدة خمسة عقود، حيث قضت أيامها منغمسة بين لغات وثقافات منوعة.
ولكن عندما عادت روغستاد إلى النرويج، شُخِّصت بمرض الخرف. وسرعان ما أصبحت في عزلة وبدأت تفقد مصادر التحفيز التي كانت حولها شيئاً فشيئاً. استمر الأمر كذلك حتى انضمت إلى “إمبولسنتر” – وهي “مزرعة رعاية” صغيرة خارج أوسلو.
تقول هنريت برينغجورد، التي أسس والداها المزرعة، إن مزرعة الرعاية استعارت اسمها من الطريقة التي تُلبّي بها دوافع الناس للانضمام لهذا المشروع والتواصل مع الآخرين: “كان والداي يُحبّان الزراعة، وكانا يدركان كم هو صعب على المصابين بالخرف أن يتوقفوا عن العمل ويفقدوا حياتهم الاجتماعية. لذلك، أرادا مساعدتهم على استعادة حياتهم الطبيعية من جديد”.
وتُلقي بيانات جديدة الضوء على مزايا قضاء الوقت في البستنة. ففي دراسة هي الأولى من نوعها، أجرى باحثون من جامعة إدنبرة اختبارات على وجود صلة بين البستنة وتغير مستويات الذكاء على مدار حياتنا. وقارنت الدراسة درجات اختبارات الذكاء للمشاركين في سن 11 و79 عاماً. وأظهرت النتائج أن أولئك الذين قضوا وقتاً في البستنة أظهروا تحسناً أكبر في قدراتهم الإدراكية على مدار حياتهم مقارنة بمن لم يمارسوها أبداً أو نادراً.
وتوصلت دراسة أجريت عام 2002 على أكثر من 800 راهبة في الولايات المتحدة أن المشاركة المتكررة في الأنشطة المحفزة للإدراك تقلل من خطر الإصابة بمرض الزهايمر. ووجدت دراسة أحدث أجريت على كبار السن في اليابان أن المشاركة في أنشطة هادفة يمكن أن تحمي من تراجع وظائف الذاكرة. وفي غضون ذلك، وجدت أبحاث أخرى أن الأشخاص الذين مارسوا أنشطةً مُحفِّزة للإدراك في بيئة اجتماعية، شهدوا تحسنا في الإدراك والمزاج والتواصل والتفاعل الاجتماعي.
ووجدت دراسة أُجريت عام 2006 من جامعة نيو ساوث ويلز، التي تابعت الرجال والنساء الأستراليين في الستينيات من عمرهم، أن من مارسوا البستنة يومياً انخفض لديهم خطر الإصابة بالخرف بنسبة 36 في المئة مقارنة بمن لم يمارسوها. كما ثبت أن البستنة تُحسِّن الانتباه، وتُقلل التوتر، وتُقلل من تدهور الصحة، وتُقلل من الاعتماد على الأدوية.
وقد تنبع بعض هذه الفوائد من مجرد التواجد في الطبيعة. كان روجر أولريش، الخبير في تصميم النظم الصحية وأستاذ الهندسة المعمارية في جامعة تشالمرز بالسويد، من أوائل من ربطوا بين التواجد في الطبيعة وتخفيف التوتر. وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أجرى سلسلة من الدراسات البارزة التي أظهرت كيف أن مجرد التأمل في الأشجار والنباتات – حتى من خلال نافذة – يمكن أن يخفف الألم، ويعزز المشاعر الإيجابية، ويقوي التركيز.
وبالإضافة إلى تخفيف التوتر، تُشير ميليسا ليم إلى أن الانغماس في الطبيعة قد يُساعد على تحسين التركيز. ووفقا لنظرية استعادة الانتباه، فإن أدمغتنا لديها قدرة محدودة على التركيز في البيئات الحضرية المزدحمة، أما الطبيعة فتُساعد على تحقيق تريكز أفضل.
ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن هذه الفوائد ذات قيمة إضافية للأشخاص المصابين بالخرف، حيث تُحسّن المزاج والسلوك والقدرة على التواصل والأداء الوظيفي أكثر من الأنشطة الأخرى. وتنتشر الآن مزارع رعاية مخصصة تخدم مرضى الخرف في جميع أنحاء أوروبا، وفي المملكة المتحدة.
وتعتقد برينغزجورد أن البستنة في مزارع الرعاية يمكن أن تمنح شعوراً بالمسؤولية والاستقلالية. وتقول “يحبها الناس لأنهم يرون نتائج عملهم”، مضيفة أنه بما أن البستنة والعمل الزراعي يعتمدان على المشاركة الجماعية، فقد يكون من الأسهل على الأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة متابعة العمل فيها. وتضيف “إذا نسوا كيفية القيام بشيء ما، ثم رأوا ما يفعله الآخرون، فإنهم يتذكرون كيفية القيام به بأنفسهم”.
وحتى مع كل الفوائد المعرفية المُثبتة للبستنة والتواجد في الهواء الطلق، لا تُغفل برينغزجورد أهمية تهيئة بيئة إيجابية – مليئة بالناس والنباتات – لأشخاص مثل روغستاد. تقول برينغزجورد: “بإمكانهم العودة إلى منازلهم وهم في غاية السعادة، وعندما يسألهم أزواجهم: ماذا فعلتم اليوم؟، قد لا يدركون شيئا إلا أنهم استمتعوا بيوم جيد”.
وهذا ينطبق على روغستاد، التي تقضي الآن ثلاثة أيام أسبوعياً في مزرعة الرعاية – تزرع الخضراوات، وتطعم الأبقار، وترعى الدجاج – وتُقدّر بساطة العمل. والتي تقول “من الجميل أن أكون هنا في أحضان الطبيعة. إنه أفضل بكثير من الجلوس في المنزل”.