قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 المعروف عند الإسرائيليين بـ”السبت الأسود”، كانت قواعد عسكرية إسرائيلية على امتداد حدود قطاع غزة تبدو جزءا من منظومة دفاعية ثابتة، لكن هجوم المقاومة الفلسطينية الذي استهدفها في ذلك اليوم كشف ثغرات في التحصين والانتشار والاستعداد، وفقا لتحقيقات جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه.
ففي صبيحة السابع من أكتوبر، أطلقت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة آلاف الصواريخ على إسرائيل، وشرعت عناصرها في اختراق السياج الحدودي الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، ثم هاجمت ما لا يقل عن 9 قواعد ومواقع عسكرية إسرائيلية محيطة بالقطاع في الشمال والشرق وحتى الجنوب الشرقي، إلى جانب اقتحام معبر إيريز واستهداف منشآت أمنية وعسكرية مجاورة له، في حين تعرض معبر كرم أبو سالم لإطلاق النار والقتال في محيطه.
قصص مقترحة
list of 1 item
end of list
وبعد مرور نحو 3 سنوات، تبدو بعض هذه المواقع العسكرية مختلفة على صور الأقمار الصناعية: مبان هُدمت، وأخرى شُيدت، وأسوار قسمت مساحات داخلية، ومنشآت توسعت، وآليات عسكرية ازدادت كثافتها.
وبحسب تحقيق داخلي أجراه الجيش الإسرائيلي لتبعات “طوفان الأقصى”، خلصت التوصيات إلى ضرورة تغيير أساليب الدفاع والخطط العملياتية، وكان تأمين القواعد العسكرية على خطوط التماس مع القطاع في مقدمة تلك التغييرات.
ومن خلال مقارنة صور ما قبل الهجوم بأخرى حديثة لخمس قواعد عسكرية إسرائيلية على الأقل، ترصد وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة ملامح التغيير الذي طرأ على هذه المواقع، وتضعها إلى جانب نتائج التحقيقات العسكرية لفهم كيف أعادت إسرائيل تشكيل بعض منشآتها الدفاعية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.

ناحال عوز.. جندي واحد لحظة الهجوم
على بُعد أمتار قليلة، وعلى مرمى حجر من قطاع غزة جهة الشمال الشرقي، كانت قاعدة “ناحال عوز” لحظة استهدافها، خارج الاستعداد تماما، حيث كانت القوات قليلة، وأطقم الدبابات خارج وضع الاستعداد، والرشاشات مغلقة؛ وكان جندي واحد فقط يحرس القاعدة حين فوجئ بأكثر من 160 مقاتلا فجروا أبواب القاعدة، وعطلوا الكاميرات، ثم اقتحموها، بحسب ما جاء في نتائج تحقيقات الجيش الإسرائيلي.

ووثقت تحقيقات الجيش الإسرائيلي تفوقا للمقاومة خلال اقتحام القاعدة، حيث أشارت إلى أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كانت تعرف أين ينام كل قائد، وأين تقع قاعة الطعام، وأي أجزاء من الطرق الزراعية المؤدية من السياج إلى القاعدة يمكن أن تبطئها، لذا خلصت التحقيقات إلى أن “ما حدث في ناحال عوز يمثل فشلا منهجيا عميقا ومؤلما يمس القيم الأساسية للجيش الإسرائيلي”.
وتكشف مقارنة صور الأقمار الصناعية المتوافرة قبل الهجوم في 26 مايو/أيار 2023، وأحدث صورة ملتقطة في 6 مارس/آذار 2026، تغييرات جذرية شهدتها القاعدة، حيث شهد الموقع العسكري هدم مبان قديمة، واستبدالها بإنشاءات جديدة في غير موقعها، إلى جانب تشييد أسوار قسمت القاعدة من الداخل.
وفي أغسطس/آب 2024، هدم الجيش مبان قُتل فيها جنديات داخل القاعدة، وهو ما أثار اعتراض عائلاتهن، التي كانت قد تلقت وعودا بالحفاظ على المكان كنصب تذكاري.
أوريم.. أبعد قاعدة مستهدفة عن غزة
قاعدة عسكرية أخرى تعرضت لهجوم المقاومة الفلسطينية وهي “أوريم” التي تُعد أبعد القواعد المستهدفة في السابع من أكتوبر، وتكشف تحقيقات الجيش الإسرائيلي أن الإجراءات الدفاعية للقاعدة موجهة نحو تهديدات بسيطة وليست مصممة لصد تسلل منسق وواسع النطاق، ولم يكن هناك حراس في الخدمة وقت الاختراق، بالإضافة إلى أن ضعف التواصل أدى إلى تأخير الإعلان عن اقتحام واسع النطاق.
وتُظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية قبل الهجوم في 14 سبتمبر/أيلول 2023 مع صور أخرى حديثة في 17 فبراير/شباط 2025، تحولات واسعة شهدتها القاعدة، حيث شهدت كثافة في تشييد المنشآت، وكذلك كثافة في الوجود العسكري، وهو ما يمكن رصده بوضوح من كثرة أعداد الآليات الإسرائيلية داخل القاعدة.
وكشف التحقيق أن أوريم التي استهدفت يوم “طوفان الأقصى”، هي أبعد قاعدة للجيش الإسرائيلي عن غزة بأكثر من 16 كيلومترا، حيث لم تكن تحت سلطة فرقة غزة.
ويشير التحقيق إلى أن المهاجمين لم يكن هدفهم أُوريم نفسها، بل كانوا متجهين إلى قاعدة ياركون المجاورة، التي تضم عناصر من الوحدة 8200، التابعة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية، ثم أخطؤوا في الملاحة ودخلوا قاعدة أُوريم التابعة لقيادة الجبهة الداخلية.
“فجة”.. مقتل وإصابة الطاقم بأكمله
شملت أيضا تحقيقات الجيش الإسرائيلي قاعدة “فجة” المتاخمة للحدود الشرقية مع قطاع غزة، حيث كشفت أنها شهدت واحدة من أسوأ الخسائر التي لحقت بقواتها بعدما هاجمت قوة من المقاومة الفلسطينية، قوامها من 60 إلى 80 مقاتلا، القاعدة مما أدى إلى مقتل 12 جنديا وقائدا وإصابة 22 آخرين، إلى جانب اختطاف جثتي اثنين.
وأدى السقوط المدوي والسريع لتلك القاعدة إلى تمكن فصائل المقاومة من التوجه شرقا للهجوم على أهداف أخرى، لأن القوات المتمركزة في الموقع لحظة الهجوم لم تكن مستعدة بشكل كاف للمهمة، سواء من حيث المعدات القتالية أوالبنية التحتية الدفاعية للموقع، بحسب نتائج التحقيقات.
وتُظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية بين 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأخرى حديثة في 6 مارس/آذار 2026، تضاعفا واضحا في حجم الآليات الإسرائيلية داخل القاعدة، إلى جانب زيادة المنشآت بسبب أعمال البناء.
وتشير آخر المعطيات التي نشرها الجيش الإسرائيلي للقاعدة وقت الهجوم عليها إلى أنها كانت مأهولة بقوات من الكتيبة الـ13 من لواء غولاني، إلى جانب فصيلة دبابات من اللواء المدرع السابع في موقع مجاور، من دون أن تكشف عن حجم القوات الجديدة التي انضمت إليها لاحقا.
قاعدة “يفتاح”.. هجوم متزامن بحرا وبرا
استهدفت المقاومة قاعدة “يفتاح” المتاخمة لقاعدة زيكيم، الواقعة بالقرب من شمال قطاع غزة، واستخدمت الفصائل تكتيكا مشتركا للهجوم عليها، تضمن الاختراق عن طريق البر والبحر، وفي حين استطاعت البحرية الإسرائيلية قتل عدد من أفراد المقاومة، تشير تحقيقات الجيش نفسها إلى نجاح 6 منهم في الوصول إلى البر، قبل أن يتمكن الجيش من قتل 3 منهم، فيما توجه الباقون إلى بوابة القاعدة الرئيسية لبدء الهجوم عليها، لكنهم لم يتمكنوا في النهاية من السيطرة عليها، كما حدث في باقي القواعد.
وتُعد تلك البؤرة أكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، كون منطقة الهجوم تضم ثلاث منشآت إسرائيلية عسكرية هي “زيكيم”، و”يفتاح”، و “قاعدة التدريب بهاد 4″، وقد شهدت في الوقت نفسه محاولات اختراق برا وبحرا.
ورغم نجاح هذه البؤرة نسبيا في صد الهجوم، فإن صور الأقمار الصناعية في الفترة بين 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأخرى حديثة ملتقطة في 8 مارس/آذار 2026، تكشف توسعات كبرى شهدتها القاعدة، عبر تشييد منطقة على مساحة بلغت نحو 11 كيلومترا مربعا، وإرفاقها بمنشآت عسكرية.
وتُظهر نتائج تحقيقات الجيش وصول تعزيزات للدفاع عن القاعدة عند الساعة 10:09 صباحا، بالتوقيت المحلي، بما في ذلك مركبات يقودها نائب قائد الكتيبة وقائد سرية من الكتيبة المدرعة 77، بالإضافة إلى ضباط من كلية القيادة التكتيكية، ورغم ذلك استمرت الاشتباكات التي انتهت بمقتل ضابط ورقيب إسرائيلي.
“أميتاي”.. سقوط نصف القاعدة
تُعد قاعدة “أميتاي” الأقرب إلى معبر كرم أبو سالم الإسرائيلي، الواقع جنوبا على الحدود مع مصر وغزة، وتكشف تحقيقات الجيش الإسرائيلي أن القوات الجوية لم تقدم مساعدة كافية مقارنة بحجم الهجوم على القاعدة، فضلا عن تأخر وصول الجنود من القواعد القريبة لتقديم الدعم.
وخلص التحقيق إلى فشل القوات الموجودة في الدفاع عن مستوطنة كرم أبو سالم القريبة من قاعدة “أميتاي” بعدما سيطر عناصر المقاومة الفلسطينية على نصفها خلال الهجوم، مما أدى إلى عدم قدرة الجنود الإسرائيليين على الخروج من أجل الدفاع عن المستوطنة.
وتكشف مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 20 أغسطس/آب 2023، بأحدث صور ملتقطة في 20 فبراير/شباط 2026، أعمالا إنشائية واضحة في القاعدة وتعبيد طريق بمحيطها، كما تُظهر بوضوح كثافة للآليات الإسرائيلية الموجودة عند مقارنتها بصور أخرى ملتقطة قبل اندلاع الطوفان.
وتكشف خريطة الهجمات على المواقع العسكرية في 7 أكتوبر أن الهجوم لم يكن اختراقا محدودا للسياج الحدودي، بل عملية واسعة استهدفت في وقت متزامن عددا من القواعد والنقاط العسكرية على امتداد قطاع غزة، في حين أدى سقوط بعض المواقع إلى إضعاف قدرة الجنود الإسرائيليين على منع الهجوم.
وترسم وثائق الجيش الإسرائيلي المنشورة حول تحقيقات الهجوم، إلى جانب صور الأقمار الصناعية صورة أكبر لفهم كيف تغيرت منظومة الدفاع الإسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة بعد 7 أكتوبر، وهو ما انعكس بوضوح على شكل القواعد وانتشار التحصينات والمواقع الدفاعية.
المصدر: الجزيرة