في ظل التسارع المستمر لنمط الحياة الحديثة، أصبح الضجيج الذهني وتشتت الأفكار تحديًا يوميًا يواجه الكثيرين، خاصة عند محاولة التركيز في العمل أو الدراسة أو الاستعداد للنوم. إذا كنت تعاني أيضًا من هذه المشكلة وتبحث عن حل لها، قد تجد ضالتك في العلاج بالضوضاء الوردية أو البنية. لكن ما هي هذه الضوضاء، وكيف تساعدك على التركيز في مهامك اليومية والخلود إلى النوم بشكل أسرع؟
ما الفرق بين الضوضاء البيضاء والوردية والبنية؟
قد يبدو مصطلح “لون الصوت” غريبًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع توصيف فيزيائي دقيق لكيفية توزيع الطاقة عبر الترددات التي تستطيع الأذن البشرية سماعها. وتصنف على النحو التالي:
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
- الضوضاء البيضاء (White Noise): تخيل أنك تضغط على جميع مفاتيح “البيانو” في وقت واحد وبقوة متساوية؛ هذا هو الضجيج الأبيض. إنه يجمع كل النغمات التي يمكن للأذن سماعها دفعة واحدة. نجد هذا الصوت في “وشوشة” الراديو القديم أو صوت المكنسة الكهربائية. وغالبًا ما يكون مزعجًا أو متعبًا للأذن.
- الضوضاء الوردية (Pink Noise): هذا اللون هو المفضل لدى الكثيرين، فهو يشبه الضوضاء البيضاء ولكن بعد “تصفيتها” من النغمات الحادة المزعجة. تهبط هنا قوة الأصوات عند الترددات العالية وتكون أكثر نعومة، لذلك تبدو هادئة ومريحة، وتساعد على التركيز والنوم. وتحاكي هذه الضوضاء أصوات الطبيعة كالمطر المنتظم، أو حفيف أوراق الشجر، أو الرياح الهادئة.
- الضوضاء البنية (Brown Noise): وتسمى أحيانًا “الحمراء”. هي الأكثر عمقًا ورخامةً وتشبه الهدير القوي للشلالات الضخمة، أو صوت الرعد البعيد الذي يهز الأرض بهدوء، أو حتى صوت محرك الطائرة وأنت جالس بداخلها.
لا يقتصر الفرق بين هذه الألوان على جودة الصوت وتردده فحسب، بل يمتد إلى كيفية تأثيرها على حالتنا الذهنية واستخداماتها الوظيفية؛ فبينما نلجأ للضوضاء الوردية لتعزيز “الاسترخاء اليقظ” وتعميق النوم، نستخدم الضوضاء البنية كأداة للحصول على الهدوء والسلام النفسي وإسكات فوضى الأفكار المتسارعة.

ولكن كيف نستخدم هذه الأصوات عمليًا؟
الأمر أبسط مما يتخيل البعض، فالمسألة لا تتطلب معدات معقدة، بل تعتمد على استحضار هذه الترددات عبر مصادر رقمية أو طبيعية، بما في ذلك:
- منصات البث والتطبيقات: تتوفر آلاف المقاطع الصوتية على “يوتيوب” وتطبيقات مثل (Headspace) أو (Calm) تحت مسميات “الضوضاء الوردية” (Pink Noise) أو “الضوضاء البنية” (Brown Noise). يمكن الاستماع إليها عبر السماعات أثناء العمل لعزلك عن ضجيج المكتب، أو عبر مكبرات صوت خارجية في الغرفة عند الاستعداد للنوم لخلق خلفية صوتية مريحة.
- المصادر الطبيعية: يمكنك الحصول على فوائد الضوضاء الوردية بمجرد الاستماع لتسجيلات المطر المتواصل أو أمواج البحر الهادئة. أما إذا كنت تفضل الضوضاء البنية، فابحث عن تسجيلات صوتية للعواصف الرعدية أو أصوات الشلالات القوية.
- أجهزة توليد الضوضاء (Sound Machines): وهي أجهزة صغيرة توضع بجانب السرير، تتيح لك التنقل بين هذه الألوان الصوتية بضغطة زر، وهي مثالية للأشخاص الذين يعانون من الأرق المزمن أو طنين الأذن.
وينصح باستخدام الضوضاء الوردية عند مراجعة الدروس أو القراءة لأنها تضبط إيقاع الدماغ دون تشتيته، بينما تعد الضوضاء البنية المنقذ المثالي في حالات القلق الشديد أو عند الرغبة في الدخول في حالة تركيز عميق بعيدًا عن أي مؤثرات خارجية. كل ما عليك فعله هو اختيار “اللون” الذي يحتاجه دماغك في تلك اللحظة، وضبط مستوى الصوت ليكون خلفية ناعمة، وترك الترددات تقوم بمهمة إعادة ترتيب أفكارك المبعثرة.

كيف تساعد الضوضاء المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط؟
يجد بعض الأشخاص صعوبة بالغة في التركيز في الأمكنة الهادئة للغاية، وينطبق ذلك بشكل خاص على المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD).
يقول الدكتور أندرو كان، الخبير في السلوك البشري، إن كفاءة الأداء الإدراكي تعتمد على مستويات الدوبامين في الدماغ، أي لكي يعمل الدماغ بأفضل حالاته فإنه يحتاج إلى مستوى معين من النشاط أو التحفيز. بالنسبة للأفراد الذين يعانون من اضطرابات مثل “نقص الانتباه وفرط النشاط”، فإن أدمغتهم تعاني غالبًا من نقص في التحفيز الداخلي. لذلك يبدأ الدماغ بالبحث عن أي شيء يملأ هذا الفراغ، فتجده يقفز من فكرة إلى أخرى، أو يتشتت بأي حركة بسيطة حوله.
هنا يأتي دور الضوضاء الوردية أو البنية؛ فهي تعمل بمثابة منبه ناعم يغني الدماغ عن البحث عن مشتتات خارجية. وبما أن أصوات هذه الضوضاء ثابتة ولا تحتوي على كلمات أو ألحان متغيرة تشد الانتباه، فهي تملأ المساحة الفارغة في العقل. وبذلك، تغلق الثغرات التي كانت تهرب من خلالها الأفكار، مما يسمح للدماغ بأن يهدأ ويركز طاقته بالكامل على المهمة التي يتوجب إنجازها، سواء كانت دراسة أو عملًا.
العلاقة بين الضوضاء وجودة النوم
أظهرت أبحاث من جامعة “نورث وسترن” أن للضوضاء الوردية قدرة فريدة على تهدئة الدماغ ومساعدته للدخول في مرحلة النوم العميق. ومن فوائدها:
- تقليل وقت الدخول في النوم: أثبتت الدراسات أن الاستماع للضوضاء الوردية يساعد في النوم بشكل أسرع بنسبة تصل إلى 38%.
- تعزيز النوم العميق: تلعب النبضات الوردية دورًا في إطالة فترة “النوم بطيء الموجة”. هذه المرحلة هي الأهم للجهاز المناعي، ولصحة القلب، ولتخفيض هرمونات التوتر.
- الذاكرة والتقدم في السن: في تجربة مثيرة، وجد الباحثون أن كبار السن الذين استمعوا للضوضاء الوردية ليلًا حققوا نتائج أفضل بكثير في اختبارات الذاكرة في صباح اليوم التالي، مما يفتح الباب لاستخدام الصوت كعلاج غير دوائي للتدهور الإدراكي المرتبط بالعمر.

الاستخدامات العلاجية
لا تقتصر فوائد الضوضاء الوردية والبنية على النوم فقط، بل تمتد لعلاجات تخصصية، بما فيها:
- علاج الطنين: الأشخاص الذين يعانون من رنين مستمر في الأذن يجدون في الضوضاء البنية حلًا مثاليًا لمشكلتهم. فبينما قد تزيد الترددات الحادة للضوضاء البيضاء من حساسية الطنين، تعمل الترددات المنخفضة في الضوضاء البنية على حجب الرنين وتوفير راحة فورية.
- تهدئة الجهاز العصبي: بالنسبة للمصابين بالقلق، يكون الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى للبحث عن أي خطر. تساعد الضوضاء الوردية في تقليل المشاعر المزعجة التي قد نشعر بها عند سماع أصوات مشتتة مزعجة، مثل صرير الأبواب أو أصوات الجيران.
- محاكاة الرحم: يميل الخبراء لاستخدام الضوضاء البنية للأطفال الرضع لأنها الأقرب محاكاةً للأصوات التي كان يسمعها الجنين داخل رحم أمه (صوت تدفق الدم والنبض)، مما يفسر تأثيرها السحري في تهدئة الرضع.
مع ذلك، لن تنقذك الضوضاء الوردية أو البنية إذا لم يكن لديك روتين يومي متوازن. لتحقيق أقصى استفادة: التزم بجدول زمني ثابت للنوم والاستيقاظ. مارس الرياضة نهارًا لتحفيز النوم الطبيعي ليلًا. قلل من الكافيين والوجبات الثقيلة قبل النوم. اجعل غرفة النوم مظلمة وباردة، واعتبر الضوضاء الوردية هي “اللمسة الأخيرة” في بيئة نومك المثالية.
المصدر: الجزيرة