كيف روّضت باكستان صراع الكبار في ذكرى صدامها مع الهند؟

في مثل هذا اليوم من العام الماضي وتحديداً في 7 مايو/أيار منه، كانت سماء باكستان تشتعل بوميض المقاتلات الهندية، والعالم يحبس أنفاسه خوفا من انزلاق “القوتين النوويتين” نحو حافة الفناء المتبادل. ولم يكن السؤال آنذاك يدور حول من سيربح الحرب، بل متى سينتهي كيان الدولة الباكستانية تحت وطأة الضربات المتتالية.

لكن بالتفاتة دراماتيكية في “شطرنج السياسة” الإقليمية، تبدلت الأدوار والمقاعد، فالدولة التي كانت قبل عام هدفا للمدافع باتت اليوم “قبلة للدبلوماسيين”.

ومن رحم التهديد الوجودي، انبعثت باكستان كلاعب “جيوإستراتيجي” لا يمكن تجاوزه، محولة سلاحها النووي من “عبء” يهدد بانهيارها إلى “قوة ردع” جعلت الساسة الأمريكيين يقصدونها لحل أزمة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط.

اليوم، لم تعد باكستان مجرد جارٍ مُهدَّد، بل تحولت إلى وسيط وحيد في حرب إقليمية كبرى ذات ملامح نووية، حيث تحاول موازنة طموحات طهران وتهدئة مخاوف الغرب.

فهل نجحت باكستان في ترحيل أزمتها مع الهند أم أنها أنهتها فعليا؟ وهل يكفي “الردع المتبادل” لضمان هدوء الجبهة الشرقية أم أن ما نراه ليس سوى استراحة محارب في انتظار جولة أخرى؟

الصراع بين الهند وباكستان
في الذكرى الأولى للمواجهة تشتعل مجددا الاتهامات بين الجارتين (شترستوك)

عام على الصدام

في الذكرى الأولى للمواجهة، تبدو الفجوة بين نيودلهي وإسلام آباد أعمق من أي وقت مضى، حيث يتبادل الطرفان اتهامات حادة تعكس قطيعة دبلوماسية شبه كاملة.

من جهتها، أحيت الهند ذكرى ما تسميه “عملية سيندور”، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية راندير جايسوال -أمس الخميس- أن الضربات العسكرية كانت ردا حاسما ومشروعا على “الإرهاب العابر للحدود” الذي ترعاه باكستان. وترى نيودلهي أن هجوم “باهالغام” هو الذي أشعل فتيل المواجهة، مما دفعها لاتخاذ قرارات راديكالية تشمل قطع العلاقات التجارية وتعليق “معاهدة مياه نهر السند”.

إعلان

في المقابل، ترفض إسلام آباد الرواية الهندية جملة وتفصيلا، وتسمي المواجهة “معركة الحق”، ويتهم الجيش الباكستاني الهند باختلاق انتصارات وهمية لتغطية إخفاقها العسكري، مؤكدا أن الحصيلة الميدانية كانت (8-0) لصالح الدفاعات الباكستانية، وأن الهند هي من يستخدم “الإرهاب والوكلاء” للهروب من أزماتها الداخلية.

ويتهم الجيش الباكستاني نيودلهي بمحاولة “تصدير أزماتها الداخلية” عبر اتهام باكستان بالإرهاب دون أدلة. وبحسب الفريق أحمد شريف تشودري، فإن الرواية الهندية بشأن هجوم “باهالغام” قد دُفنت لعدم وجود إثباتات، واصفا الهند بأنها “أكبر راعٍ للإرهاب” في المنطقة عبر استخدام الوكلاء.

تُبرز الاتهامات الباكستانية تحوُّل القيادة العسكرية الهندية إلى “أدوات سياسية” بيد الحزب الحاكم، حيث وصفت إسلام آباد القادة العسكريين الهنود بـ”المهرجين” الذين يختلقون انتصارات وهمية (في إشارة لتفنيد ادعاءات الهند بإسقاط طائرات باكستانية)، مؤكدة أن الحصيلة الحقيقية هي (8-0) لصالح المقاتلات الباكستانية.

وتتهم باكستان جارتها الشرقية بشن “حرب معلومات” مضللة واستخدام التكنولوجيا لإخفاء إخفاقاتها الميدانية، بينما ترد الهند باتهامات مستمرة حول دعم باكستان للجماعات المسلحة، مما جعل المنطقة تعيش حالة “لا سلم ولا حرب” وسط استنفار نووي دائم.

تصر إسلام آباد على أن قوتها العسكرية التي ظهرت العام الماضي كانت مجرد 10% من قدراتها الحقيقية، وهي رسالة مباشرة لنيودلهي بأن أي محاولة لاختبار الردع الباكستاني ستواجه برد “محلي الصنع” وأكثر قسوة.

وبين تسمية “سيندور” الهندية و”معركة الحق” الباكستانية، تعيش المنطقة حالة استنفار دائم، حيث تصر الهند على حقها في “الدفاع عن النفس”، بينما تؤكد باكستان أن قدراتها الردعية كفيلة بصد أي عدوان، مما يجعل آمال العودة إلى طاولة المفاوضات بين الجارتين النوويتين “مؤجلة” إلى إشعار آخر.

الهند وباكستان.. موازين القوى وحجم النيران
الفجوة بين الهند وباكستان تبدو أعمق مما مضى (الجزيرة)

كسر عظم

لم تكن مواجهة مايو/أيار 2025 مجرد جولة عسكرية عابرة، بل مثلت القفزة الكبرى في مستوى التصعيد الجغرافي والنوعي بين القوتين النوويتين، حيث تميزت بغياب “التهديد النووي الصريح” مقابل كثافة نيران تقليدية غير مسبوقة.

بدأت الأزمة في 22 أبريل/نيسان 2025 بهجوم استهدف سياحا في “باهالغام” بكشمير، مما أدى إلى مقتل 26 مدنيا. الهند ردت بإجراءات دبلوماسية قاسية شملت إغلاق معبر “واغاه-أتاري” وتعليق “معاهدة مياه نهر السند”، وهو ما اعتبرته باكستان “عملا من أعمال الحرب”.

في 7 مايو/أيار 2025، نفذت الهند ضربات استهدفت 9 مواقع (منها مقار لجيش محمد وجماعة لشكر طيبة في البنجاب الباكستاني) باستخدام مسيّرات انتحارية وقنابل ذكية، تلا ذلك تبادل مكثف للضربات بالمسيّرات والصواريخ الجوالة (مثل كروز وبراهموس وسكالب من الجانب الهندي، وصواريخ فاتح 1 و2 من الجانب الباكستاني)، حيث استهدفت باكستان 26 هدفا هنديا لإعادة فرض الردع.

رغم التصريحات الأولية لجيه دي فانس -نائب الرئيس الأمريكي- بأن الحرب “ليست من شأن واشنطن”، إلا أن التقارير حول نية باكستان عقد اجتماع دفعت واشنطن إلى التدخل خلال 24 ساعة فقط، حيث أعلن ترمب -عبر “تروث سوشيال”- التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار قال إنه جاء “بوساطة أمريكية”، بينما أصرت نيودلهي على أنه اتفاق “ثنائي”.

إعلان

في خطاب 12 مايو/أيار 2025، أعلن مودي أن “عملية سيندور” توقفت مؤقتا لكنها لم تنتهِ، مؤكدا أن الهند لن تفرق -بعد الآن- بين الإرهابيين ومخططيهم أو الحكومات الراعية لهم. هذا التصريح وضع الجيش الباكستاني في حالة استنفار، مشيرا إلى أن الرد القادم لن يقتصر على أهداف إرهابية بل قد سيشمل منشآت عسكرية مباشرة، وفق تقرير لمعهد كارنيغي للسلام الدولي.

يرفض مودي أي حوار مع باكستان تحت شعار “الإرهاب والمحادثات لا يجتمعان”، مؤكدا أن “الدم والماء لا يجريان معاً”. ومع غياب القنوات الخلفية، يظل منع التدخل الخارجي في الأزمات القادمة أمرا صعبا، وسط حالة من “الردع الهش” الذي ينتظر شرارة جديدة.

اللعب على حبال القوى العظمى

بينما كانت الهند تعتقد أن عملية “سيندور” في مايو/أيار 2025 ستحجّم الدور الباكستاني وتضعه في “زاوية الدفاع”، كانت إسلام آباد تعيد صياغة أوراقها لتتحول من “هدف للمَدافع” إلى “قبلة للدبلوماسيين”.

ويرى الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني سلطان الخليفي -في مقال رأي نُشر على الجزيرة نت- أن باكستان -بكل متناقضاتها وتعقيداتها الداخلية- هي الوسيط الوحيد الذي يجمع خصائص ثلاث مهمة في هذه اللحظة بالذات. فهي دولة نووية مسلمة ذات علاقات راسخة مع طهران تعود إلى عقود، وفي الوقت نفسه شريك أمني وثيق لواشنطن، ولها علاقات إستراتيجية متشعبة مع بكين.

ويرى أن هذا الموقع الفريد في تقاطع الشبكات الثلاث (الأمريكية والإيرانية والصينية) يمنح إسلام آباد القدرة على الاستفادة من جميع علاقاتها السياسية في وقت واحد.

والدليل العملي -وفق رأيه- أن باكستان هي من أقنعت الطرفين بالجلوس إلى طاولة واحدة لأول مرة منذ سنوات، وهي من صاغت وقف إطلاق النار الهش الذي أتاح 23 ساعة من المفاوضات المباشرة في إسلام آباد.

وإن كان هذا الجهد لم يثمر اتفاقا نهائيا، فإنه أرسى إطارا دبلوماسيا موثوقا وقنوات اتصال مفتوحة، وفهما أعمق للخطوط الحمراء لدى كل من الطرفين، وبوادر إطار اتفاق نهائي.

في نهاية المطاف، تبدو باكستان في عام 2026 وكأنها تمشي على حبل مشدود بين جبهتين؛ جبهة شرقية مع الهند محكومة بـ”ردع هش” وقواعد اشتباك جديدة فرضتها “عملية سيندور”، وجبهة غربية تحولت فيها إسلام آباد إلى “صمام أمان” لمنع انفجار مواجهة كبرى بين واشنطن وطهران.

إن تحول باكستان من “دولة مأزومة” كانت تخشى الانهيار تحت ضربات دلهي، إلى “عرّاب دبلوماسي” يهرول إليه قادة العالم، يثبت أن القوة النووية في جنوب آسيا لم تعد مجرد سلاح للفناء، بل أصبحت “منصة للنفوذ” وتذكرة دخول لنادي القوى المؤثرة. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر قائما: فهل تستطيع إسلام آباد الحفاظ على هذا التوازن الدقيق وسط “اختبارات الجمهور” الداخلي وانسداد أفق الحوار مع مودي؟

 

المصدر: الجزيرة