منذ بداية حربها على قطاع غزة، لم تكتف إسرائيل بالقصف والتدمير الميداني، بل نقلت معركتها إلى الفضاء الرقمي مستخدمة سلاحا آخر هو الإعلانات الممولة.
فبينما تضاعف الدعم الشعبي والحقوقي العالمي للقضية الفلسطينية، كثفت إسرائيل حملاتها الدعائية المدفوعة عبر منصات مثل غوغل وميتا، في محاولة لتشويه أي حراك تضامني مع غزة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
آخر تلك الحملات استهدفت أسطول الصمود، المبادرة العالمية التي انطلقت من عدة دول أوروبية بمشاركة عشرات السفن لكسر الحصار البحري وإيصال المساعدات إلى قطاع غزة.
كيف بدأت الحملة؟
منذ الإعلان عن انطلاق الأسطول، رصد فريق “الجزيرة تحقق” حملة إسرائيلية منظمة، شاركت فيها حسابات رسمية مثل وزارة الخارجية الإسرائيلية، وأخرى غير رسمية، لتصوير الحملة التضامنية باعتبارها “أسطول الإرهاب”.
We have another proposal for the Hamas-Sumud flotilla: if this is not about provocation and serving Hamas, you are welcome to unload any aid you might have at any port in a nearby country outside Israel, from which it can be transferred peacefully to Gaza.
Israel will not allow…
— Israel Foreign Ministry (@IsraelMFA) September 24, 2025
واعتمدت إسرائيل في حملتها على وكالة الإعلان الحكومية “لابام/آي جي إيه إيه” (Lapam/IGAA)، وهي الجهة الرسمية المكلفة بتنفيذ الحملات الدعائية داخل إسرائيل وخارجها، بدءا من التوظيف والخدمة العسكرية. ومع اتساع رقعة الحرب على غزة، تحولت الوكالة إلى أداة مركزية في الحملات الدولية لتلميع صورة إسرائيل وتبرير جرائمها.
تتبع رقمي
تحليل “الجزيرة تحقق” عبر أداة شفافية غوغل أظهر أن الوكالة نشرت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 5 آلاف إعلان ممول، بينها 3 آلاف موجّهة للداخل الإسرائيلي، والبقية استهدفت أوروبا والعالم العربي، خصوصا في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.
وركزت الحملة الإسرائيلية على إنكار المجاعة في قطاع غزة عبر نشر مقاطع عشوائية للطعام بلا سياق، في محاولة لإظهار أن القطاع لا يعاني من أزمة إنسانية.
كما استهدفت وكالة الأونروا بربط موظفيها مباشرة بهجوم السابع من أكتوبر، إلى جانب تشويه سمعة شخصيات دولية بارزة مثل المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي من خلال تقارير مضللة تطعن في مصداقيتها. ولم تسلم أيضا منظمات حقوقية مثل مؤسسة هند رجب من هذه الحملات.
أكثر من نصف هذه الإعلانات وجّه إلى جمهور موقع يوتيوب، في حين ظهر الجزء الآخر على محرك بحث غوغل متصدرا نتائج البحث عن كلمات مفتاحية متعلقة بغزة.
إنفاق هائل لتغيير الرواية
وثائق وزارة المالية الإسرائيلية كشفت أن الحكومة خصصت نحو 174 مليون شيكل (51.8 مليون دولار) للحملات الإعلانية بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2025، منها 44.8 مليون دولار موجهة مباشرة إلى منصات غوغل، بينها 17.9 مليونا ليوتيوب وحده، إضافة إلى نحو 3 ملايين دولار عبر منصة إكس.
ووفقا لما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الحملات تتضمن مقاطع فيديو يشارك فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزارة الخارجية، وذلك بهدف مواجهة المزاعم المتعلقة بـ”المجاعة في غزة”، وتعزيز الرواية الإسرائيلية أمام الجمهور العالمي.
وأضافت وسائل الإعلام نقلا عن الوكالة الإسرائيلية أنه تم تبرير الإعفاء بدواع “ملحّة” لتنفيذ حملات موجهة على الصعيد الدولي بالاستفادة من وسائل الإعلام الرقمية خارج إسرائيل.
ويعكس هذا الإنفاق الضخم حجم الرهان الإسرائيلي على الإعلانات الممولة كأداة مركزية لصناعة سردية بديلة تناقض ما تكشفه التقارير الحقوقية والصور الميدانية من غزة.
أسطول الصمود.. الحلقة الأخيرة
في أحدث حلقات هذه الحملة، نشرت مواقع حكومية إسرائيلية تقارير دعائية تصف أسطول الصمود بأنه “مشروع إرهابي” تديره حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبر واجهات مدنية وحقوقية.
وجاء استهداف أسطول الصمود عبر تقرير منشور على موقع حكومي رسمي اعتاد نشر مواد دعائية مشابهة، كما حدث سابقا مع الحملات ضد فرانشيسكا ألبانيزي ومؤسسة هند رجب.
التقرير الممول صيغ باللغة الإنجليزية صياغة مختصرة، ووسم الأسطول بـ”أسطول الإرهاب”، زاعما أنه يكشف “شبكات خفية” تقف وراءه، ويقود الرابط المرفق إلى تقرير أطول يمكن تنزيله، يتضمن سردا مفصلا يحاول نزع الصبغة الإنسانية عن المبادرة، والادعاء بأنها جزء من حملة عالمية لتشويه إسرائيل وترويج رواية حماس.

وذهب التقرير إلى حد اتهام الحملة بأنها تدار من قبل حماس عبر مسارات متعددة منها حقوقية مدنية من خلال منظمات تنشط في أوروبا، ودينية عبر جمعيات مثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كما اعتمد على مصادر عربية -من بينها تقارير للجزيرة- في سياقات مجتزأة، محاولا اختزال الأسطول في عدد محدود من الأفراد وربطهم بحماس والإخوان المسلمين.
لكن اللافت أن التقرير تجاهل عمدا العدد الكبير من النشطاء والسياسيين الأوروبيين المشاركين في الأسطول، وبينهم برلمانيون معروفون، ووسع دائرة الاستهداف لتشمل كل من يروج لرحلة الأسطول أو يتفاعل معها عبر المنصات الرقمية، زاعما أن هذا التفاعل منظم ويعتمد على مؤثرين مدعومين من حماس، لا على تضامن شعبي حقيقي.
“ميتا”.. منصة ثانية للهجوم
وفي سياق التتبع، رصدنا عبر مركز إعلانات “ميتا” إعلانًا ممولًا استهدف أسطول الصمود بالاتهامات نفسها، هذه المرة على منصة فيسبوك، وانطلق يوم 19 سبتمبر/أيلول الجاري، متزامنا مع إعلان الحكومة الإسرائيلية.

الإعلان أنشأته مؤسسة إيطالية تدعى “setteottobre” (السابع من أكتوبر)، يرأسها السياسي الإيطالي ستيفانو باريزي، وتقدم نفسها بوصفها منظمة حقوقية لمكافحة “الإرهاب”، غير أن تحليل منشوراتها يظهر خطابا ثابتا يبرر الجرائم الإسرائيلية وينكر حقوق الفلسطينيين، مع ربط متكرر للأحداث بالهولوكوست، في محاولة للتأثير على الرأي العام الأوروبي.
المؤسسة نفسها أنشأت إعلانات ممولة عدة استهدفت المبادرات الداعمة لفلسطين، كان آخرها أسطول الصمود الذي حظي بدعم واسع من ناشطين إيطاليين. وقد نشرت أكثر من منشور تصف فيه الأسطول بأنه “أداة لتشويه صورة إسرائيل وبث الكراهية ضدها”، منتقدة المظاهرات الشعبية المؤيدة له داخل إيطاليا.
وتؤكد البيانات الرقمية أن اعتماد إسرائيل على الإعلانات الممولة في حملاتها يتزايد بشكل ملحوظ، في إطار إستراتيجية متعددة المنصات تهدف إلى صناعة رواية موازية، تبرر الجرائم في غزة وتضعف الزخم العالمي المتنامي لصالح الفلسطينيين.
المصدر: الجزيرة