يقول علماء إن دم رجل أمريكي حقن نفسه عمدا بسم الثعابين لما يقرب من عقدين من الزمن أدى إلى المساعدة في صناعة مضاد سموم “لا مثيل له”.
وأثبتت الأجسام المضادة الموجودة في دم، تيم فريد، قدرتها على الحماية من جرعات قاتلة من مجموعة واسعة من سموم أنواع مختلفة من الأفاعي استخدمت في تجارب علمية على الحيوانات.
في العادة، يجب أن تتوافق العلاجات الحالية المستخدمة مع نوع سم الأفعى التي تلدغ الشخص.
لكن المهمة التي قام بها تيم، والتي استمرت 18 عاما، قد تكون خطوة مهمة في إيجاد وتصنيع مضاد سموم عالمي يستخدم لعلاج جميع لدغات الأفاعي – التي تقتل ما يصل إلى 14,000 شخص سنويا، وتترك ثلاثة أضعاف هذا العدد بحاجة إلى البتر أو مواجهة إعاقة دائمة.
وقال لبي بي سي: “لم أكن أريد أن أموت. لم أكن أريد أن أفقد إصبعي. لم أكن أريد أن أغيب عن العمل”.
يُصنع مضاد السموم حاليا عن طريق حقن جرعات صغيرة من سم الثعابين في الحيوانات، مثل الخيول. ويحارب جهاز المناعة لديها السم عن طريق إنتاج أجسام مضادة، تُجمع لاستخدامها كعلاج.
لكن يجب أن يكون السم ومضاد السم متطابقين تماما، لأن السموم في أي لدغة سامة تختلف من نوع إلى آخر.
وكان فريق من الباحثين قد بدأ البحث عن نوع من الدفاع المناعي يُسمى الأجسام المضادة واسعة النطاق. فبدلا من استهداف الجزء الذي يميز السم، يستهدفون الأجزاء المشتركة بين فئات كاملة من السموم.
وعندها التقى الدكتور جاكوب جلانفيل، الرئيس التنفيذي لشركة سينتيفاكس للتكنولوجيا الحيوية، بتيم فريد. وقال: “فكرت على الفور: إذا كان أي شخص في العالم قد طوّر هذه الأجسام المضادة واسعة النطاق، فسيكون هذا الشخص هو تيم، لذا تواصلتُ معه”.
وأضاف: “في المكالمة الأولى، قلتُ له إن الأمر قد يكون محرجا، لكنني أرغب بشدة في الحصول على بعض دمه”.
فوافق فريد، وتم توقيع اتفاقية أخلاقية معه، لأن الدراسة ستأخذ الدم فقط، بدلا من إعطائه المزيد من السم، كما هو معمول به في التجارب البحثية.
وركز البحث على أفاعي العِلبيد – إحدى عائلتين من الأفاعي السامة – مثل أفاعي المرجان، والمامبا، والكوبرا، والتايبان، والكرايت.
وتستخدم أفاعي العِلبيد بشكل أساسي السموم العصبية في سمها، وهو ما يؤدي إلى شلل ضحيتها ثم الوفاة عندما تتوقف العضلات المسؤولة عن التنفس.
واختار الباحثون 19 أفعى عِلبيد صنفتها منظمة الصحة العالمية على أنها من بين أخطر الثعابين على وجه الأرض. ثم بدأوا بفحص دم فريد بحثا عن أجسام مضادة وقائية.
ونُشرت تفاصيل البحث في مجلة “سيل” الطبية، وحدد المقال نوعين من الأجسام المضادة المُحيِّدة واسعة النطاق، يُمكنهما استهداف فئتين من السموم العصبية. وأضافوا دواء يستهدف فئة ثالثة لتحضير خليط مُضاد السموم الخاص بهم.
وفي التجارب التي أُجريت على الفئران، مكّن هذا الخليط الحيوانات من النجاة من جرعات قاتلة من 13 نوعا من أصل 19 نوعا من الثعابين السامة، بينما كون حماية جزئية ضد الأنواع الستة المتبقية.
ويحاول الفريق تحسين الأجسام المضادة بشكل أكبر، ومعرفة ما إذا كان إضافة مُكون رابع يُمكن أن يُؤدي إلى حماية كاملة ضد سم أفعى العِلبيد.
وتعتمد الفئة الأخرى من الثعابين – الأفاعي – بشكل أكبر على السموم الدموية، التي تهاجم الدم، بدلا من السموم العصبية. ويوجد إجمالا حوالي 12 فئة واسعة من السموم في سم الأفاعي، والتي تشمل أيضا السموم الخلوية التي تقتل الخلايا مباشرةً.
وأضاف: “الأجسام المضادة في دم تيم استثنائية حقا – لقد درّب جهازه المناعي على اكتساب هذا الانتشار الواسع جدا”.
ويحدو الباحثون أمل كبير في التوصل إما إلى مضاد سم واحد قادر على فعل كل شيء، أو حقنة واحدة لأفاعي العِلبيد وأخرى للأفاعي الأخرى.
وقال البروفيسور نيك كاسويل، رئيس مركز أبحاث لدغات الثعابين والتدخلات في كلية ليفربول للطب الاستوائي، إن نطاق الحماية المُبلّغ عنه “جديدٌ بلا شك” ويُقدّم “دليلا قويا” على جدوى هذا النهج.
لكنه حذّر من أن هناك “الكثير من العمل الذي يتعين القيام به”، وأنّ مُضاد السموم لا يزال بحاجة إلى اختبارات مُكثّفة قبل استخدامه على البشر.
لكن بالنسبة لفريد، فإنّ الوصول إلى هذه المرحلة كما يقول “يُشعرني بالسعادة”.
ويضيف: “أنا أُقدّم شيئا جيدا للبشرية، وكان ذلك مُهما جداً بالنسبة لي. أنا فخورٌ به. إنه لأمرٌ رائعٌ حقا”.