كيف ضاعف انقطاع الإنترنت معاناة النساء في إيران؟

في زاوية من منزلها، ترتب امرأة إيرانية علب الحلوى التي اعتادت بيعها عبر إنستغرام. لم تكن تملك متجرا ولا رأس مال كبيرا، لكن هاتفها كان يكفي لإدارة مشروع صغير: تنشر صور منتجاتها، وتتلقى الطلبات، ثم ترسل ما تصنعه من مطبخها إلى الزبائن.

لكن مع تكرار انقطاع الإنترنت وتقييد الوصول إلى المنصات، بدأت الرسائل تقل والطلبات تتراجع، والزبائن يختفون من الشاشة. وهكذا تحول الهاتف -الذي كان يفتح لها باب رزق- إلى جهاز عاجز عن إنقاذ مشروع صغير.

قصة أخرى ترويها مصورة إيرانية شابة للجزيرة نت، فقد فتحت -قبل انقطاع الإنترنت- حسابا على إنستغرام ونشرت فيه مقاطع صوّرتها بنفسها، حقق بعضها نحو مليونيْ مشاهدة. كانت تأمل أن يتحول ذلك إلى مصدر دخل مستقل، لكن القيود على الإنترنت أنهت الحلم قبل أن يكتمل.

Iranian hacker laptop with binary computer code and Iran flag on the screen. Internet and network security.
الحكومة الإيرانية قطعت الإنترنت عن البلاد منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط (شترستوك)

تعمل المصورة اليوم في شركة تقدم خدمات إعلامية، براتب شهري لا يتجاوز ما يعادل 100 دولار. وتقول إن انقطاع الإنترنت لم يسحب منها منصة فقط، بل سلبها فرصة كانت تراهن عليها لبناء مستقبل مهني مختلف.

هذا الوجه الاجتماعي والاقتصادي لأزمة الإنترنت حضر في تصريحات زهرا بهروز آذر نائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة، التي قالت إن النساء كنّ الأكثر تضررا من انقطاع الإنترنت والقيود المفروضة على شبكات الاتصال.

وخلال اجتماع مع وزير الاتصالات ستار هاشمي، شددت بهروز آذر على أن وصول النساء إلى الإنترنت بات مرتبطا بفرص التعليم والعمل والدخل، خصوصا للنساء اللواتي يعتمدن على الفضاء الرقمي في تسويق منتجاتهن أو إدارة أعمال صغيرة من المنزل.

وانتقدت المسؤولة الإيرانية ما يُعرف بـ”الإنترنت برو”، معتبرة أن النساء أقل قدرة على الاستفادة منه بسبب الظروف الاقتصادية وضعف وصولهن إلى الموارد المالية. وقالت إن هذا النوع من الخدمات يجعل جودة الاتصال مرتبطة بالقدرة على الدفع، ويعمق الفجوة الرقمية بين الفئات الاجتماعية.

إعلان

وتأتي هذه التصريحات في وقت باتت فيه شبكة الإنترنت جزءا أساسيا من الاقتصاد الإيراني. فالبلاد تضم 73.8 مليون مستخدم للإنترنت، بنسبة انتشار تبلغ 79.6% من السكان، إلى جانب 48 مليون هوية نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفق بيانات “داتا ريبورتال” الخاصة بنهاية 2025.

وتقدَّر خسائر انقطاع الإنترنت في إيران بعشرات ملايين الدولارات يوميا. فقد نقلت رويترز عن رئيس لجنة اقتصاد المعرفة في غرفة التجارة الإيرانية أفشين كلاهي أن الخسائر المباشرة تتراوح بين 30 و40 مليون دولار يوميا، وقد تصل إلى 80 مليون دولار مع احتساب الآثار غير المباشرة.

epa12940976 Iranian women walk next to a huge anti-US billboard carrying a sentence reading in Persian ’The Strait of Hormuz remains closed’ at the Engelab (Revolution) square in Tehran, Iran, 08 May 2026. Iran and US exchanged fire in the Strait of Hormuz amid a ceasefire. EPA/ABEDIN TAHERKENAREH
تواصُل انقطاع الإنترنت في إيران يقلل فرص النساء في تحقيق دخل مستقل وإعالة أسَرهن (الأوروبية)

مشروعات نسائية تحت الضغط

ويقول رئيس الاتحاد الإيراني للأعمال الافتراضية رضا ألفت نسب إن النساء كنّ من أكثر الفئات استخداما للشبكات الاجتماعية في العمل، خصوصا في بيع المنتجات المنزلية والحرف اليدوية والملابس والأغذية، إضافة إلى التعليم والتسويق.

وأوضح ألفت نسب -في تصريحات لصحيفة “إيران”- أن كثيرا من هذه الأنشطة كان يتم عبر إنستغرام، وأن تقييد منصات مثل تلغرام وواتساب في مراحل سابقة دفع المستخدمين إلى التركيز على إنستغرام، مما جعل أي اضطراب في الوصول إليه ينعكس مباشرة على هذه الأعمال.

وبحسبه، فإن جزءا كبيرا من النساء العاملات في هذا المجال هن من النساء المعيلات لأسرهن، مشيرا إلى أن توقف نشاطهن على الشبكات الاجتماعية يعني عمليا تراجع مصدر دخل مهم أو فقدانه بالكامل.

ولا توجد أرقام دقيقة عن حجم مشاركة النساء في الأعمال الرقمية الصغيرة، لكن ألفت نسب يقول إن حضورهن في المشروعات غير الرسمية التي تعتمد على الشبكات الاجتماعية أكبر من حضورهن في الأعمال الإلكترونية الرسمية.

فجوة لا تعني الاتصال فقط

ولا تقتصر المشكلة على صعوبة الدخول إلى المنصات، بل تمتد إلى كلفة البدائل. فبحسب ألفت نسب، فإن “الإنترنت برو” مكلف ولا يناسب طبيعة الأعمال الصغيرة التي تديرها النساء عبر إنستغرام. وحتى إذا حصلت صاحبة المشروع عليه، فلن تستفيد كثيرا إذا كان زبائنها غير قادرين على الوصول إلى المنصة نفسها.

بهذا المعنى، لا تعني الفجوة الرقمية ضعف الاتصال فقط، بل خسارة فرص عمل وتعليم ودخل. وكلما صار الوصول إلى الإنترنت مشروطا بالقدرة المالية، اتسعت المسافة بين الأعمال القادرة على التكيف والمشروعات المنزلية الصغيرة التي تعتمد على هاتف ومنصة اجتماعية وزبائن متفرقين.

لذلك تبدو عبارة بهروز آذر القائلة إن النساء هن الأكثر تضررا من انقطاع الإنترنت أكثرَ من تصريح عابر. فهي تكشف أن أزمة الشبكة في إيران لم تعد مرتبطة بحرية التصفح وحدها، بل بمصدر رزق يومي، وبفرص عمل وتعليم، وبسؤال أكبر حول من يملك حق الوصول إلى الاقتصاد الرقمي ومن يبقى خارجه.

 

المصدر: الجزيرة