كيف يتحول سرطان القولون إلى نسخة قادرة على غزو الكبد؟

لا يبدو السرطان خطيرا فقط لأنه ينمو داخل الجسم، بل لأنه يعرف أحيانا كيف يغادر مكانه، ففي سرطان القولون والمستقيم تحديدا، قد يبدأ المرض في جدار الأمعاء، لكن اللحظة الفاصلة تحدث عندما تنجح بعض الخلايا في الانفصال عن الورم الأصلي، والدخول إلى مجرى الدم، ثم الوصول إلى الكبد وبناء أورام جديدة هناك.

هذه الرحلة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في خطورتها، هي ما يجعل بعض حالات السرطان أكثر صعوبة في العلاج. فانتقال سرطان القولون إلى الكبد لا يعني مجرد موقع جديد للمرض بل دخول مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تصبح السيطرة على الورم أصعب، وتحتاج الخطة العلاجية إلى جراحة وأدوية دقيقة ومتابعة طويلة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن سرطان القولون والمستقيم سجل عام 2022 نحو 1.9 مليون إصابة جديدة وأكثر من 900 ألف وفاة حول العالم، ما يجعله واحدا من أثقل السرطانات عبئا على الصحة العامة، وثاني سبب للوفاة المرتبطة بالسرطان عالميا. وتؤكد المنظمة أن الفحص المبكر والكشف عن الأورام قبل انتشارها يظلان من أهم أدوات خفض الوفيات.

انتشار الخلايا

وسط هذا المشهد، جاءت دراسة حديثة من باحثين في وايل كورنيل للطب (Weill Cornell Medicine) ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتسلط الضوء على سؤال: لماذا تتحول بعض خلايا سرطان القولون إلى خلايا قادرة على الهجرة والانتشار، بينما تبقى خلايا أخرى محصورة في الورم الأصلي؟

الدراسة، التي عرضها موقع ساينس ديلي (ScienceDaily)، تشير إلى أن السر قد لا يكون في طفرة جينية جديدة فقط بل في تغيير طريقة تشغيل الجينات داخل الخلية.

المفتاح هنا هو عامل نسخ يُسمى GATA6. ويمكن تبسيط دوره بأنه أشبه بـ”حارس الهوية” داخل الخلايا المبطنة للأمعاء؛ فهو يساعدها على الاحتفاظ بطبيعتها ووظيفتها الأصلية.

وعندما تنخفض مستويات هذا العامل، تبدأ الخلايا السرطانية في التخلي عن هويتها المعتادة، وتتحول إلى حالة أكثر بدائية ومرونة، تشبه إلى حد ما خلايا جنينية قادرة على التكيف والحركة.

إعلان

هذه المرونة تُسمى علميا “اللدونة الخلوية (Cellular Plasticity)”، وفي الجسم الطبيعي، قد تكون مفيدة؛ فهي تساعد الخلايا على إصلاح الأنسجة بعد الجروح أو التكيف مع الإجهاد. لكن في السرطان، يمكن أن تتحول الميزة نفسها إلى خطر. فالخلية التي تصبح أكثر مرونة قد تصبح أقدر على الهروب من مكانها، والنجاة في الدم، ثم الاستقرار في عضو جديد.

قد يبدأ السرطان في جدار الأمعاء، ثم ينتقل إلى مجرى الدم، وصولا إلى الكبد
قد يبدأ السرطان في جدار الأمعاء، ثم ينتقل إلى مجرى الدم، وصولا إلى الكبد (شترستوك)

في هذه الدراسة، اعتمد الباحثون على نماذج عضيات ورمية (Tumor Organoids)، وهي تجمعات ثلاثية الأبعاد من خلايا سرطانية تُزرع في المختبر وتحاكي بعض خصائص الورم الحقيقي، ثم زرعوا هذه العضيات في أمعاء فئران لمتابعة المراحل المبكرة التي تكتسب فيها الخلايا القدرة على الانتقال. ووجدوا أن انخفاض GATA6 ارتبط بظهور خلايا تملك قدرة أكبر على الوصول إلى الكبد وتأسيس نقائل جديدة.

الأهم أن حذف GATA6 في النماذج الحيوانية زاد من عبء النقائل الكبدية، بينما لم يكن تأثيره كبيرا على نمو الورم الأصلي نفسه. وهذه نقطة بالغة الدلالة؛ لأنها تقول إن الخطر لا يُقاس دائما بحجم الورم أو سرعته، بل أحيانا بما يحدث داخل الخلية من تغير في الهوية والسلوك.

وقد لاحظ الباحثون أيضا أن الخلايا التي فقدت GATA6 تميل إلى التحول من حالة موجبة لمؤشر LGR5 إلى حالة سالبة لهذا المؤشر، وهي حالة ربطتها أبحاث سابقة بقدرة أعلى على بدء النقائل الكبدية. وبكلمات أبسط، نحن لا نتحدث عن ورم يكبر فقط بل عن خلايا تتعلم كيف تصبح أكثر استعدادا للرحيل.

تفتح هذه النتائج بابا مهما أمام الطب الدقيق. فإذا ثبت مستقبلا أن انخفاض GATA6 يمكن أن يكون علامة على قابلية الورم للانتشار، فقد يساعد ذلك الأطباء على تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى مراقبة أشد أو علاج أكثر كثافة حتى قبل ظهور النقائل بوضوح.

كما قد يدفع الباحثين إلى تطوير علاجات لا تستهدف قتل الخلية السرطانية فقط، بل تمنعها من خلع هويتها والدخول في الحالة المرنة التي تمنحها القدرة على الانتشار.

خطوة مبشرة

لكن من المهم عدم المبالغة، فهذه الدراسة لا تقدم علاجا جاهزا لمرضى سرطان القولون، ولا تعني أن فحص GATA6 سيصبح غدا جزءا من كل بروتوكولات التشخيص. هي خطوة بحثية مهمة لفهم آلية الانتقال، وما زالت تحتاج إلى دراسات أوسع، وإلى اختبار جدوى استخدام GATA6 كمؤشر أو هدف علاجي في البشر.

القيمة الحقيقية للدراسة أنها تغير طريقة التفكير في السرطان. فبدلا من التركيز فقط على السؤال التقليدي: ما الطفرة التي صنعت الورم؟ يصبح السؤال الجديد: كيف تغير الخلية شخصيتها؟ ومتى تتخلى عن هويتها الهادئة لتصبح مسافرا خطيرا في الدم؟

 

المصدر: الجزيرة