لاريجاني بين التهديد والتفاوض.. الدور الذي قد يلعبه رجل الأمن القومي في إيران

وسط تراشق حاد للاتهامات والتهديدات بين طهران وواشنطن، ظهر علي لاريجاني المسؤول الأول عن الأمن القومي في إيران متوعدا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومحملا إياه المسؤولية عن قتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

وقال لاريجاني عبر التلفزيون الحكومي، السبت، إن ترمب يجب أن “يدفع الثمن” مقابل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واصفا الرئيس الأمريكي بأنه “متخلف جدا”.

من هو؟

“ليس لدي أدنى فكرة عمّا يتحدث عنه، أو من هو، لا يهمني الأمر على الإطلاق”، هذه كانت كلمات ترمب ردا على لاريجاني، لكن الواقع على الأرض يقول إن الرجل الذي “لا يهمه” هو الآن من أكثر الشخصيات أهمية في إيران، إذ برز كشخصية مركزية في الرد العسكري الهجومي الإيراني على الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية.

لاريجاني يقود الضربات الانتقامية ضد واشنطن وإسرائيل، كما أنه مسؤول عن ضمان عدم اندلاع جولة جديدة من الاحتجاجات في الداخل الإيراني، وهو مسؤول رفيع المستوى عُرف سابقا بالتعامل مع الغرب قبل أن يعيد تقديم نفسه متشددا في النظام.

ويقول المسؤولون الإيرانيون والعرب والأوروبيون لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن نفوذ لاريجاني، الذي يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، غلب نفوذ الرئيس الإيراني وغيره من القادة الكبار.

قيادة المرحلة الانتقالية

وبحسب الخبراء، فإن نفوذ لاريجاني في الشؤون العسكرية وتنسيق المجهود الحربي اليومي سيجعله الرقم الأصعب في المعادلة الإيرانية، وقال المدير الأول لبرنامج إيران في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” بهنام بن طالبلو “مع تركيز النظام الإيراني على الحرب والأمن الداخلي، فإن لاريجاني هو الآن الشخص الأكثر قوة في إيران”.

وعلى النقيض من ذلك، يقول دبلوماسيون إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لم يكن لديه الكثير ليقوله في الشؤون العسكرية، وتم تهميشه إلى حد كبير.

إعلان

من جانب آخر، يقول دبلوماسيون مطلعون إنهم يعتقدون أن لاريجاني (67 عاما)، الذي لديه روابط بالولايات المتحدة من خلال ابنة عاشت وعملت هناك، يمتلك خلفية تشي بأنه قد يكون على الأقل شخصا يمكن للدول الأخرى التفاوض معه بمجرد انحسار الموجة الحالية من الغارات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويصفه الدبلوماسيون بأنه براغماتي نجا في مسيرة مهنية امتدت 4 عقود من خلال الجمع بين الوحشية والانفتاح على الحوار، على عكس المتشددين الآخرين الذين يرفضون ببساطة التعامل مع القادة الغربيين.

وقال وسيط عربي مع إيران “إنه يتكيف للغاية، ويسير مع التيار. لقد دعم المحادثات النووية، وهو الآن يدير انتقاما قويا للغاية. ولكن إذا كان الثمن مناسبا، فقد يعود إلى طاولة المفاوضات”.

وبعد بدء الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية الأولية منذ أكثر من أسبوع، طرح لاريجاني بشكل مبدئي إمكانية استئناف المحادثات النووية مع واشنطن عبر عُمان، كما يقول مسؤولون عرب وأمريكيون، لكن المسعى لم يصل إلى نتيجة، حيث ركز الجانبان على العمليات العسكرية.

FILE PHOTO: Iran's Supreme National Security Council Secretary Ali Larijani reacts during a visit to Beirut, Lebanon August 13, 2025. REUTERS/Aziz Taher/File Photo
ترشح لاريجاني لانتخابات الرئاسة الإيرانية مرات عدة لكنه لم ينجح في الحصول على المنصب (رويترز)

رحلة الصعود من التهميش إلى قيادة الأزمة

وُلد لاريجاني في النجف بالعراق عام 1958 لعائلة دينية إيرانية بارزة، وانتقل إلى إيران وهو طفل، وواصل تعليمه ليحصل على دكتوراه في الفلسفة. وبعد فترة قصيرة أصبح قائدا في الحرس الثوري الإسلامي، الذي يُعَد الآن أقوى قوة سياسية واقتصادية في إيران، ثم انتقل إلى مناصب حكومية قبل أن يبدأ فترة عمله الأولى رئيسا للأمن القومي في البلاد.

وفي ذلك الدور بين عامي 2005 و2007، أظهر رغبة في التسوية خلال المحادثات النووية مع الدول الأوروبية، كما قال مسؤولون غربيون سابقا. وفي النهاية توصلت إيران إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة والقوى الأخرى، لكن الولايات المتحدة انسحبت منه في ولاية ترمب الأولى.

اتُّهم لاريجاني لاحقا بالانحياز إلى الإصلاحيين خلال انتخابات متنازع عليها في عام 2009. وتم تهميشه من قِبل المتشددين، ومُنع من خوض الانتخابات الرئاسية في عامي 2021 و2024.

وفي العام الماضي، عاد الرجل إلى الساحة، وتم تعيينه لتولي المجلس الأعلى للأمن القومي مرة أخرى بعد أن اتهمت القوات شبه العسكرية سلفه، علي شمخاني، بالتساهل المفرط مع الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2022.

وعزز مكانته بين القادة الكبار في يونيو/حزيران الماضي، عندما تمكن من الحفاظ على عمل الجهاز الأمني في البلاد عندما كانت إسرائيل ومن ثَم الولايات المتحدة تضرب المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية.

ترشح لاريجاني لانتخابات الرئاسة الإيرانية مرات عدة، لكنه لم ينجح في الحصول على المنصب، وعاد اسمه إلى الواجهة مرة أخرى في يونيو/حزيران 2024، إذ قدَّم طلبا للترشح إلى منصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية المبكرة التي تقرر إجراؤها بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي إثر سقوط مروحيته في منطقة جبلية وعرة بمحافظة أذربيجان الشرقية يوم 19 مايو/أيار 2024.

لكنَّ مجلس صيانة الدستور استبعده من قائمة المرشحين المقبولين للتنافس في السباق الرئاسي، وهو ما انتقده لاريجاني، ورآه استبعادا “غير شفاف”.

لاريجاني يتحول إلى المحرك الفعلي للسلطة في طهران ويقود المرحلة الانتقالية والحرب المفتوحة مع أمريكا وإسرائيل  (الأوروبية)

إيران ما بعد علي خامنئي

شهد لاريجاني توسعا كبيرا في دوره منذ وفاة خامنئي، ويقول مسؤولون أمريكيون إن لاريجاني يقوم أيضا بتنسيق الجهود لضمان عدم اندلاع معارضة مرة أخرى في الداخل، من خلال تشديد الرقابة على السلوك العام بعد قيادته للقمع ضد المتظاهرين في يناير/كانون الثاني.

إعلان

وعقب ضربات أمريكية إسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير/شباط 2026، في إطار عملية عسكرية مشتركة اغتالت قادة إيرانيين بارزين على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، خرج لاريجاني في كلمة مصورة بثها التلفزيون الإيراني، مؤكدا أن إيران “ستضرب الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة لم يسبق اختبارها”.

وأكد لاريجاني أن طهران وضعت خططا لترتيب القيادة وفقا للدستور، وأن واشنطن واهمة إن اعتقدت أن اغتيال القادة سيزعزع استقرار إيران، مضيفا في رسالة إلى دول المنطقة أن بلاده “ليست بصدد الاعتداء عليها، لكنها تستهدف أي قواعد تستخدمها الولايات المتحدة”.

وقال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب “وقع في الفخ الإسرائيلي”، وقدَّم مصلحة إسرائيل على الولايات المتحدة، مضيفا “سنحرق قلب أمريكا وإسرائيل كما احترقت قلوبنا على المرشد، وسنلقنهم درسا لن ينسوه”.

 

المصدر: الجزيرة