في وقت كانت فيه كبريات شركات التقنية تتسابق على “ميغابكسل” الكاميرات ونحافة الهياكل، حدثت ثورة صامتة في سلوك المستهلك العالمي. فمع حلول الربع الأول من هذا العام، كشفت تقارير سوقية أن ميزة سعة أو عمر البطارية لم تعد مجرد إضافة تقنية، بل أصبحت المحدد الأول والأساسي لقرارات الشراء، مطيحة بعامل “السعر” الذي ظل متصدرا لعقود.
حيث أظهرت البيانات المستمدة من شركة “كاونتربوينت ريسيرش” الصينية تحولا مذهلا في الصناعة، إذ ارتفع متوسط سعة البطاريات في الهواتف الذكية عالميا ليصل إلى 5291 مللي أمبير في (يناير/كانون الثاني 2026).
كما قال أحد المحللين التقنيين في مؤسسة آي دي سي (IDC) الأمريكية، أنهم أصبحو لا يبيعون الهواتف، إنما يبيعون الثقة الرقمية بأن الجهاز لن ينطفئ في منتصف يوم عمل يعتمد كليا على الذكاء الاصطناعي.
والأكثر إثارة هو أن الهواتف التي تحمل بطاريات بسعة 6000 مللي أمبير فما فوق، قفزت حصتها السوقية لتستحوذ على 29% من المبيعات العالمية في مطلع هذا العام، مقارنة بنحو 10% فقط في العام السابق.

ذكاء اصطناعي مكلف
ويكشف تحقيق تقني أن السبب الجذري وراء هذا الهوس بالبطارية هو تحول معالجة الذكاء الاصطناعي من “السحابة” إلى “الجهاز” (On-Device AI)، حيث تشير تقارير موقعي “غادجيت سالفيشن” (Gadget Salvation) الأمريكي وتيك رادار البريطاني إلى أن تشغيل النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) والوكلاء الرقميين بشكل دائم يستهلك طاقة المعالجة العصبية (NPU) بمعدلات استنزاف تزيد بنسبة 35% عن التطبيقات التقليدية.
هذا الواقع فرض على المستخدمين الاختيار، إما هاتف ذكي “غبي” ببطارية عادية، أو هاتف “فائق الذكاء” يحتاج لخزان طاقة ضخم ليصمد حتى المساء.
من الليثيوم إلى السيليكون-كربون
وعند استقصاء سلاسل التوريد نجد أن التفوق لم يعد حكرا على من يملك البرمجيات الأفضل، بل من يملك كيمياء البطارية الأذكى، حيث تهيمن الشركات الصينية مثل “هونر” و”شاومي” و”فيفو” حاليا على السوق بفضل اعتماد تقنية السيليكون-كربون “إس آي-سي” (Si-C).
وتتيح هذه التقنية زيادة كثافة الطاقة بنسبة تصل إلى 20% دون زيادة حجم الجهاز أو وزنه، مما جعل هواتف ببطاريات 7000 و 8000 مللي أمبير حقيقة تجارية تنافس الهواتف النحيفة لشركات كبرى مثل آبل وسامسونغ، والتي لا تزال تكافح لمواكبة هذه الكثافة.
سيكولوجية “القلق الرقمي” والاستدامة
وبعيدا عن الأرقام، هناك بعد إنساني واقتصادي، فمع ارتفاع أسعار الهواتف بنسبة تقارب 14% هذا العام بسبب أزمات توريد المكونات، أصبح المستهلك ينظر للهاتف كاستثمار طويل الأمد.
حيث تؤكد استطلاعات رأي حديثة أن 23% من المستخدمين يخططون للاحتفاظ بأجهزتهم لأكثر من 4 سنوات. في هذا السياق، تصبح البطارية هي “العمر الافتراضي” للجهاز، فإذا تدهورت البطارية، انتهى عمر الاستثمار، وهو ما دفع المشترين للمطالبة ببطاريات تدوم طويلا وتحافظ على كفاءتها الكيميائية لسنوات.

المعيار الجديد للنجاح
إن تحول “عمر البطارية” إلى أن يصبح المحرك الأول للشراء هو إعلان رسمي عن انتهاء عصر “الجماليات المفرطة” وبدء عصر “الوظيفية المطلقة”، فالشركات التي ستنجح في تأمين يومين من العمل الشاق لمستخدميها هي التي ستقود المشهد الرقمي في النصف الثاني من هذا العقد، وتصدُّر عمر البطارية لقائمة أولويات المستهلك ليس مجرد موجة عابرة، بل هو تصحيح لمسار الصناعة بعد سنوات من تغليب الجوانب الشكلية على الأداء الوظيفي.
ونحن اليوم بصدد انتقال جذري في “بيولوجيا الهاتف الذكي”، حيث باتت كيمياء البطارية هي العصب الرئيسي للذكاء الاصطناعي، ومع توجه الشركات نحو تكنولوجيا السيليكون-كربون، لم يعد السؤال في أروقة مراكز الأبحاث هو كيف نجعل الهاتف أسرع؟، بل كيف نجعل الذكاء الاصطناعي مستداما؟.
ولذلك فإن الهاتف الذي لا يملك القدرة على الصمود في وجه مهام اليوم الشاق، مهما بلغت درجة ذكائه، سيجد نفسه تدريجيا خارج سباق الابتكار ومحفظة المستهلك على حد سواء.
المصدر: الجزيرة