لماذا تتفوق الدراجة على المشي والجري في استهلاك الطاقة؟

“إذا كان بإمكانك المشي لمدة ساعة، أوركوب دراجتك وقطع نفس المسافة في غضون 15 دقيقة دون بذل أي جهد إضافي، فالأفضل أن تختار الخيار الثاني”، وفقًا لما ينصح به الدكتور أنتوني بلازيفيتش، أستاذ الميكانيكا الحيوية، بجامعة إديث كوان الأسترالية، في مقاله المنشور على موقع “ذا كونفرزيشن” (The Conversation).

فالتقديرات تشير إلى وجود أكثر من مليار دراجة تجري في كوكبنا، مقابل حوالي 1.5 مليار سيارة، وهو ما يعني أن كثيرين يفضلون الخيار نفسه، حيث يمثل ركوب الدراجات أحد أكثر وسائل النقل كفاءة في استخدام الطاقة على الإطلاق، مما يسمح للبشر بالتحرك أسرع ولمسافات أطول، مع استهلاك طاقة أقل من المشي أو الجري.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2دراسة: الإحراج يبعد 34% عن صالات الرياضة.. كيف تبدأ تمارين القوة في 2026؟
  • list 2 of 2“مشية الفيل”.. تمرين منخفض التأثير يعزز التوازن والمرونة

end of list

ولكن لماذا يبدو ركوب الدراجات أسهل وأفضل بكثير من المشي؟ يجيب الدكتور بلازيفيتش بأن السر يكمن في “الميكانيكا الحيوية الأنيقة” التي تدير تفاعل أجسامنا مع هذه الآلة ذات العجلتين، و”البسيطة بشكل رائع”.

وهو ما سنوضحه في التقرير التالي، في محاولة لتقديم حلول بديلة لمساعدة من لا يناسبهم ممارسة رياضة المشي أو الجري.

الدراجة الهوائية آلة بسيطة رائعة

الدراجة الهوائية عبارة عن عجلتين، ودواسات تنقل الطاقة عبر سلسلة حديدية إلى العجلة الخلفية، وتروس تُمكننا من ضبط جهدنا بدقة؛ “لكن هذه البساطة تُخفي هندسة تتناغم مع وظائف الجسم البشري تماما”، كما يقول بلازيفيتش.

موضحًا أننا عندما نمشي أو نركض، فإننا نميل إلى الأمام لالتقاط أنفاسنا واستعادة توازننا بشكل تلقائي ولكن مُتحكّم فيه، بالتزامن مع تأرجح أرجلنا في أقواس واسعة، لترفع أطرافنا الثقيلة ضد الجاذبية مع كل خطوة، “وحركة التأرجح هذه وحدها تستهلك الكثير من الطاقة”. لذا يستطرد بلازيفيتش قائلا: تخيل كم سيكون مُرهقا لو تأرجحت ذراعيك باستمرار لمدة ساعة؟

في المقابل، ستلاحظ “وفورات فورية في الطاقة”، عندما تتحرك ساقاك على الدراجة في حركة دائرية أصغر بكثير، وأنت تدير فخذيك وساقيك ببساطة مع دورة الدواسة، بدلاً من تأرجح وزن ساقك بالكامل مع كل خطوة تمشيها.

إعلان

لماذا يُعد ركوب الدراجة الهوائية أكثر كفاءة من المشي والجري؟

يُعد ركوب الدراجة الهوائية من أكثر أشكال الحركة البشرية كفاءة في استهلاك الطاقة وحرق السعرات الحرارية، وذلك وفقًا لموقع “بيدال تشيلي” المتخصص في شؤون الدراجات. ويعزو الموقع هذه الكفاءة إلى أن نحو 98.6% من الجهد المبذول أثناء ركوب الدراجة يُوجّه مباشرة إلى الدواسة لتحريك العجلات ودفع الجسم إلى الأمام.

في المقابل، يُهدر أكثر من ثلث الطاقة أثناء المشي أو الهرولة في حركات لا تسهم فعليًا في التقدم الأمامي، مثل:

  • انثناء ركبة الساق المرتكزة على الأرض مع كل خطوة.
  • انحناء العمود الفقري.
  • الارتفاع والانخفاض المستمران للجسم أثناء الحركة.
  • التواء الوركين.
  • حركة الذراعين المتكررة إلى الأمام والخلف.
  • فقدان جزء من الطاقة عند تأرجح الساق غير الثابتة واصطدام القدم بالأرض.

ويؤكد بلازيفيتش هذه الفكرة بقوله إن “المكاسب الحقيقية تكمن في قدرة الدراجة على تحويل معظم الجهد إلى حركة أمامية سلسة”، على عكس المشي أو الجري، حيث تتضمن كل خطوة اصطدامًا بالأرض يمكن الشعور به من خلال صوت الحذاء والاهتزازات التي تنتقل عبر العضلات والمفاصل، ما يؤدي إلى تبديد جزء من الطاقة في صورة صوت وحرارة بدلًا من استثماره في الحركة.

سلاسة العجلات تحفظ طاقتك

يقول بلازيفيتش إن العجلات التي تقوم عليها الدراجات الهوائية تُعد من أعظم الاختراعات البشرية في تقليل فقدان الطاقة، إذ تعالج المشكلة الأساسية الناتجة عن اصطدام القدمين بالأرض أثناء المشي أو الجري.

فبدلًا من هذا الاصطدام المتكرر، تدور العجلات بسلاسة وتتدحرج لتلامس سطح الطريق عموديًا وبرفق، من دون كبح متقطع، ما يسمح بتحويل قوة الدواسة إلى حركة مباشرة نحو الأمام.

وفي الوقت الذي تعمل فيه عضلات الجسم أثناء المشي أو الركض السريع عند حدودها القصوى، فتفقد كفاءتها وتستهلك قدرًا أكبر من الطاقة مع كل خطوة، تساعد تروس الدراجة الهوائية العضلات على العمل ضمن نطاقها الأمثل.

فكلما زادت السرعة، يصبح بالإمكان التبديل إلى ترس أعلى، بحيث لا تضطر العضلات إلى العمل بوتيرة أسرع مع تسارع الدراجة، وهو ما يحافظ على قدرتها المثالية من حيث إنتاج القوة وتقليل استهلاك الطاقة.

فوائد الجري وركوب الدراجات (فريبيك)
الدراجة الهوائية ليست مجرد وسيلة نقل، بل آلة ذكية تتناغم مع جسم الإنسان لتعظيم كفاءة الحركة (فريبيك)

متى يتفوق المشي؟

على الرغم من كفاءة ركوب الدراجة الهوائية، فإنها ليست الخيار الأفضل في جميع الحالات. فبحسب الدكتور بلازيفيتش، قد يتفوق المشي أحيانًا، لا سيما عند صعود التلال المرتفعة. ففي هذه الظروف، تبذل الساقان جهدًا كبيرًا لإنتاج طاقة كافية عبر حركة الدواسة الدائرية، لرفع وزن الجسم والدراجة معًا إلى أعلى، ما يجعل المشي في هذه الحالة أسهل وأكثر فاعلية.

ويؤكد بول فان دين بوش، المؤلف ومدرب الدراجات المعروف، هذه الفكرة، مشيرًا إلى أن المشي صعودًا يعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 35% مقارنة بركوب الدراجة على المنحدر نفسه.

وخلال صعود التلال، تتغير آلية المشي أو الجري بشكل طبيعي؛ إذ تميل الخطوات إلى أن تكون أسرع وأقصر، كما يتغير موضع ملامسة القدم للأرض، وهو ما يؤدي إلى زيادة تنشيط عضلات الساقين والأرداف وأوتار الركبة والوركين، بما يعزز القدرة على الصعود بكفاءة أكبر.

إعلان

لكن الصورة تنقلب عند النزول من المنحدرات، حيث يصبح ركوب الدراجة أسهل ولا يتطلب جهدًا يذكر، في حين يكون المشي أكثر صعوبة، خاصة على المنحدرات الحادة. ففي هذه الحالة، تُحدث كل خطوة تأثيرًا قويًا على الجسم، ما يؤدي إلى فقدان الطاقة وإجهاد المفاصل.

فوائد الجري (فريبيك)
العجلات والتروس تسمح بتحويل معظم الجهد العضلي إلى حركة أمامية سلسة دون فقدان يُذكر للطاقة (فريبيك)

الدراجة الهوائية ليست مجرد وسيلة تنقل

يشير بلازيفيتش إلى أن ركوب الدراجة الهوائية على أرض مستوية وخالية من الرياح يمكن أن يكون أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بنحو 4 مرات مقارنة بالمشي، وبما يصل إلى 8 مرات مقارنة بالجري. ويعزو ذلك إلى قدرة الدراجة على تقليل الفاقد من الطاقة المرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:

  • حركة الأطراف.
  • التأثير الناتج عن اصطدام القدم بالأرض.
  • سرعة عمل العضلات.

وبفضل هذا التصميم، لا تقتصر الدراجة الهوائية على كونها وسيلة تنقل فحسب، بل تتحول إلى “آلة متكاملة” تعمل بتناغم مع جسم الإنسان، لتحويل قوة العضلات إلى حركة أمامية فعّالة بأقل قدر ممكن من الهدر، كما يوضح بلازيفيتش.

 

المصدر: الجزيرة