لماذا تحولت “أرض الصومال” إلى ساحة تنافس إقليمي؟

في مثل هذا اليوم، قبل 35 عاما، أعلن إقليم أرض الصومال الانفصالي أو “صومالي لاند” كما يسميه أهلها، استقلاله من جانب واحد عن الصومال، إثر انهيار الدولة المركزية عام 1991، ومنذ ذلك الحين وهو يعيش عزلة سياسية، محاولا عبثا الحصول على اعتراف الأمم المتحدة به دولة أفريقية جديدة.

لم ينجح الإقليم الانفصالي الذي يتمتع بموقع جيوستراتيجي فريد، ويكتنز الثروات والمعادن، في تحقيق أي اعتراف دولي به، حتى كسرت إسرائيل ذلك أواخر العام الماضي، لتصبح الوحيدة التي منحت الإقليم اعترافا دبلوماسيا منذ انفصاله، وهو ما يعكس مدى الاهتمام الإسرائيلي بتثبيت وجود إستراتيجي مباشر في الإقليم، مما دفعه إلى واجهة الأحداث الدولية.

فما أهمية جغرافيا الإقليم، وما أبعاد التنافس المحموم حوله؟

 

“أرض الصومال”.. موقع حيوي فريد

يضع الإقليم نفسه على الخارطة الدولية بوصفه محورا اقتصاديا إستراتيجيا، يجمع بين الموقع الجغرافي الحيوي، والنفوذ البحري، والفرص الاستثمارية.

ويستمد إقليم أرض الصومال -الذي يشترك حدوديا مع جيبوتي شمالا وإثيوبيا جنوبا- أهميته من موقعه الإستراتيجي على الشاطئ الجنوبي لخليج عدن، إذ يوصف ببوابة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية، والمؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، مما يجعله مطلا على أحد أكثر طرق التجارة ازدحاما في العالم.

ويمر عبر مضيق باب المندب سنويا نحو 21 ألف سفينة تجارية، تمثل 10% من حركة الملاحة العالمية و30% من حركة حاويات النقل البحري، مع ما يقارب 12% من تجارة النفط المنقول بحرا.

ويضم الإقليم ميناء بربرة، الذي يوصف بأنه رئة أرض الصومال الاقتصادية، وهو أكبر موانئ خليج عدن وأهم موانئ الاستيراد بالنسبة لإثيوبيا.

وعلى الرغم من غياب دراسات جيولوجية تؤكد مدى توفر أو حجم الثروات المعدنية في الإقليم، فإن تقارير محلية أشارت إلى امتلاكه معادن إستراتيجية حيوية متنوعة تشمل الليثيوم والكولتان، مع فرص كبيرة لتوفر الذهب والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب الأحجار الكريمة وخام الحديد والفحم.

تصميم خاص خريطة الصومال و أرض الصومال
إقليم أرض الصومال يضع نفسه على الخارطة الدولية بوصفه محورا اقتصاديا إستراتيجيا (الجزيرة)

لماذا يشكل الإقليم تنافسا إقليميا كبيرا؟

يرصد خبراء إستراتيجيون مؤشرات متزايدة على أن القرن الأفريقي -الذي يضم “أرض الصومال”- بات ساحة حاسمة للتنافس الدولي من أجل النفوذ، لا سيما في البحر الأحمر وخليج عدن، وهما من أهم الممرات المائية في العالم.

إعلان

ووفق دراسة لمركز الجزيرة، فإن البحر الأحمر انتقل من ممر إستراتيجي إلى ساحة تنافس إقليمي، تتقاطع فيها حسابات إسرائيل الأمنية مع تمدد أدوار قوى إقليمية ودولية.

وترفض دول كبرى في المنطقة، فضلا عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، المساس بوحدة الصومال، وتدعو إلى الإقرار بسيادته على أراضيه بما فيها إقليم “أرض الصومال”.

لكنّ لكل من إسرائيل وإثيوبيا تحديدا نظرة مختلفة عن النظام الإقليمي العربي إلى إقليم أرض الصومال.

  • لماذا تطمع إسرائيل بأرض الصومال؟

وبحسب الجزيرة للدراسات، فإن إسرائيل ترى مصالح إستراتيجية في أرض الصومال، بالنظر إلى قربها من اليمن، إذ تتطلع إلى الاستناد عليها كمنصة للعمليات المباشرة ضد الحوثيين وغيرهم.

وبالنسبة لإسرائيل، يمكن أن تكون أرض الصومال بمنزلة قاعدة أمامية للمراقبة الاستخباراتية لعمليات الحوثيين والتغلغل الإيراني في القرن الأفريقي، وتشابك مصالحهما مع “الحركات الإرهابية” في الصومال بفرعيها، حركة الشباب وتنظيم الدولة.

وتحاول إسرائيل -عبر اعترافها بالإقليم- فرض الخناق ومحاصرة وتقليص الدور التركي المتزايد في القرن الأفريقي وفي المنطقة، وفق الجزيرة للدراسات.

وسبق أن نوه محللون إلى أن الاعتراف الإسرائيلي جاء ضمن “إستراتيجية الأطراف” التي صاغها ديفيد بن غوريون، مؤسس إسرائيل وأول رئيس وزراء لها، خلال خمسينيات القرن الماضي، والتي اعتمدت على بناء تحالفات مع أطراف محيطة بالعالم العربي بهدف تطويق المجال العربي سياسيا وإستراتيجيا وضمان مصالح إسرائيل.

  • ما مصلحة إثيوبيا بأرض الصومال؟

مطلع عام 2024 وقع إقليم “أرض الصومال” مذكرة تفاهم مع إثيوبيا، تؤجّر بموجبها الأخيرة واجهة بحرية بطول 20 كيلومترا حول ميناء بربرة على خليج عدن، لمدة 50 عاما، مقابل اعتراف رسمي بما يسمى “دولة أرض الصومال”.

وأتاحت تلك المذكرة لإثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر لأغراض بحرية وتجارية، بعد أن كانت قد فقدت منفذها إليه منذ استقلال إريتريا عنها في سبتمبر/أيلول 1952، ولم يعد لها بعده أي منفذ بحري.

وتنظر إثيوبيا إلى مسألة الإطلالة على البحر الأحمر بصفتها “تحديا وجوديا”، وسبيلا لكسر سجنها الجغرافي.

  • مصر والسعودية.. على الطرف الآخر

عقب الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي، ذكرت تقارير أن السعودية بادرت لتشكيل تحالف عسكري جديد مع الصومال ومصر، وتسعى القاهرة والرياض إلى وحدة الصومال والحيلولة دون تفككه، حفاظا على أمن البحر الأحمر، واستقرار المنطقة.

ويحذر مركز الجزيرة للدراسات من أن تصبح دول مثل السعودية ومصر مطوَّقة ومهددة إستراتيجيا من الجنوب، في ظل المساعي الإسرائيلية، منوها إلى أن ما وصفه بـ”الابتعاد” العربي والتركي عن أرض الصومال سيكون أمرا مكلفا للغاية لكل الأطراف.

لماذا يراهن الإقليم على إسرائيل وإثيوبيا؟

عموما، ينظر إقليم أرض الصومال إلى التحالف مع إسرائيل وإثيوبيا كطوق نجاة لكسر عزلته المستمرة منذ أكثر من 3 عقود، عبر منح قواعد عسكرية لإسرائيل، وواجهة بحرية لإثيوبيا.

ويعتمد الإقليم مبدأ المقايضة السيادية التي تتمثل بتحويل موقعه الجغرافي المميز إلى رأسمال سياسي يؤمن له الوصول إلى واشنطن والغرب عبر البوابة الإسرائيلية، وتعزيز فرص الاعتراف الدولي به.

أرض الصومال المصدر: حساب على إكس Gideon Sa'ar @gidonsaar على إكس نص المنشور في إكس: It's a great privilege to conduct the first official diplomatic visit to Somaliland, at the invitation of President @Abdirahmanirro . The visit is also a message: We are determined to vigorously advance relations between Israel and Somaliland. Today, we held substantive discussions with the President and senior members of his government on the full range of our relations. The mutual recognition and establishment of diplomatic relations between the two countries are not directed against anyone. Our shared objective is to promote the mutual benefit of both nations and countries. In Hargeisa, I made it clear: Only Israel will decide whom it recognizes and with whom it maintains diplomatic relations. The President of Somaliland informed me that he has accepted @IsraeliPM Netanyahu’s invitation and will pay an official visit to Israel.
زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (يسار) إلى أرض الصومال بداية العام الجاري (مواقع التواصل)

مستقبل أرض الصومال؟

يستبعد محللون حصول إقليم أرض الصومال الانفصالي على اعتراف رسمي به كدولة مستقلة، رغم الاختراق الإسرائيلي، لا سيما مع حالة الرفض الإقليمي القاطع عربيا وأفريقيا، مما يبقي الاستقلال الفعلي بالنسبة للإقليم، في إطار حلم بعيد المنال.

إعلان

لكنْ في المقابل، يعبّر رهان إقليم الصومال عن براغماتية سيادية تسعى لكسر العزلة عبر تحالفات غير متوازنة، رغم ما تحمله من مخاطر التبعية أو التحول إلى ساحة صراع بالوكالة، وفق ما خلصت إليه دراسة مركز الجزيرة.

 

المصدر: الجزيرة