يتباهى الأميركيون بأنهم “الأفضل”، وهو ما يعتبره أحد أبرز كتّاب الرأي في صحيفة نيويورك تايمز صحيحا في ما يتعلق بالقدرة العسكرية على غزو الدول الأخرى واختطاف القادة الأجانب المكروهين، لكن الأمر ليس كذلك في ما يخص رفاهية المواطنين العاديين.
وتشير دراسة -نُشرت أول أمس الأربعاء استندت إلى مؤشر “التقدم الاجتماعي”- إلى أنه من حيث جودة الحياة، فإن الولايات المتحدة تحتل المرتبة 32 من بين 171 دولة، متخلفة عن بولندا وليتوانيا وقبرص.
وتعليقا على ذلك، يقول الكاتب نيكولاس كريستوف إن “الأمر الأكثر إثارة للقلق أن أميركا تراجعت باضطراد في التصنيفات على مر السنين، في ظل الإدارتين الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، ويبدو أنها تتجه للتراجع أكثر بسبب قرار الرئيس ترامب خفض الإنفاق على الرعاية الصحية والخدمات الأخرى”.
وأوضح كريستوف أن مؤشر “التقدم الاجتماعي” تم اعتماده عام 2011، وفي تلك السنة احتلت أميركا المرتبة 18، وهو ما كان وقتها مقلقا، وإن كانت متقدمة على فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، أما الآن، فقد تفوقت تلك الدول على أميركا في هذا التصنيف.
وعن ذلك التراجع، يقول مايكل غرين، الرئيس التنفيذي للمجموعة التي تنشر هذا المؤشر السنوي، إن “جودة الحياة في أميركا ليست أسوأ مقارنة ببعض الدول الإسكندنافية الصغيرة فقط، بل هي أسوأ مقارنة بجميع دول مجموعة السبع المنافسة للولايات المتحدة، إضافة لدول شيوعية سابقة، مثل سلوفينيا وليتوانيا وإستونيا، وديمقراطيات حديثة نسبيًا مثل كوريا الجنوبية”.
مراتب متأخرة
يرى الكاتب كريستوف أن مؤشر “التقدم الاجتماعي” يبقى مجرد مجموعة من المقاييس، يمكن للمرء أن يُجادل بشأنها، ويقترح استخدام البيانات الموضوعية لتقييم جودة الحياة في مختلف البلدان.
ففي مجال السلامة، تحتل أميركا المرتبة 99، متأخرةً عن باكستان ونيكاراغوا.
وفي مجال التعليم الأساسي (من رياض الأطفال إلى الصف الـ12)، تأتي أميركا في المرتبة 47، متأخرةً عن فيتنام وكازاخستان.
وفي مجال الصحة، تحتل المرتبة 45، متأخرة عن الأرجنتين وبنما.

وفي تقييمات أخرى بناء على مستوى الرفاهية تبدو أميركا في مرتبة مزعجة، حسب الكاتب، فقد صنف تقرير السعادة العالمي الأخير الولايات المتحدة في المرتبة 24، بعد أن كانت في المرتبة 15 قبل عقد من الزمن.
ويصنف مؤشر الحرية -الصادر عن المجلس الأطلسي- أميركا في المرتبة 22، وذلك في منحى تراجعي.
بينما يضع مؤشر الديمقراطية -الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة إيكونوميست- الولايات المتحدة في المرتبة 28.
وبما أن الولايات المتحدة تحتفي هذا العام بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، الذي يحتفي بـ”الحياة والحرية والسعي وراء السعادة”، فإن مؤشر التقدم الاجتماعي وأدوات التقييم الأخرى يشكل مرآة لقياس مدى نجاح أميركا، وفقًا لمعاييرها الخاصة.

الانعكاس على الواقع
يقول كريستوف إن الولايات المتحدة تحقق نجاحا ملحوظا في مجال النمو الاقتصادي، لكنها تتخلف في ترجمة تزايد الناتج المحلي الإجمالي إلى تحسين أحوال المواطنين المعيشية.
ويوضح الكاتب أن مؤشر “التقدم الاجتماعي” ليس نهائيًا، لكنه يعكس بعض الحقائق على الأرض، ويفسر جزئيا الإحباط والاستياء اللذين ساهما في انتخاب الرئيس دونالد ترامب ذي الخلفية اليمينية، وحاكم نيويورك زهران ممداني ذي الخلفية اليسارية.
وأشار الكاتب -على سبيل المثال- إلى أن قرار الرئيس ترامب خفض الإنفاق في قطاع الرعاية الصحية قد يودي بحياة 51 ألف شخص سنويًا، ويؤدي إلى أكثر من 100 ألف حالة إدمان غير معالجة سنويًا، بالإضافة إلى 138 ألف حالة سكري غير معالجة.
وللتصدي لذلك التراجع، يقترح الكاتب الاستثمار في رأس المال البشري، أي في الأطفال والتعليم ورفع مستوى المهارات، وتعزيز مبادرات الطفولة المبكرة، والتدريب المهني، وعلاج الإدمان، ودعم الكليات المجتمعية.
وخلص كريستوف إلى أن تراجع مكانة أميركا دوليا ينبغي أن يكون بمنزلة جرس إنذار قوي، وقال “نحن لسنا الأمة التي نتصورها، وعلينا أن نتخلص من هذا الرضا عن النفس، إلا إذا كنا راضين بأن يصبح شعارنا الوطني: نحن في المرتبة الـ32!”.
المصدر: الجزيرة