لماذا لا تتسرب ملايين براميل النفط عند استهداف الناقلات في هرمز؟

في خضم تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واتساع ما بات يُعرف بحرب الناقلات، يبرز سؤال إلى الأذهان: إذا كانت ناقلات النفط تتعرض للصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، فلماذا لا نشهد في كل مرة تسربات نفطية هائلة بحجم الشحنات التي تحملها تلك السفن؟

فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، السبت، استهداف ثلاث ناقلات نفط خام إيرانية، كما شملت الضربات ناقلتين في ميناء جاسك، إحداهما كانت فارغة والأخرى محملة بالنفط.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2البحر الوحيد الذي لا تحده اليابسة.. ما سر “سارجاسو” في قلب الأطلسي؟
  • list 2 of 2منزل صمد وحيدا وسط الطوفان.. مشهد من نيبال يشعل المنصات

end of list

وقد شهد شهرا يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيان تصاعدا ملحوظا في استهداف السفن، إذ أُصيبت 23 سفينة على الأقل في الممر المائي الحيوي.

ورغم تكرار الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، فإنها لا تؤدي في أغلب الأحيان إلى تدمير الناقلات أو إغراقها، وإن كانت تتسبب أحيانا في أضرار جسيمة تُخرج السفينة من الخدمة لفترات طويلة إلى حين استكمال أعمال الإصلاح والصيانة.

وفي المقابل، تزداد أهمية هذا التساؤل في ظل المخاوف البيئية المتصاعدة جراء استهداف ناقلات النفط وما ينتج عنها، والتي كان آخرها حادث الناقلة “كارولين بيزنغي ” قبالة السواحل العُمانية الشهر الماضي، حيث امتدت البقعة النفطية إلى مئات الكيلومترات المربعة، مما يثير تساؤلات حول المخاطر الكارثية المترتبة على تسرب كميات ضخمة من النفط الخام إلى البحر. وحذرت منظمة “غرين بيس ” من خطر وشيك يتمثل في كارثة نفطية غير مسبوقة ما لم يُحتوَ التسرب وتُؤمَّن حمولة الناقلة.

Teams of firefighters cleaning the Alaskan coast following the Exxon Valdez oil spill. (Photo by jean-Louis Atlan/Sygma via Getty Images)
فرق من رجال الإطفاء تقوم بتنظيف ساحل ألاسكا في أعقاب تسرب النفط من ناقلة “إكسون فالديز ” (غيتي-أرشيف)

ناقلات حديثة مصممة لمواجهة الأضرار

في 24 مارس/آذار 1989، راقب العالم بذهول واحدة من أكثر الحوادث تدميرا للبيئة في التاريخ وهي تشوه مضيق “برينس ويليام ” في ألاسكا. كانت تلك الكارثة -الناجمة عن ارتطام الناقلة “إكسون فالديز ” بالأرض- سببا في جعل اسم السفينة مرادفا للكوارث البشرية.

إعلان

جنحت الناقلة بعيد منتصف الليل على شعاب بلاي المرجانية في المضيق، ما أدى إلى تسرب نحو 11 مليون غالون، أي ما يعادل 41.6 مليون لتر من النفط الخام.

وسرعان ما تحولت المياه المحيطة إلى بقعة نفطية هائلة أودت بحياة أعداد لا تُحصى من الطيور والثدييات البحرية والكائنات البحرية الأخرى، فيما غطت طبقة كثيفة ولزجة من النفط الشواطئ البكر، لتمتد آثار التلوث على مساحة تقارب 120 ميلا مربعا (310.8 كيلومترات مربعة) من المياه المحيطة بالناقلة.

ومنذ تلك الكارثة، شهدت صناعة نقل النفط بحرا تحولا جذريا في معايير السلامة والأمان. وكان من أبرز تلك التحولات اعتماد تصميم الهيكل المزدوج الذي أصبح شرطا أساسيا في معظم ناقلات النفط الحديثة.

وبحسب المنظمة البحرية الدولية، يقوم هذا التصميم على وجود طبقتين من الفولاذ تفصلان بين مياه البحر وخزانات الشحنة.

ونتيجة لذلك، فإن إصابة الهيكل الخارجي بصاروخ أو لغم بحري أو جسم صلب لا تعني بالضرورة وصول الضرر إلى خزانات النفط. ففي كثير من الحالات، يمتص الهيكل الخارجي جانبا كبيرا من قوة الانفجار أو الاصطدام، بينما تبقى طبقة الحماية الداخلية سليمة وتحول دون تسرب الشحنة.

وقد فرضت المنظمة البحرية الدولية اعتماد هذا التصميم بعد سلسلة من حوادث التسرب الكبرى التي كشفت الحاجة إلى تعزيز وسائل الحماية وتقليص مخاطر الكوارث البيئية.

ولا تقتصر إجراءات الحماية على الهيكل المزدوج، إذ إن النفط لا يُخزن داخل الناقلة في خزان واحد ضخم، بل يُوزع على مجموعة من الخزانات المنفصلة بهدف تقليص حجم الخسائر المحتملة، بحيث لا يؤدي اختراق أحد الخزانات بالضرورة إلى فقدان كامل الحمولة أو حدوث تسرب واسع النطاق.

"كارولين بيزنغي " جانحة عند الساحل الصخري لجزيرة القبلية مع غمر المياه أجزاء من بدنها الشهر الماضي
“كارولين بيزنغي ” جانحة عند الساحل الصخري لجزيرة القبلية مع غمر المياه أجزاء من بدنها الشهر الماضي (فانتور – الجزيرة)

هل تتجنب الأطراف المتحاربة إحداث تسرب نفطي؟

بالنظر إلى طبيعة الاستهدافات الأخيرة في مضيق هرمز، سواء من جانب إيران أو الولايات المتحدة، فإن مواقع الضربات ونمطها يوحيان بأن الجهة المستهدِّفة تسعى إلى إيصال رسائل سياسية وعسكرية بالحديد والنار دون الدفع نحو كارثة بيئية واسعة النطاق.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول تنفيذي في إحدى شركات الشحن قوله إن إيران تبدو وكأنها تتعمد استهداف غرف محركات السفن، ما يؤدي إلى فقدانها القدرة على الحركة وتركها عالقة في البحر، من دون إغراقها أو التسبب بتسربات نفطية كبيرة.

وثمة فارق جوهري بين تعطيل ناقلة نفط وإخراجها من الخدمة، وبين إغراقها أو التسبب في كارثة بيئية، فالمؤشرات المستقاة من الهجمات الأخيرة توحي بأن الجهة المنفذة تسعى إلى تحقيق أهداف محددة، قد تتمثل في السعي إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية، ورفع تكاليف التأمين والشحن، بالإضافة إلى توجيه رسائل ردع سياسية وعسكرية، فضلا عن السعي إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على الخصوم.

وفي كثير من الحالات، يكفي استهداف غرفة المحركات أو أنظمة القيادة والملاحة أو أجزاء محددة من بدن السفينة لتحقيق هذه الأهداف، من دون الحاجة إلى اختراق خزانات النفط بصورة مباشرة.

إعلان

في المقابل، فإن التسبب في تسرب نفطي واسع داخل ممر إستراتيجي مثل مضيق هرمز قد يفضي إلى تداعيات كارثية، بما في ذلك الأضرار البيئية الجسيمة والخسائر الاقتصادية التي قد تطال دول المنطقة بأسرها، وربما تمتد آثارها إلى الطرف المنفذ للهجوم نفسه.

لذلك، يرى خبراء في الشؤون البحرية أن كثيرا من الهجمات التي تستهدف السفن التجارية تهدف بالدرجة الأولى إلى شل السفينة أو تعطيل مهمتها التشغيلية، أكثر من استهدافها للإغراق أو لإحداث تلوث بحري واسع النطاق.

متى يتحول الهجوم إلى كارثة بيئية؟

يصبح خطر التسرب النفطي مرتفعا عندما تتعرض الناقلة لأضرار هيكلية جسيمة، كاختراق الهيكلين الخارجي والداخلي معا، وهو سيناريو تسعى الأطراف المتحاربة عادة إلى تجنبه.

كما قد ينجم التسرب عن إصابة مباشرة لخزانات الشحنة النفطية، أو وقوع انفجار كبير داخل مناطق التخزين، أو انفصال أجزاء من بدن السفينة نتيجة اصطدام أو جنوح شديدين، ما قد يؤدي إلى تسربات نفطية واسعة النطاق.

وفي مثل هذه الحالات، قد تتحرر كميات ضخمة من النفط إلى البيئة البحرية خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي يعقّد عمليات الاحتواء والاستجابة ويضاعف حجم الأضرار البيئية والاقتصادية المحتملة.

This screen grab made on September 5, 2026 from handout video footage released by the US Central Command (CENTCOM) on September 5, 2026 shows what CENTCOM says are strikes that destroyed three oil tankers linked to Islamic Revolutionary Guard Corps after the Iranian military organisation fired on American warships.
مشهد نشرته القيادة المركزية الأمريكية في 5 سبتمبر 2026 لما قالت إنه استهداف لناقلات نفط مرتبطة بإيران (الفرنسية)

لماذا تخشى الدول التسربات النفطية؟

يُعد النفط من أخطر الملوثات البحرية نظرا لما يخلّفه من آثار طويلة الأمد على البيئة والاقتصاد والصحة العامة. فعندما يتسرب إلى البحر، يشكل طبقة عازلة على سطح المياه تعيق التبادل الطبيعي للأكسجين والضوء، ما يخل بالتوازن البيئي ويؤثر سلبا في الكائنات البحرية.

كما قد يتسبب في تسمم بعض الأنواع أو اختناقها، فيما يؤدي الغشاء النفطي وما يفرضه من عزل وانخفاض في كفاءة التبادل الحيوي داخل المياه إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك والكائنات البحرية.

ولا تقتصر آثار التلوث النفطي على الحياة البحرية فحسب، بل تمتد إلى الشعاب المرجانية والبيئات الساحلية الحساسة التي تمثل مناطق تكاثر وحضانة لعدد كبير من الأنواع البحرية، ما يهدد استدامة النظم البيئية في المناطق المتضررة.

كما تطال تداعيات ذلك قطاعات اقتصادية حيوية، في مقدمتها الصيد البحري والسياحة الساحلية والأنشطة المرتبطة بالملاحة البحرية.

كما يشكل التلوث النفطي تهديدا مباشرا لمصادر المياه، خاصة في دول الخليج التي تعتمد بصورة كبيرة على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها المائية، إذ إن وصول النفط إلى مناطق سحب المياه قد يؤدي إلى تعطيل محطات التحلية أو رفع كلفة تشغيلها ومعالجة آثار التلوث.

ولهذا، فإن حادثا واحدا يؤدي إلى اختراق خزانات الشحنة في ناقلة نفط قد يحوّل ممرا إستراتيجيا حيويا مثل مضيق هرمز أو بحر عُمان إلى بؤرة لكارثة بيئية واقتصادية تمتد آثارها لسنوات.

وتفسر هذه المخاطر حجم القلق الذي تبديه دول المنطقة إزاء أي حادث قد يفضي إلى تسرب كميات هائلة من النفط الخام إلى البحر، وما قد يترتب عليه من أضرار يصعب احتواؤها أو معالجتها في المدى القصير.

 

المصدر: الجزيرة