لماذا يفقد الرجل الثقة بنفسه عندما تحصل الزوجة على دخل أعلى منه؟

هل تعلم أن الدخل الذي نحصل عليه قد يؤثر على صحتنا النفسية، لا سيما عند مقارنته بدخل الآخرين من حولنا، كما ينعكس سلباً على الصحة النفسية لدى الرجال تحديداً؟

يتحدث ديف عن وضعه الاجتماعي كأب عاطل عن العمل يباشر الأعمال المنزلية: “أشعر بجرح في كبريائي عندما تصبح زوجتي العائل الوحيد للأسرة بالكامل”.

ويقول توم: “أنا، كما يُقال، رجل تقليدي، لكن حين تقول لآخرين إنك تباشر الأعمال المنزلية، يظنون أنك رجل تتمتع بصفات أنثوية”.

شارك ديف وتوم في دراسة بحثية تناولت الآثار الناتجة عن كون المرأة هي المصدر الرئيسي للدخل في العلاقة الزوجية، وشملت الدراسة مقابلات مع رجال ونساء على حدّ سواء.

وعموماً لا يزال الرجال يتفوقون على النساء في معدلات الدخل، حتى في أوساط الأزواج الذين لديهم أطفال، وتقوم النساء بنسبة أكبر بمباشرة الأعمال المنزلية وتربية الأبناء، وهي فجوة واضحة لا زالت تُلاحظ على مستوى العالم.

ويُعزى ذلك جزئياً إلى قوالب نمطية ذات صلة بالجنس، إلا أنه في بعض الحالات يعكس الأمر ضرورة اقتصادية، حيث تُمنح الأولوية عادةً لمهنة الشخص الأعلى دخلاً، وهو ما يدفع العديد من النساء إلى التراجع والرضا بوظائف مرنة أو بدوام جزئي.

وبينما تُظهر بعض الفئات العمرية دعماً متزايداً للمساواة بين الجنسين، يبقى مستوى رضا الرجال منخفضاً عندما تتفوّق زوجاتهم عليهم في كسب المال.

وتشير دراسات إلى أن تفوّق الزوجة على الرجل في الدخل قد يؤثر سلباً على احترام الرجل لنفسه ومستوى سعادته.

والسؤال ما مدى جدّية هذه القضية بالفعل؟ وما هي الحلول الممكنة لمساعدة الرجال على التأقلم مع هذا الواقع الجديد؟

ويتضح ذلك عندما يتحوّل الرجل إلى أب يباشر الأعمال المنزلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادته، مثل فقدان العمل أو الانتقال الجغرافي، لا بسبب قرار شخصي نابع منه.

كان هاري بانتون، وهو مستشار سابق ومؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي يقيم في سيدني، في أستراليا، قد فقد وظيفته مؤخراً، وقال من خلال منشور وجّهه إلى الآلاف من متابعيه، إن “قيمته كرجل وزوج وأب” تأثرت سلباً.

وقال بانتون: “أدرك تماماً السبب وراء ارتفاع معدلات الاكتئاب، وما هو أسوأ، بين هذه الفئة من الرجال، فعندما لا تسير الأمور كما هو مُخطط لها، قد يحمل ذلك أثراً مدمّراً، وقد يهز ثقة الرجل بذاته وبرجولته”.

وأضاف: “أتمنى من خلال مشاركة قصتي، أن يتمكن الآخرون من إدراك أن قيمتهم لا تتوقف على مثل هذه الظروف، بل أشعر الآن بقوة تدفعني لأكون الأب الذي طالما طمحت أن أكونه”.

وعلى الرغم من أن بانتون تبنى نهجاً إيجابياً تجاه التغيير الذي طرأ على نمط حياته، إلا أن حالته تُمثل مثالاً واضحاً على مدى تأثير دخل الرجل، مقارنةً بشريكته، على حالته النفسية.

وعلى الرغم من تسجيل ارتفاع بنسبة تصل إلى 8 في المئة في تشخيص هذه الحالات بين جميع الشركاء، من بينهم النساء، إلا أن الرجال سجّلوا ارتفاعاً أكبر وصل إلى نحو 11 في المئة.

وأثناء عملي في تأليف كتابي القادم الذي يحمل عنوان “من يعيل الأسرة”، أجريت حواراً مع ديميد جيتيك، الأستاذ المساعد في قسم الاقتصاد في جامعة دورهام، الذي أشرف على هذه الدراسة، للوقوف على مزيد من التفاصيل بشأن القضية.

من ناحية أخرى، كشفت دراسات حديثة أن الأزواج الأعلى دخلاً هم الفئة الأكثر ميلاً للانخراط في علاقات عاطفية خارج حدود الزواج، ويرجع الباحثون هذا السلوك إلى كونه وسيلة لبعض الرجال لمحاولة استعادة هويتهم الذكورية، التي قد يشعرون بأنها تعرضت للتهديد نتيجة تفوق زوجاتهم عليهم من الناحية المالية.

وتشير أبحاث إلى أن الضغط المجتمعي الواقع على الرجال للقيام بدور المعيل يؤثر سلباً على صحتهم النفسية، وتبيّن أن الرجال العاطلين عن العمل يعانون من معدلات اكتئاب أعلى من النساء العاطلات عن العمل، ويُعزى ذلك جزئياً إلى أن النساء يتمتعن غالباً بشبكات دعم اجتماعي أقوى خارج بيئة العمل مقارنةً بالرجال، الأمر الذي يجعل الآباء الذين يباشرون الأعمال المنزلية أكثر عرضة للعُزلة مقارنةً بالأمهات في نفس الظروف.

ولفهم السبب وراء العلاقة الوثيقة بين مستوى الدخل والصحة النفسية، ينبغي تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، فعلى الرغم من أن النساء المعيلات غالباً يُنظر إليهن على أنهن ناجحات وطموحات مهنياً، إلا أن الكثير من هذه الحالات تعود في الواقع إلى فقدان الرجال لوظائفهم، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث ضغط اقتصادي على الأسرة.

لهذا السبب تقول هيلين كواليفسكا، الأستاذة بقسم السياسات الاجتماعية والعلوم بجامعة باث: “معظم الدول لا تبذل جهوداً كافية لتعويض تراجع دخل الأسرة التي تعيلها النساء”، وتؤكد الباحثة أن أنظمة الرعاية الاجتماعية ينبغي أن تقوم بدور أقوى في دعم هذه الأسر ذات الدخل المنخفض.

“الأمور ليست سيئة على الإطلاق”

على الرغم من ذلك يعود فقدان الرجال للعمل بفوائد إيجابية على الأسرة، ففي بريطانيا، يكرّس الآباء وقتاً أكبر لأطفالهم مقارنةً بالماضي، وتشير دراسات إلى أن الآباء الذين يباشرون الأعمال المنزلية يقضون وقتاً أكثر مع أولادهم.

وكما هو متوقع يسهم هؤلاء الآباء بشكل أكبر في رعاية الأطفال مقارنةً بالأمهات أو الآباء المعيلين، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يزيدون من نصيبهم من الأعمال المنزلية بطريقة ملحوظة، بل تظل إسهاماتهم تقريباً مساويةً لما تقوم به زوجاتهم، أما في جميع الحالات الأخرى، تميل النساء إلى أداء الجزء الأكبر من العمل المنزلي، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن مركز “بيو” للأبحاث عام 2023 اعتماداً على بيانات من الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن سياسة حصول الرجل على إجازة أبوة لا تزال محدودة في كثير من الدول، إلا أن منح الآباء الفرصة للاستفادة بها ينعكس إيجابياً على العلاقة الزوجية، ويعزز من مشاركة الأب في رعاية الأبناء، حتى بعد عودته إلى العمل.

كما أن التوزيع العادل للأعمال المنزلية يسهم في تمكين النساء من مواصلة حياتهن المهنية، وبالتالي في تعزيز الفرص المتاحة لهن لزيادة الدخل.

بيد أن الفوائد التي تعود على النساء من هذه التحولات المجتمعية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ خلصت دراسة أُجريت على أسر مكسيكية إلى أن اتساع فرص العمل المتاحة للنساء خارج المنزل يرتبط بزيادة نفوذهن في مجالات أخرى، خاصة فيما يتعلق بالقرارات المالية الكبرى، وتتوافق هذه النتائج مع ما توصلت إليه دراسات سابقة، إذ أن التمكين المالي للمرأة، في مجتمعات كانت تفتقر فيه إلى هذه القوة، يسهم في تعزيز قدرتها على تحقيق دخل أعلى، وفي تنمية استقلاليتها، وتقدمها في حياتها المهنية.

وعندما تتغير الأعراف الاجتماعية ويصبح من الطبيعي أن يتخلى الرجل عن العمل لفترات بسبب التزامات الأسرة، تزداد رفاهية الأسرة بأكملها.

ويتمتع الآباء حالياً في السويد بثلاثة أشهر من الإجازة، وفق سياسة تعرف باسم “استخدمها أو اتركها”، وتسجل معدلات استغلال هذه الإجازة بين الآباء ارتفاعاً كبيراً، بل يُعتبر التخلي عن هذه الإجازة الأبوية أمراً غير وارد.

ورغم زيادة الوعي بأهمية تمكين النساء اليوم، لا تزال الآراء متفاوتة جداً بشأن ذلك، إذ خلصت دراسة حديثة أجرتها شركة “إبسوس” بالتعاون مع “كينجز كوليدج” لندن، إلى أن الجيل الأصغر سناً، الذي يُطلق عليه الجيل زد، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، هم الأكثر انقساماً في الآراء.

وأظهر استطلاع رأي شمل نحو 24 ألف شخص أن الشباب كانوا أكثر احتمالًا للموافقة على القول بأن الأب الذي يبقى في البيت ليعتني بأطفاله “أقل رجولة”، وأيد 28 في المئة من شباب الجيل زد هذا الرأي، مقابل 19 في المئة فقط من فتيات الجيل زد، بينما كانت النسبة في باقي الفئات العمرية، أقل.

وعندما طُلب منهم إبداء رأي في العبارة التي تقول: “يُتوقع من الرجال أن يفعلوا الكثير لدعم المساواة”، أيد 60 في المئة من شباب الجيل زد، مقابل 38 في المئة من فتيات الجيل زد.

وتقول هيجونغ تشونغ، أستاذة الأعمال والتوظيف بكينجز كوليدج لندن وواحدة من المشرفين على الدراسة، إن أحد العوامل التي تؤدي إلى تصاعد هذه المواقف هو زيادة فرص التعليم الجامعي للشابات مقارنةً بالشباب، لذا، بحسب قولها، تحصل النساء في بداية العقد الثالث من عمرها على دخل يفوق قليلاً ما يحصل عليه الرجال، وللمرة الأولى، أصبح هناك عدد أكبر من الطبيبات مقارنةً بالأطباء في المملكة المتحدة.

 

المصدر: BBC