لماذا ينبغي أن نشكر أينشتاين على كاميرات هواتفنا الذكية؟

رفع المهندس فلاش الكاميرا، وجّهه نحو اللوحة الإلكترونية الصغيرة على المكتب، ثم أطلقه. في جزء من الثانية غمر الضوء الغرفة. أغمض الجميع أعينهم للحظة – ليتبيّن لهم بعدها أنّ الحاسوب قد تعطّل.

تأكّد فريق “راسبيري باي” بذلك من أنّ منتجهم، وهو حاسوب منخفض التكلفة مخصّص للمدارس وهواة الإلكترونيات، لا يحب أن تُلتقط له الصور. أو على الأقل عندما تُلتقط باستخدام مصباح فلاش كبير يعمل بالزينون.

ويقول إيبن أبتون، مؤسّس “راسبيري باي”: “لقد استمتعنا جميعاً بتعطيله”.

فقد أدركوا أنّ إحدى الشرائح في الحاسوب، كانت عرضة للتأثّر بالتأثير الكهروضوئي – وهو الظاهرة التي يؤدّي فيها الضوء إلى تحرير الإلكترونات وبالتالي توليد تيار كهربائي. وهو أشبه ما يكون بـ”مفتاح ضوئي معكوس”، إذا صحّ التعبير.

“ظواهر غريبة”

وكان علماء، من بينهم هاينريش هيرتز، قد قدّموا أيضاً نسخاً مبكّرة من ظاهرة التأثير الكهروضوئي، وذلك باستخدام الضوء لإنتاج شرارات صغيرة، أو لشحن قطع من ورق الذهب كهربائياً بحيث تتنافر في ما بينها.

يقول ستيف غيمبل من كلية غيتيسبيرغ في الولايات المتحدة: “كانت هناك ظواهر غريبة وغير مفسَّرة، عندما كان يتمكن الضوء من انتاج الكهرباء، وكان ذلك يذهل الناس تماماً – إذ لم يستطيعوا فهم كيف يمكن لذلك أن يحدث”.

كان ذلك محيِّراً للعقول. فالمزيد من الضوء يجب أن يعني مزيداً من الطاقة، أليس كذلك؟

لكن أينشتاين أدرك أنه إذا كان الضوء يتكوّن من حزم أو جسيمات منفصلة (سُمّيت لاحقاً بالفوتونات) لها خصائص موجيّة، فإنّ طاقة تلك الجسيمات يمكن أن تفسّر الظاهرة.

إلكترونات مثارة

يشرح بول ديفيز من جامعة يورك: “عندما يصطدم فوتون واحد بإلكترون، فإن الإلكترون يُثار. وإذا كان ذلك الفوتون يحمل قدراً كافياً من الطاقة، يحدث عندها التأثير الكهروضوئي – ويتحرر الإلكترون من المادة.

أثارت أعمال أينشتاين جدلاً واسعاً – ولا سيما نظريته النسبية الخاصة – ما جعل بعض أعضاء لجنة نوبل للفيزياء يتردّدون في منحه الجائزة. وعندما قرّروا منحه إياها، اختاروا تكريمه على أبحاثه في التأثير الكهروضوئي.

وقد ناقش العلماء طويلاً ما إذا كان ذلك هو الخيار الأمثل، غير أنّ الشك قليل في أنّ استغلال التأثير الكهروضوئي قد غيّر طريقة عمل عالمنا، إذ تعتمد عليه تقنيات كثيرة.

فأجهزة الاستشعار في أنظمة إنذار السرقة، مثلاً، تُطلق شعاعاً من الضوء تحت الأحمر. وعندما يقطع هذا الشعاع متسلّل ما، يتغيّر الضوء الذي يستقبله المستشعر، مما يبدّل التيار الكهربائي – وهكذا ينطلق جرس الإنذار.

كما أتاحت هذه التقنية للسفن استشعار الضباب، وللسيارات استشعار المطر وتشغيل أبواق الضباب أو ماسحات الزجاج الأمامي تلقائياً.

ومن بين أشهر تطبيقات التأثير الكهروضوئي أيضاً، أجهزة الاستشعار في الكاميرات، وهي الجزء الحساس للضوء في الكاميرا الرقمية الذي يلتقط الصور.

وتكاد جميعها تعتمد على تقنية أشباه الموصّلات ذات الأكاسيد المعدنية المُتتامة (CMOS) التي جرى تحسينها في وكالة ناسا (الإدارة الوطنية الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء) خلال التسعينيات لاستخدامها في الفضاء، قبل أن تُدمج لاحقاً في مليارات الهواتف الذكية.

يعمل إريك فوسوم، أحد المهندسين الذين شاركوا في ذلك المشروع، اليوم على تطوير مستشعرات صور قادرة على استشعار أصغر كمية ممكنة من الضوء – أي فوتون واحد فقط.

وقد بدأ بالفعل استخدام هذه “العدّادات الفوتونية” في المختبرات، وهي تقنية قد تُحدث ثورة في عالم التصوير الرقمي، مثلاً عبر تحسين جودة الصور في أجهزة الأشعة المقطعية الطبية (CT) مع تعريض المرضى لجرعة أقل من الإشعاع.

ويقول فوسوم، الذي يعمل حالياً في كلية دارتموث الأمريكية: “سنمتلك القدرة على الرؤية في الظلام عملياً بفضل هذه التكنولوجيا الجديدة”.

منذ أن وضع أينشتاين نظريته حول التأثير الكهروضوئي عام 1905، ابتكرنا بلا شك كثيراً من الاستخدامات الممتعة لهذا الاكتشاف.

لكن هناك ما هو أبعد من ذلك.

ففي ستينيات القرن الماضي، لاحظت المركبات الأولى التي هبطت على القمر ظاهرة غريبة على الأفق القمري: توهّج غامض يشبه إلى حد ما غروب الشمس المتلاشي تدريجياً.

غير أنّ القمر لا يملك غلافاً جوياً مثل الأرض، حيث أنّ شروق الشمس وغروبها على كوكبنا ينتجان عن تشتّت الضوء بواسطة الجزيئات في الغلاف الجوي مع دوران الكوكب حول محوره.

فمن أين جاء هذا التوهج القمري؟

اتضح أنّ ضوء الشمس كان يصطدم بغبار موجود على سطح القمر ويمنحه، من خلال التأثير الكهروضوئي، شحنة كهربائية موجبة.

وأثناء تحليقها، التقطت ضوء الشمس الغاربة – فخلقت ذلك التوهّج السحري.

تم إعداد هذا المحتوى كإنتاج مشترك بين “نوبل برايز أوتريتش” و”بي بي سي”.

 

المصدر: BBC