في السنوات الأخيرة، قُدِّمت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفها مساعدا يسرّع الكتابة، ويعين المستخدمين على صياغة الأفكار والمنشورات. لكن التطور المتسارع لهذه النماذج، وتزايد الاعتماد عليها، جعلا دورها يتجاوز مجرد المساعدة في الكتابة، لتتحول في كثير من الأحيان إلى كاتب فعلي، وتغدو منصات التواصل الاجتماعي ساحة يغلب عليها هذا النوع من المحتوى، على حساب المحتوى الأصيل الذي أنشئت تلك المنصات من أجله.
ولم يكن هذا التحول أكثر وضوحا منه في لينكد إن، أكبر منصة مهنية في العالم للتوظيف وتبادل الخبرات وبناء العلاقات المهنية. فقد شهدت المنصة خلال الفترة الأخيرة تزايدا ملحوظا في المنشورات التي تبدو مولدة بالذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة لفتت انتباه عدد كبير من مستخدميها، وأثارت نقاشا متزايدا حول تأثيرها في أصالة المحتوى والمصداقية المهنية على المنصة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
لينكد إن في الصدارة
وكشفت دراسة حديثة أجرتها شركة بانغرام (Pangram)، المتخصصة في رصد وكشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، عن تنامٍ ملحوظ في حضور هذا النوع من المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
وتوفر الشركة إحدى أبرز الأدوات المستخدمة لتحليل النصوص والكشف عن المحتوى المولد آليا، كما تقدم إضافة لمتصفح “غوغل كروم” تمنح المستخدمين مؤشرات فورية حول ما إذا كانت المنشورات التي يطالعونها مكتوبة بشريا أم مولدة بالذكاء الاصطناعي.
واعتمدت الدراسة على تحليل نحو مليون منشور نُشر بين أواخر أبريل/نيسان وبداية يوليو/تموز، وشملت منصات رئيسية هي: لينكد إن، وإكس، وريديت، وسبستاك، وميديوم.
وأظهرت النتائج أن 13.8% من إجمالي المحتوى المنشور عبر هذه المنصات كان مولدا بالكامل أو بدرجة كبيرة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع تفاوت واضح بين منصة وأخرى.
وتصدرت لينكد إن القائمة بفارق كبير، إذ تبين أن 41% من المنشورات الطويلة (التي يزيد طولها على 250 كلمة) و30% من المنشورات القصيرة على المنصة كانت مولدة بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتخلص الدراسة إلى أن المنصة نفسها أسهمت في هذا الارتفاع، من خلال تشجيع المستخدمين على تحسين منشوراتهم بأدوات الذكاء الاصطناعي، عبر زر مخصص يظهر أسفل نافذة كتابة المنشور، وهو ما سهّل استخدام هذه الأدوات ورفع معدل الاعتماد عليها.
وجاءت منصة إكس في المرتبة الثالثة، إذ أظهرت الدراسة أن 29% من المنشورات الطويلة عليها كانت مولدة بالذكاء الاصطناعي، مما يعني أن ما يقارب منشورا واحدا من كل ثلاثة منشورات طويلة لم يُكتب بواسطة إنسان.
ولم يقتصر انتشار المحتوى المولد آليا على المنشورات، بل امتد إلى التعليقات أيضا. فقد بلغت نسبة التعليقات المولدة بالذكاء الاصطناعي على لينكد إن نحو 23.7%، مقابل 1.7% فقط على ريديت، وهو فارق أرجعته الدراسة إلى السياسات الأكثر صرامة التي تتبعها ريديت في مكافحة الحسابات الآلية والسلوك غير الأصيل.
شكاوى من المستخدمين
ورغم أن الدراسة خلصت إلى أرقام معبرة عن حجم الظاهرة، فإنها لم تكشف عن مشكلة جديدة، بل وثقت واقعا يرصده مستخدمو لينكد إن منذ فترة.
ويقول عدد من المستخدمين البارزين إن المنصة أصبحت تعج بمنشورات وتعليقات مولدة بالذكاء الاصطناعي، إلى حد بات فيه المشهد أشبه بـ”روبوت يخاطب روبوتا”، في إشارة إلى تراجع التفاعل البشري الأصيل.
وسبق أن عبّر كثير من مستخدمي لينكد إن عن استيائهم من تنامي المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، منتقدين سياسات المنصة التي تمنح هذا النوع من المحتوى حضورا أكبر، وتسهم -برأيهم- في انتشاره.
وقال الكاتب مايك روزنبرغ في منشور قبل نحو ثمانية أشهر: “لا أفهم لماذا يحاول لينكد إن جاهدا إقصاء العنصر البشري من منصة اجتماعية، عبر تشجيع الجميع على النشر والتعليق باستخدام الذكاء الاصطناعي؟”.
وأضاف: “إنه يفسد تجربة المستخدم. نصف التعليقات على المنشورات أصبحت من النوع الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي، مثل: «منشور رائع! عندما قلت…» ثم يعيد التعليق حرفيا ما كتبه صاحب المنشور”، في إشارة إلى أحد أكثر أنماط التعليقات الآلية شيوعا على المنصة.
كما انتقد سياسة الشركة بقوله: “من المستفيد من هذا؟ من ينشر هذا الهراء لا يجني سوى قدر محدود من التفاعل، والقارئ ينزعج، ولينكد إن يخسر، لأن عددا أقل من الأشخاص سيرغبون في استخدام منتج أصبحت جودته تتراجع”.
لينكد إن تعترف بالمشكلة
ولم تكن لينكد إن بعيدة عن هذا الجدل، إذ أقرت قبل صدور الدراسة بوجود المشكلة، وأكدت أنها تعمل على الحد من انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، ومنح أولوية أكبر للمحتوى الأصيل.
وفي مايو/أيار الماضي، أعلنت رئيسة التحرير في المنصة لورا لورينزيتي، في منشور رسمي، أن لينكد إن بدأت تطوير أنظمة تهدف إلى رصد المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وخفض ظهوره في الصفحات الرئيسية للمستخدمين.
وقالت لورينزيتي: “قد يكون الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة لتحسين اللغة، لكننا نشهد تزايدا فيما يسميه كثيرون المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي، وهو محتوى يبدو مصقولا ظاهريا، لكنه يفتقر إلى أي منظور أو قيمة حقيقية”.
وأوضحت أن الشركة تتخذ خطوات للحد من أدوات الأتمتة، وتقليل المحتوى المكرر، وتعزيز المحتوى الأصيل، عبر أنظمة طورت بالتعاون بين الفرق الهندسية والتحريرية، ودُربت على التمييز بين المحتوى الذي يقدم خبرة أو سياقا أو رؤية جديدة، وذلك الذي يبدو عاما ومكررا، حتى وإن كان مكتوبا بإتقان.
وأضافت أن هذه الأنظمة ستستهدف أيضا التعليقات التي تُنشأ وتُنشر على نطاق واسع باستخدام أدوات الأتمتة، مع تدخل بشري محدود أو معدوم، إلى جانب الردود التي تكتفي بإعادة صياغة محتوى المنشور الأصلي دون تقديم أي إضافة.
وتعكس تصريحات الشركة، إلى جانب نتائج الدراسة وشكاوى المستخدمين، حجم التحول الذي شهدته لينكد إن خلال السنوات الأخيرة. فمنصة أنشئت أساسا لتبادل الخبرات والتجارب المهنية أصبحت، في نظر كثير من مستخدميها، مساحة يهيمن عليها المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، في وقت يتراجع فيه حضور الأصوات البشرية والمحتوى الأصيل.
المصدر: الجزيرة