ليس مجرد بيت.. كيف يعيد المكان تشكيل الدماغ ويزيد من السعادة؟

هل يمكن أن يغير المكان ملامح شخصيتنا؟ وهل كنا سنصبح بشرا مختلفين لو نشأنا في مكان آخر؟ تشير أبحاث نفسية وسلوكية حديثة إلى أن الجينات تفسر نحو 49% فقط من السمات الشخصية، بينما تلعب البيئة المحيطة الدور الحاسم في إعادة تشكيل الهوية عبر الزمن.

بهذا المعنى، لا يكون تغيير محل السكن مجرد تعديل للعنوان، بل محاولة لإعادة ضبط المسارات العصبية والسلوكيات الاجتماعية، وإتاحة الفرصة أمام جوانب في الشخصية كانت مكبوتة في البيئة السابقة.

Photo of Family Smiling
تتحكم البيئة المحيطة إلى حد بعيد في تكوين السمات الشخصية للفرد (بيكسلز)

لغز الـ49%.. كم تصنع الجينات وكم يصنع المكان؟

رغم ثبات الحمض النووي للأفراد، فإن الإنسان لا يرث عادة أكثر من 40 إلى 50% من سماته الشخصية. وبالمثل، تعزى قرابة نصف الفروق في درجات الذكاء بين الناس إلى عوامل جينية، بينما تصنع البيئة النصف الآخر، من نمط الحياة والعلاقات إلى الثقافة السائدة، لتصبح مسؤولة عن تشكيل المسارات العصبية وطريقة تعامل المرء مع نفسه والعالم.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2لا تقلق على “الطفل الانتقائي”.. علماء يربطون بين “الشراهة” والصحة النفسية
  • list 2 of 2كيف نحافظ على صحتنا النفسية في أوقات الحروب والأزمات؟

end of list

يتجلى ذلك بوضوح في الفروق الثقافية بين الشرق والغرب، ففي المجتمعات الغربية يميل الأفراد إلى تعريف أنفسهم من منظور فردي (أنا ذكي، لطيف، ظريف) بالاستناد إلى تصوراتهم عن ذواتهم، بينما يميل كثيرون في اليابان مثلا إلى تعريف أنفسهم من خلال أدوارهم الاجتماعية (أم، أب، ابن، ابنة).

دراسة بعنوان “الأساس العصبي لتأثير الثقافة على تمثيل الذات”، نشرت في مجلة “نيورو إيمج” (NeuroImage) عام 2007، دعمت هذا التصور، إذ صورت أدمغة 13 طالبا صينيا و13 طالبا غربيا، فظهر أن المنطقة المسؤولة عن الوعي بالذات تنشط لدى الغربيين عند التفكير في أنفسهم، بينما تنشط لدى الصينيين عند التفكير في الذات والأم معا، في إشارة إلى أن الثقافة تغير حرفيا طريقة تمثيل الدماغ لمفهوم “أنا”.

هل يرفع تغيير السكن مستوى سعادتك؟

السعادة ليست مجرد “كيمياء داخلية”، بل نتيجة تفاعل مستمر بين الاستعدادات الوراثية والبيئة التي نختار العيش فيها. من هذا المنظور، يمكن أن يمنحك الانتقال إلى سكن جديد فرصة نادرة لتغيير المناخ الاجتماعي، ومن ثم التأثير في المسارات العصبية، وإعادة تشكيل الهوية باتجاه نسخة أكثر رضا واتزانا.

Mother and Son Playing with a Tricycle on the Street
قد يساعد الانتقال إلى سكن الجديد المرء على بدء حياة جديدة وسعيدة (بيكسلز)

تشير الأبحاث إلى أن الجينات مرنة أمام تأثير نمط الحياة والوسط الاجتماعي، أي إن “المكان” يمكن أن يفعّل استعدادات وراثية معينة للسعادة أو يضعفها. لذا قد يتحول الانتقال إلى نوع من “إعادة الضبط الشامل” عبر:

إعلان
  • إطلاق سمات كامنة في الشخصية، إذ يكتشف بعض الأشخاص بعد الانتقال أنهم أكثر قابلية للتواصل، خاصة إذا شجع المجتمع الجديد على التفاعل العفوي، واتسم بالهدوء واحترام الخصوصية.
  • تحسين الرضا عبر توافق أفضل بين الشخص والبيئة، فإذا وفر المكان الجديد الاحتياجات النفسية الأساسية (الأمان، الألفة، مجتمع محيط آمن)، يستجيب الدماغ بخفض هرمونات التوتر وتحسين نشاط المناطق المرتبطة بالمكافأة والرضا.
  • توفير منظور جديد للنمو الشخصي وزيادة المرونة النفسية في مواجهة تحديات الحياة اليومية والقدرة على التكيف معها.

سمات “السكن السعيد”

الأشخاص الذين يغيرون أماكن سكنهم كثيرا يصبحون عموما أكثر قدرة على التكيف مع التغيير، لكنهم قد يجدون صعوبة في بناء ارتباطات عميقة وطويلة الأمد أو الإحساس بالاستقرار. لذلك من المهم دراسة خطوة الانتقال بعناية، فالدماغ يحتاج عادة من 3 إلى 6 أشهر لتطوير ارتباط عاطفي بالمنزل الجديد، وهي فترة ضرورية لتشكيل الروابط العصبية التي تمنح الشعور بالانتماء.

Man Standing Beside His Wife Teaching Their Child How to Ride Bicycle
تؤثر المساحات الخضراء وسهولة المشي في الشوارع على مستويات هرمونات السعادة (بيكسلز)

ومع ذلك، ليس كل انتقال ضمانة لسكن سعيد، فبعض السمات المكانية تلعب دورا مباشرا في “هاردوير” السعادة داخل الدماغ، من أبرزها:

  • سهولة النشاط البدني: 

وجود أماكن للمشي والركض وممارسة الرياضة بانتظام، إذ تظهر الدراسات أن سهولة الحركة في محيط السكن ترتبط بحجم أكبر لبعض مناطق الدماغ، منها الحصين (الهيبوكامبس)، بما يدعم الذاكرة والوظائف التنفيذية.

  • المساحات الخضراء والهدوء: 

توفر الطبيعة والضوضاء المنخفضة يساعد على خفض التوتر، وتفادي اضطرابات النوم، وتحسين الانتباه والذاكرة، فضلا عن حماية الدماغ من ضمور الحصين المرتبط بالاكتئاب المزمن.

  • غنى البيئة بالمحفزات الإيجابية: 

مثل الموسيقى والأنشطة الرياضية وتوفر خيارات للطعام الصحي، وهي عوامل تحفز قدرة الخلايا العصبية على تقوية الروابط بينها، وهو ما يدعم التعلم والتعافي النفسي. كما ترتبط سهولة الحركة والوصول إلى المرافق بارتفاع جودة الحياة والرضا الذاتي.

  • الحيوية الاجتماعية: 

أن يكون المكان حيا بما يكفي لسهولة اللقاءات العفوية والمحادثات، مع القرب من الأهل والأصدقاء في الثقافات التي تعلي من قيمة الأسرة والروابط الاجتماعية.

  • توفر الهدوء الليلي: 

تجنب الحرمان من النوم ضروري للحفاظ على الذاكرة والانتباه وحماية خلايا الدماغ من التدهور على المدى الطويل.

 

المصدر: الجزيرة