مئات المسيّرات يوميا لا تكفي للحسم.. لماذا تطول حرب روسيا وأوكرانيا؟

لم تعد الحرب المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات بين روسيا وأوكرانيا مقتصرة على جبهات القتال التقليدية، فالهجمات الأخيرة طالت عمق العاصمتين، واستهدفت منشآت حيوية مهمة، بينها مصافي نفط وبنى تحتية.

وتوسّع كييف استخدام المسيّرات بعيدة المدى ضد مصافي النفط الروسية، في حين ترد موسكو بتكثيف حربها الجوية عبر مزيج من الصواريخ الباليستية المعدلة والمسيّرات النفاثة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2قتلى بغارات على أوكرانيا وكييف تضرب مصفاة في العمق الروسي
  • list 2 of 2الناتو يعزز دفاعاته مع تصاعد حرب المسيرات بين روسيا وأوكرانيا

end of list

ومنذ أيام، تكرر دوي صفارات الإنذار، بينما فُعّلت المضادات الأرضية مرات عدة فوق العاصمة كييف، بالتزامن مع تساقط أسراب المسيّرات الأوكرانية بالقرب من قلب العاصمة الروسية واستهداف مصافي النفط الكبرى.

ويطرح هذا التصعيد تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الحالية من الحرب، وما إذا كان يعكس تحولا إستراتيجيا، أم أنه يمثل امتدادا لحرب الاستنزاف بين البلدين.

أوكرانيا.. مستجدات الوضع الميداني

واليوم الثلاثاء، قالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها شنت هجوما واسع النطاق على أهداف في أوكرانيا شملت منشآت صناعية وعسكرية ومرافق لقطاع الوقود والطاقة، فضلا عن منشآت بنية تحتية لموانئ وسفن تابعة للجيش الأوكراني.

وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية أن القصف الجوي الذي شنته موسكو ليلا تضمن 212 طائرة مسيّرة، و4 صواريخ كروز، وعددا غير محدد من صواريخ أونيكس المضادة للسفن والصواريخ الباليستية.

ويفيد مراسل الجزيرة في كييف أسد الله الصاوي بأن العنوان الرئيسي لهجمات اليوم والأيام الماضية يتمثل في تكثيف الغارات الروسية، مشيرا إلى أنها “لا تنقطع”، محصيا 8 غارات على كييف وحدها منذ منتصف الليلة الماضية، منوها إلى سماع المضادات الأرضية وهي تعمل بشكل مكثف بين الفينة والأخرى.

ويشير الصاوي إلى نشوب حرائق كبرى في كييف وأوديسا ودنيبروبتروفسك وزاباروجيا وخاركيف وجيتومير، واستهداف للبنية التحتية ولا سيما منشآت السكك الحديدية، إضافة إلى مستودعات تخزين الغذاء.

روسيا.. مستجدات الوضع الميداني

وعلى الضفة الأخرى من الحرب، أعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية استهداف مصفاتي نفط في مقاطعتي أوفا وسامارا داخل روسيا، وهما مصفاتان مهمتان للغاية بحسب الهيئة.

إعلان

ووفق بيان للقوات الخاصة الأوكرانية، فإن المصفاة -المملوكة لشركة روسنفت- تُعَد موردا رئيسيا للوقود في وسط روسيا، حيث تنتج البنزين والديزل وزيت الوقود ومنتجات بترولية أخرى.

ويقول حاكم مقاطعة سامارا الروسية إن الهجوم الأوكراني استهدف منشآت صناعية وتسبب بأضرار في الممتلكات المدنية، لكنه أكد أن الدفاعات الروسية نجحت في إسقاط عشرات المسيّرات التي استهدفت المقاطعة.

وتتحدث وزارة الدفاع الروسية -وفق ما نقل مراسل الجزيرة في موسكو أمين درغامي- عن إسقاط 629 مسيّرة أوكرانية خلال يوم واحد في مناطق متفرقة في البلاد.

وأمس الاثنين، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته تروث سوشيال قائلا إن “روسيا فقدت السيطرة على صناعة وقود الديزل لديها بسبب حربها مع أوكرانيا”، مشيرا إلى خروج عدد كبير من مصافي الديزل الروسية عن الخدمة “ولو بشكل مؤقت”، داعيا إلى وضع حد لهذه “الحرب العبثية”.

ما الذي تغيّر في الهجمات الأخيرة؟

إلى جانب نوعية الأهداف التي تتركز ضمن الشرايين الاقتصادية والبنية التحتية، شهدت الضربات المتبادلة بين البلدين تحولات ملموسة في حجم الهجمات، وتكتيكات التنفيذ.

  • تكتيك الإغراق

انتقل البلدان المتحاربان، وفق مراقبين، إلى إستراتيجية الهجمات المكثفة بالمسيّرات.

وقبل يومين، أطلقت كييف أكثر من 1000 طائرة مسيّرة على روسيا، منها مئات جرى توجيهها إلى موسكو، في حين وصف رئيس بلدية موسكو موجة الطائرات المسيّرة بأنها “أكبر هجوم على الإطلاق” على العاصمة الروسية.

  • تكتيك “المسيرات النفاثة”

بالنسبة لروسيا، فقد أدخلت مسيّرات نفاثة فائقة السرعة، تحلق على ارتفاعات عالية تتراوح بين 4 و7 كيلومترات (مقارنة بـ1 إلى 1.5 كيلومتر سابقا)، وفق وكالة رويترز.

وبحسب الوكالة، فقد ضغط هذا التغيير على منظومات الدفاع الجوي الأوكراني المحمولة والأرضية، وانخفضت نسبة الاعتراض لهذه المسيّرات إلى نحو 60% مقارنة بأكثر من 90% للمسيّرات المروحية التي كانت تُعترض بشكل روتيني، إلى جانب اعتماد الإطلاق المستمر على مدار الساعة لإرهاق طواقم الدفاع الجوي.

وبحسب الوكالة، فقد أطلقت روسيا في الأسابيع الثلاثة الأولى من سبتمبر/أيلول الجاري 2100 طائرة هجومية تعمل بالطاقة النفاثة، و136 صاروخا على أوكرانيا.

وتُعد الطائرات المسيّرة الجديدة أغلى ثمنا من النسخ ذات المراوح، لكنها لا تزال أرخص من صواريخ كروز التي تطلقها روسيا على أوكرانيا.

ويشير مسؤولون أوكرانيون إلى أن التحول في التكتيكات الروسية كان متوقعا، مؤكدين أن جهود بلادهم جارية في الوقت الحالي للتوصل إلى دفاعات فعالة.

ما أهداف الاشتباك الحالي؟

في نظر الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني، فإن شكل القتال تطور بين البلدين، من القتال العسكري التقليدي، إلى التركيز على ضرب الأهداف الاقتصادية، مشيرا إلى أن أوكرانيا تستهدف مصافي تكرير النفط لرفع كلفة الحرب عند روسيا، في حين تركز موسكو على استهداف منشآت الطاقة والكهرباء ومعامل الإنتاج لإضعاف قدرة الدولة في أوكرانيا.

  • استنزاف لا حسم

مع ذلك، لا يدخل مسار الحرب -وفق جوني- في إطار الحسم، بل في إطار الاستنزاف، مشيرا إلى أن طبيعة القتال الحديث تركز بدرجة أساسية على المسيّرات والصواريخ، في حين تراجعت العمليات البرية على امتداد الجبهات بشكل كبير.

إعلان

ويؤكد الخبير العسكري للجزيرة أن المسيّرات لا تحسم الحرب إنما تؤدي إلى استطالة مدة الاستنزاف، لا سيما في المجال الاقتصادي، وهذا بدوره يؤدي إلى إطالة مدة الحرب.

  • سباق التطوير والإنتاج

ويرى جوني أن العامل الأساسي في هذه المرحلة بين البلدين هو قدرة كل منهما على تطوير منظومات اعتراض المسيّرات والصواريخ من أجل الدفاع عن نفسه، وكذلك قدرته على سرعة الإنتاج، معللا بتسجيل استهدافات مسيّرات بأعداد كبيرة جدا وبكثافة عالية للغاية.

ويشير إلى أن روسيا لديها قدرة إنتاجية كبيرة جدا، في حين تعتمد أوكرانيا على الدعم الأوروبي، إلى جانب تطوير منظوماتها وأسلحتها بصورة سريعة لمواكبة تطورات الحرب ومفاجآتها، لافتا إلى أن ما يجسد جوهر الصراع الحالي هو السباق المستمر بين تطوير وسائل الهجوم وتطوير وسائل اعتراضها.

وربما هذا ما يفسر دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي -خلال لقائه مساء اليوم مع أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي في نيويورك- إلى دعم بلاده بأنظمة باتريوت أمريكية الصنع، مضيفا في منشور عبر منصة إكس “كلما تعززت قدرات أوكرانيا في مجال الحماية ضد الصواريخ الباليستية تضاءلت جرأة روسيا على مواصلة ضرباتها وإطالة أمد الحرب”.

 

المصدر: الجزيرة