في أعقاب سيطرة الجيش السوري على مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي، تكشفت ملامح مرحلة أمنية سابقة عاشها سكان المدينة خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك من خلال جولة ميدانية للجزيرة مباشر داخل أحد المباني التي حولت من مرفق خدمي إلى مركز أمني للاحتجاز والتحقيق.
المبنى الذي كان في الأصل مقرا لمديرية مياه دير حافر تحول خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه مقر إدارة أمنية ومركز شرطة وسجن مؤقت، بحسب ما ظهر من تقسيماته الداخلية والكتابات التي تركها معتقلون سابقون على جدرانه.
عند مدخل إحدى الغرف، برز باب حديدي كتبت عليه أسماء وعبارات توثق ذكريات سجناء مروا من المكان، في محاولة لترك أثر يدل على وجودهم وتجربتهم داخل هذا الحيز الضيق.
داخل غرفة الاحتجاز، بدت معالم الاستخدام واضحة؛ بطانيات مهترئة، حمام صغير، وبقايا طعام متناثرة في الزوايا، في مشهد يعكس ظروف الاحتجاز التي كان يوقف فيها المعتقلون ليومين أو ثلاثة قبل تحويلهم، وفق روايات الأهالي، إلى المحكمة في مدينة الطبقة بريف الرقة، حيث يوجد السجن الرئيسي.
وفي إحدى الغرف المجاورة، لافتة كتب عليها “مكتب الشكاوى والتحقيق الأول”، بما يشير إلى آلية العمل الأمني التي كانت تدار من داخل هذا المبنى. وبعد استعادة السيطرة على المدينة، تتولى الشرطة العسكرية حاليا تأمين الموقع وحمايته.
خلال الجولة، التقى مراسل الجزيرة مباشر بأحد سكان دير حافر، المواطن محمد جاسم، الذي روى تجربته مع الاعتقال قبل أيام من سيطرة الجيش على المدينة. وقال جاسم إنه من أبناء دير حافر، وقد عاد إليها قبل 3 أشهر بعد أن أمضى 14 عاما لاجئا في تركيا.
وأضاف أنه فوجئ قبل نحو 10 أيام بوصول سيارات تابعة لـ”قسد” إلى منزله عند غروب الشمس، حيث طوق المنزل قرابة 30 شخصا واقتادوه إلى هذا المبنى.
وأوضح جاسم أنه أدخل إلى إحدى غرف الاحتجاز قبل أن يستجوبه شخص ملثم بشأن وجود شكوى ضده، دون توضيح تفاصيلها. وبعد مراجعة سريعة، طلب منه توقيع تعهد بعدم التعرض لأشخاص قدموا شكوى بحقه، من دون تدوين أي إفادة خطية.
وأشار إلى أن الشكوى استندت إلى اتهامه بالانتماء إلى فصيل “أحرار الشام” (أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة سابقا) والقتال إلى جانب الجيش السوري، وهو ما نفاه مؤكدا أنه كان يقيم في تركيا خلال تلك الفترة. وأضاف أن عناصر التحقيق واجهوه أيضا بصورة شخصية على هاتفه يظهر فيها علم الثورة، قبل أن يقتنعوا بشرحه حول تاريخ الصورة ومكان التقاطها، ليُفرج عنه بعد نحو ساعة وتُعاد إليه بطاقته الشخصية.
وتعكس هذه الشهادة، بحسب الأهالي، جانبا من واقع الاعتقالات التي شهدتها المدينة خلال فترة سيطرة “قسد”، حيث تحدث السكان عن توقيفات واسعة طالت مدنيين على خلفيات أمنية أو شكاوى فردية.
في الطابق الآخر من المبنى، ظهرت غرفة “مدير المنطقة” وقد تناثرت فيها أوراق وبطاقات شخصية يرجح أنها تعود لمعتقلين أو لعناصر من قوات “قسد” أو لأهالي المدينة. كما لوحظت لوحة لقوات “الأمن الداخلي” التابعة لـ”قسد”، إلى جانب شعارات ممزقة، في إشارة إلى نهاية المرحلة السابقة ودخول المدينة طورا جديدا من السيطرة.
ومع استعادة الحكومة السورية دير حافر، يؤكد القائمون على الأمن أن العمل جار لحصر الموجودات داخل المبنى وتوثيق ما جرى فيه، في وقت يترقب فيه سكان المدينة مآلات المرحلة المقبلة، على أمل طي صفحة الاعتقالات والخوف، وعودة المرافق الخدمية إلى وظائفها الأصلية بعد سنوات من الاستخدام الأمني.
المصدر: الجزيرة