لا تبدو الضربات في إيران خلال ثماني ليال (بدءا من 11 يوليو/تموز الحالي) من التصعيد الراهن قائمة متناثرة من مواقع عسكرية، إذ يمتد المسار من خوزستان في الغرب، مرورا بـبوشهر وبندر عباس والجزر القريبة من مضيق هرمز، إلى جاسك وكنارك وتشابهار شرقا، وفيه تتجاور أهداف الرصد الساحلي والدفاعات الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والقدرات البحرية، مع جسور وأنفاق وسكك حديدية ومرافئ ومنشآت طيران.
وتتيح هذه الخريطة قراءة واحدة متماسكة لهدف يتمثل في إضعاف قدرة إيران على مراقبة الساحل واستخدامه عسكريا، وعلى وصل وحداته المنتشرة فيه بعمقه البري، لكنها لا تثبت، بمفردها، أن الولايات المتحدة قررت احتلال الجزر أو ضرب محطات تصدير النفط.
لماذا يمثل الساحل ومضيق هرمز موقعا مركزيا في الهجمات؟
المضيق هو نقطة الاختناق التي تصل الخليج ببحر عمان وبحر العرب، وهو لا يتجاوز 29 ميلا بحريا عند أضيق نقطة، وعبره مر في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا.
وتعتمد إيران، مثل العراق والكويت وقطر والبحرين، عليه في القسم الأكبر من صادراتها النفطية.
لذلك فإن تعطيل الرصد الساحلي والصواريخ المضادة للسفن والزوارق السريعة لا يقتصر أثره على معركة محلية، بل يستهدف أدوات التأثير في الملاحة وفي أسواق الطاقة.
وتقول واشنطن إن غايتها المعلنة هي خفض قدرة إيران على تهديد السفن التجارية، لكن السيطرة على المضيق تتطلب في الوقت نفسه تقليص قدرة طهران على كشف الحركة البحرية وتوجيه النيران إليها.

ما الذي أعلنته القيادة المركزية الأمريكية عن أهدافها؟
في 13 يوليو/تموز الحالي، أعلنت القيادة المركزية أن ضرباتها طالت أهدافا عسكرية في بوشهر وتشابهار وجاسك وكنارك وأبو موسى وبندر عباس، بينها أنظمة دفاع ساحلي ومواقع صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية.
وفي 15 يوليو/تموز قالت إنها ضربت في طنب الكبرى مواقع دفاع ساحلي وصواريخ كروز، إلى جانب مراكز قيادة ودفاع جوي ومراقبة ساحلية في مواقع شملت بندر عباس.
وفي الليلة الثامنة، في 18 يوليو/تموز، قالت إن أهدافها شملت المراقبة الساحلية والدفاعات الجوية والقدرات البحرية ومخازن الصواريخ والمسيّرات.
وتكشف هذه البيانات أن الحملة لا تركز على الصواريخ وحدها، فهي تجمع بين “عين” الساحل، أي الرادار والمراقبة، و”ناره”، أي الصواريخ والزوارق، و”حركته”، أي القدرة على الإسناد والتموين والانتشار.
ماذا أصاب بندر عباس وبوشهر، وكيف يختلف نمط الضرب فيهما؟
في هرمزغان، تقدم بندر عباس الصورة الأكثر وضوحا لاتساع قائمة الأهداف، ففي 13 يوليو/تموز أدرجتها القيادة المركزية الأمريكية ضمن مواقع قالت إنها ضربت فيها دفاعات ساحلية ومواقع للصواريخ والمسيّرات وقدرات بحرية.
وبعد يومين، قالت إن موجة أخرى استهدفت مراكز قيادة ودفاعات جوية ومراقبة ساحلية وقدرات صاروخية ومسيّرات في مواقع شملت بندر عباس.
لكن البيانات الأمريكية لا تربط كل فئة هدف باسم مدينة بعينها، ولا تنشر تقديرا للخسائر، ومن ثم لا يصح تحويلها إلى قائمة تفصيلية مؤكدة للمواقع التي أصيبت داخل المدينة.
وتنبع حساسية بندر عباس من اجتماع الميناء التجاري الأكبر في إيران مع منشآت بحرية للجيش والحرس الثوري على الضفة الإيرانية لمضيق هرمز.
وعلى المستوى المحلي، تحدثت تقارير إيرانية عن إصابات في محيط المدينة وجزيرة قشم، وعن أضرار في نفق الشهيد ميرزائي على محور بندر عباس-حاجي آباد، وجسر نهر شور على طريق بندر عباس-سيرجان، وجسرين عند تقاطع ميناب باتجاه رودان، إضافة إلى جسور على محاور بندر خمير وعقدة انشعاب السكك الحديدية في بندر عباس.

ولا يؤدي تضرر جسر أو نفق إلى عزل الساحل تلقائيا، فإيران تملك مسارات بديلة وقدرة على إصلاح بعض الأضرار. لكنه يرفع كلفة نقل الأفراد والقطع وأجهزة الرصد المتحركة بين الداخل والساحل، ويعقّد إعادة التموضع بين بندر عباس والموانئ والجزر. وفي حالة هرمزغان، تتداخل بذلك طبقات الضغط، مثل تقليص الرصد والقدرة النارية قرب المضيق، وإرباك شبكة النقل التي تغذيها من الشمال والشرق والغرب.
أما بوشهر فيبدو نمط الضرب فيها أقل تفصيلا في البيانات العلنية، لكنه لا يقل دلالة، حيث أدرجت القيادة المركزية بوشهر ضمن مواقع المهمة التي استمرت خمس ساعات في 13 يوليو/تموز، من دون تسمية هدف محدد داخل المحافظة.
وفي رواية محلية لاحقة، قال مسؤول في المحافظة إن عدة نقاط في بوشهر ونقطة في قضاء دشتي تعرضت لضربات، كما قال إن الناقلة “بلما إن آي 22” أُصيبت مجددا قرب جزيرة خارك وهي فارغة، بعد إصابة سابقة، وهي رواية لا يتوافر تحقق مستقل لتفاصيلها أو لموضع الناقلة وتسلسل الواقعة.
وتكتسب بوشهر وزنا مختلفا لأنها تصل الساحل الغربي الأوسط بالخدمات البحرية والطاقة، فيما تجعل خارك حركة الناقلات جزءا من الضغط البحري. غير أن الوقائع المتاحة لا تثبت أن محطة بوشهر النووية أو مرفق تصدير النفط في خارك كانا هدفين معلنين في هذه الموجة.
أين تركزت الضربات في خوزستان، وما دلالتها؟
وفي حصيلة تغطي عشرة أيام، أفاد مسؤول أمني في محافظة خوزستان بأن 95 نقطة في 12 قضاء استُهدفت، من دون نشر توزيع كامل لها حسب المدن. وتكرر الاستهداف المعلن في مركز المحافظة مدينة الأهواز ومحيطها.
وفي الجهة البحرية والصناعية، تكرر الاستهداف في محور ماهشهر–بندر إمام–آبادان–هنديجان، إضافة إلى أميدية، إذ أصيبت ثلاثة مواقع في آبادان في موجة واحدة يوم 13 يوليو/تموز، وتكررت الضربات في ماهشهر، فيما سُجلت مواقع مشتركة في ماهشهر وأميدية.
ويضع ذلك خوزستان في مسارين، الأهواز، بوصفها مركز المحافظة الإداري واللوجستي، والحزام الساحلي والصناعي الممتد من ماهشهر وبندر إمام إلى آبادان وهنديجان.
وبحسب رصدٍ للجزيرة نت، تعرضت منشآت فولاذ خوزستان للقصف ضمن موجة الهجمات الحالية، ما يوسع الضغط إلى الظهر الصناعي والاقتصادي للمسرح البحري، لا إلى الساحل وحده. وتعرضت للقصف كذلك محطة دار خوين النووية في خوزستان.

ماذا تكشف إصابة مطار إيرانشهر ومركز الملاحة في تشابهار؟
في الشرق، قال مسؤول محلي إن مبنى خدمات الطيران ومحطة الأرصاد في مطار إيرانشهر أصيبا. وفي تشابهار قالت السلطات المحلية إن مركز مراقبة حركة الملاحة البحرية تعرض لأضرار، مع استمرار عمل الميناءين التجاريين.
تتجاوز دلالة هذين الهدفين الساحل الضيق لبندر عباس، حيث إن المطار عقدة حركة واتصال في العمق الشرقي، بينما يلامس مركز الملاحة في تشابهار الرصد المدني لحركة السفن على مدخل بحر عمان.
ولا يثبت ذلك أن المرافق المدنية كانت أهدافا أصلية للحملة، لكنه يبين أن أثرها يمتد إلى البيئة التشغيلية التي تحيط بالموانئ والانتشار العسكري.
كيف يقرأ محلل عسكري الأولوية الأمريكية؟
يرى محلل عسكري تحدث للجزيرة نت شريطة عدم ذكر اسمه أن الأولوية الأمريكية هي إخراج مضيق هرمز من سيطرة إيران.
ويفسر ضرب الرادارات والرصد الإلكتروني والبصري، ثم الصواريخ والمسيّرات والزوارق السريعة والقدرات البحرية، بأنه محاولة لإضعاف الأدوات التي تستطيع طهران عبرها مراقبة الملاحة وتهديدها.
ويضيف أن استهداف الرادارات والدفاعات الجوية في الداخل يوسع هامش الحركة الجوية ويفتح ممرات نحو أهداف أخرى، بما يساند الحملة الساحلية.
هل تكفي هذه الوقائع للقول إن الولايات المتحدة تعزل الساحل؟
الأدق أنها تبني قدرة على تضييق المسرح الساحلي لا على عزله كليا، فالرادار والدفاعات والصواريخ والزوارق عناصر تمنح إيران القدرة على الرصد والرد، والطرق والسكك والمطارات والموانئ تؤمن حركتها وإسنادها، واستهدافها معا قد يخفض مرونة إيران ويمهد لحرية حركة جوية وبحرية أمريكية أكبر.
غير أن ذلك لا يحسم نتيجة الهجوم، حيث إن إيران تقول إنها لا تزال تملك بدائل برية وقدرات صاروخية ومسيّرات، كما أن الضربات المعلنة لم تنهِ كل أصولها البحرية أو شبكاتها.
ووصف مسؤول أمريكي الضربات لرويترز بأنها “عمليات تشكيل” يمكن أن تهيئ لعمليات أشد إذا لزم الأمر، وهو مؤشر على توسيع الخيارات، لا دليل على قرار بتنفيذ عملية بعينها.
هل تمهّد الحملة لعملية في الجزر السبع؟
الجزر القريبة من الممرات البحرية جزء طبيعي من أي صراع على المضيق، لأن السيطرة عليها أو تحييد ما فيها من رادارات وصواريخ تخفف المخاطر على السفن والطائرات.
بيد أن الوقائع المنشورة لا تسند حتى الآن الحديث عن قرار باحتلال الجزر السبع، فالمؤكد أمريكيا هو ضرب طنب الكبرى، وإدراج أبو موسى ضمن مواقع الاستهداف، بينما تحدثت تقارير إيرانية عن إصابات في قشم وهنغام، أما لارك وهرمز وطنب الصغرى فلا يوجد تأكيد علني مماثل على استهدافها في هذه الموجة أو على خطة إنزال فيها.
ويضع المحلل قشم ولارك وهرمز وهنغام وطنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ضمن الخيارات التي قد تتعرض لضغط أو لتحرك محدود، إذا أرادت واشنطن تحويل تفوقها الجوي والبحري إلى وجود أقرب من المضيق. لكنه لا يقدم معلومة عن خطة إنزال، ومن ثم يبقى السيناريو افتراضا عسكريا لا خبرا.
هل أصبحت خارك وجاسك هدفين مباشرين لشل تصدير النفط؟
الضغط على تصدير النفط قائم بالفعل من خلال حصار بحري أعلنت واشنطن استئنافه للموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، وقالت إنها عطلت ناقلة فارغة كانت متجهة إلى خارك بعد تجاهل التحذيرات.
وهذا يضغط على وصول الناقلات إلى مرفق التصدير، لكنه لا يساوي تأكيدا على قصف محطة خارك نفسها في هذه الموجة.
وخارك حساسة لأنها مركز لنحو 90% من صادرات إيران النفطية، وقد ضربت الولايات المتحدة أهدافا عسكرية على الجزيرة في مارس/آذار الماضي، مع تجنب البنية النفطية.
لذلك فإن توسيع الضغط إليها ليس افتراضا نظريا، لكن لا ينبغي الخلط بين استهداف عسكري سابق للجزيرة وبين ضرب محطة التصدير.
أما جاسك، فصُممت لتكون منفذا يتجاوز المضيق، لكن وكالة الطاقة الدولية تقول إن خط غورِه-جاسك والمحطة ظلا فعليا خارج التشغيل التجاري بعد شحنة اختبارية أواخر 2024. لذلك فإن أي ضرب محتمل لجاسك لن يلغي فورا قدرة إيران على تصدير النفط، لكنه قد يضغط على بديل استراتيجي مستقبلي.
ولا يرى المحلل أن احتلال خارك عملي في الظروف الراهنة، ويعتبر أن الضغط على الناقلات ومحطات التصدير أقل كلفة من السيطرة البرية عليها.
هل تمهّد ضربات الجنوب لانتقال الحملة نحو الداخل والعمق؟
يضع المحلل العسكري الضربات ضمن مسار من ثلاث مراحل مترابطة وظيفيا، وإن لم تكن بالضرورة منفصلة زمنيا، حيث تبدأ الأولى بالضغط على الشريط الساحلي الممتد من خوزستان وبوشهر وعسلويه إلى بندر عباس وساحل بحر عمان، عبر استهداف منظومات المراقبة والدفاع الساحلي والقدرات البحرية، والضغط على الموانئ ومراكز النفط والغاز وحركة التصدير والتحميل.
والغاية، وفق قراءته، هي تقليص قدرة إيران على المناورة في البحر واستخدام الساحل قاعدة للرصد والرد، مع زيادة الضغط على إيراداتها وحركة تجارتها البحرية.
أما المرحلة الثانية فتستهدف عقد النقل والإسناد التي تصل الساحل بالهضبة الإيرانية. ويحدد المحلل ثلاثة محاور رئيسية: من بندر عباس نحو كرمان وشيراز، ومن بوشهر وعسلويه نحو شيراز وأصفهان، ومن خوزستان عبر الأهواز باتجاه أصفهان.
وفي هذا السياق تكتسب ضربات الأنفاق والجسور والسكك الحديدية والطرق المحورية معناها، فهي لا تعزل المدن الجنوبية عزلا كاملا، لكنها تعطل أو تبطئ انتقال القوات والمعدات وقطع الغيار وأجهزة الرصد بين الموانئ والمراكز الصناعية والعسكرية في الداخل.
ويرى المحلل أن المرحلة الثالثة، إذا قررت واشنطن توسيع الحملة، ستكون الضغط على العمق نفسه، من خلال مراكز القيادة والسيطرة والدفاعات الجوية والعقد الصناعية والمواقع الحيوية في مدن مثل شيراز وكرمان وأصفهان. وبذلك ينتقل مسار الضرب، في تقديره، من تقييد الحركة البحرية، إلى إرباك الإمداد الداخلي، ثم تقليص قدرة القيادة والرد والإنتاج على المدى الأطول.
ومع ذلك، لا تثبت خريطة الأهداف المنشورة أن الولايات المتحدة اعتمدت هذا التسلسل خطة عمليات نهائية، أو أنها قررت الانتقال حتما إلى مرحلة واسعة في العمق.
فالمؤكد حتى الآن هو تزامن الضغط على الساحل مع استهداف دفاعات جوية وعقد نقل في الداخل، أما تقسيمه إلى ثلاث مراحل فهو نموذج تفسيري يقدمه المحلل لفهم العلاقة بين الأهداف، لا جدول زمني أمريكي معلن.
ما السيناريو الأقرب للمرحلة التالية؟
الأقرب، استنادا إلى الوقائع المعلنة، هو استمرار الحصار البحري والضربات على الرصد والدفاعات والصواريخ والبنية الداعمة، مع ضغط أكبر على المرافئ وحركة الناقلات.
أما عملية خاصة محدودة على جزيرة أو تحرك مباشر قرب مرفق نفطي فيبقى احتمالا أعلى من احتلال واسع، لكنها تحتاج إلى مؤشرات ميدانية مستقلة مثل حشد إنزال، أو حماية بحرية مستدامة، أو تغيير معلن في قواعد الحصار.
المصدر: الجزيرة