مارجريت تاتشر: قصة المرأة الحديدية التي غيرت وجه بريطانيا

يوافق 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري ذكرى مرور مئة عام على ميلاد السياسية البريطانية مارجريت تاتشر، التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ البلاد الحديث، فقد كانت إرادتها الصلبة وشجاعتها السياسية سبباً في إحداث تحوّل جذري في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمملكة المتحدة.

تاتشر، أو ثاتشر كما يُلفظ اسمها في بريطانيا، غيرت وجه حزب المحافظين، وأعادت تعريف العلاقة بين الدولة والفرد، ما أكسبها لقب المرأة الحديدية.

ورغم مرور عشرات السنوات على فترة حكمها من 1979 إلى 1990، تظل سياساتها ومواقفها محل دراسة وتحليل مستمر، سواء من مؤيد يرى فيها رمزاً للقوة والصرامة في مواجهة التحديات، أو من منتقد يعتبر سياساتها سبباً في تعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ويأتي الاحتفاء بمرور قرن على ميلادها فرصة لتقييم إرثها السياسي والفكري.

البدايات والصعود لرئاسة المحافظين

وأدت قدراتها الفكرية إلى التحاقها بجامعة أكسفورد، حيث درست الكيمياء وشاركت في النشاط السياسي، لتصبح واحدة من أولى النساء اللاتي ترأسن رابطة حزب المحافظين في جامعة أكسفورد.

وبعد تخرجها في عام 1947، عملت لمدة أربع سنوات كباحثة في الكيمياء، وكانت تدرس القانون في أوقات فراغها. ومنذ عام 1954 بدأت العمل كمحامية متخصصة في القانون الضريبي، وخاضت تاتشر أول انتخابات برلمانية لها في عام 1950 لكنها لم تنجح، وفي عام 1959 دخلت مجلس العموم بعد فوزها بمقعد حزب المحافظين في منطقة فينتشلي بشمال لندن، التي كانت من معاقل الحزب.

وبرزت مكانتها تدريجياً داخل الحزب، حيث شغلت منصب سكرتيرة برلمانية في وزارة المعاشات والتأمين الوطني (1961–1964)، ثم كانت وزيرة التعليم في حكومة الظل للمعارضة (1969–1970)، ومن ثم شغلت منصب وزيرة التعليم والعلوم (1970–1974) في حكومة المحافظين برئاسة إدوارد هيث.

وأثناء عضويتها في حكومة هيث (كانت تاتشر ثاني امرأة فقط تتولى حقيبة وزارية في حكومة المحافظين)، أقدمت على إلغاء برنامج كان يوفّر الحليب مجاناً للأطفال في المدارس، مما أثار عاصفة من الجدل وجعل خصومها في حزب العمال يسخرون منها بصيحات مثل: “تاتشر، سارقة الحليب”.

كما أنشأت مدارس شاملة أكثر من أي وزير تعليم آخر في التاريخ، وهي المدارس التي دشنها حزب العمال في الستينيات من القرن الماضي لإتاحة التعليم الأكاديمي المكثف للأطفال من الطبقة العاملة، رغم أن هذه المدارس تراجعت خلال فترة رئاستها للوزراء.

وبدعم من جناح اليمين في حزب المحافظين، انتُخبت زعيمة للحزب في فبراير/شباط من عام 1975، وبهذا بدأت صعودًا استمر 15 عامًا وغيّر وجه بريطانيا.

رئاسة الحكومة

قادَت مارجريت تاتشر حزب المحافظين إلى انتصار انتخابي حاسم في عام 1979، وذلك عقب سلسلة من الإضرابات الكبرى خلال الشتاء السابق، المعروف بـ “شتاء السخط”، في ظل حكومة حزب العمال بقيادة جيمس كالاكان.

ودعت تاتشر إلى تعزيز استقلال الفرد عن الدولة ووضع حد للتدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد. وشملت سياساتها خصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، وبيع المساكن العامة للمستأجرين، وتقليص النفقات على الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم والإسكان، وفرض قيود قانونية على النقابات العمالية.

وأصبح مصطلح “التاتشيرية” يشير ليس فقط إلى هذه السياسات، بل أيضًا إلى جوانب معينة من رؤيتها الأخلاقية وأسلوبها الشخصي، بما في ذلك المطلقية الأخلاقية، والنزعة القومية المتشددة، والاهتمام الحماسي بمصالح الفرد، ونهجها القتالي وغير المتساهل في تحقيق الأهداف السياسية.

وكان الأثر الرئيسي لفترتها الأولى اقتصادياً، إذ ورثت اقتصاداً ضعيفاً، فقامت بتقليص أو إلغاء بعض اللوائح الحكومية والدعم المقدم للأعمال التجارية، مما أدى إلى تصفية العديد من الشركات غير الفعّالة في قطاع الصناعة التحويلية ورغم ذلك شملت بعض الشركات التي لم يكن أداؤها سيئاً.

وبدأت تاتشر برنامجاً طموحاً لخصخصة الصناعات والخدمات العامة المملوكة للدولة، بما في ذلك قطاعات الطيران والفضاء، والتلفزيون والإذاعة، والغاز والكهرباء، والمياه، وشركة الطيران الوطنية، وشركة “بريتيش ستيل”، وبحلول نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، تضاعف عدد الأفراد المساهمين في الأسهم ثلاث مرات، وباعت الحكومة 1.5 مليون وحدة سكنية مملوكة للدولة لمستأجريها، ومع بدايات عام 1982، بدأ الاقتصاد البريطاني في التعافي.

إلا أنه وفي نفس العام، اتخذت تاتشر قرارا بالمواجهة مع الأرجنتين في حرب جزر فوكلاند الخاضعة للإدارة البريطانية والواقعة في جنوب المحيط الأطلسي.

ورغم التعافي الاقتصادي، إلا أن ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم التوترات الاجتماعية خلال فترة ولايتها الأولى جعلها لا تتمتع بشعبية كبيرة.

ولولا عاملان، لكانت هذه الشعبية المنخفضة قد ضمنت هزيمتها في الانتخابات العامة عام 1983: الأول هو حرب جزر فوكلاند، والثاني هو الانقسامات العميقة داخل حزب العمال، الذي خاض الانتخابات وفق برنامج راديكالي أطلق عليه النقاد اسم “أطول رسالة انتحارية في التاريخ”.

وفازت تاتشر بولاية ثانية بأغلبية ساحقة، وكان أكبر نصر انتخابي تشهده البلاد منذ النجاح الكبير لحزب العمال عام 1945، حيث حصلت على أغلبية برلمانية قدرها 144 مقعداً بنسبة تصويت بلغت أكثر من 42 بالمئة.

عندما تولت تاتشر السلطة، تعهدت بتقييد سلطة النقابات العمالية، التي أظهرت قدرتها على شل البلاد خلال ستة أسابيع من الإضرابات في شتاء 1978–1979. وأصدرت حكومتها سلسلة من الإجراءات المصممة للحد من قدرة النقابات على التنظيم وخوض الإضرابات، بما في ذلك قوانين حظرت نظام الورش المغلقة، وألزمت النقابات باستطلاع رأي أعضائها قبل إعلان الإضراب، ومنعت الإضرابات التضامنية، وجعلت النقابات مسؤولة عن الأضرار التي يتسبب بها أعضاؤها.

وتعرض مؤتمر حزب المحافظين في برايتون عام 1984 لتفجير إرهابي نفذه الجيش الجمهوري الإيرلندي، وكاد أن يقتل تاتشر وعددًا من كبار أعضاء حكومتها.

وبعد صراع طويل مع السلطات المحلية للعاصمة لندن، التي كان يقودها حزب العمال برئاسة كين ليفينغستون، ألغت تاتشر مجلس لندن الكبرى في عام 1986. وبحلول نهاية ولايتها الثانية، لم يكن هناك جانب من جوانب الحياة البريطانية إلا وقد شهد التحول الأكثر شمولاً في البلاد منذ إصلاحات ما بعد الحرب التي نفذها حزب العمال.

تاتشر وريغان

وتماشياً مع معارضتها الشديدة للشيوعية، أكسبها خطابها عام 1976 الذي أدان الشيوعية لقب “السيدة الحديدية” في الصحافة السوفيتية. كما دعمت تاتشر بقوة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والردع النووي المستقل لبريطانيا، وهو موقف لاقى استحسان الناخبين، خصوصًا في ظل رفض حزب العمال لسياسات الدفاع التقليدية لبريطانيا.

وفي أفريقيا، أشرفت تاتشر على إقامة زيمبابوي المستقلة (التي كانت تُعرف سابقًا بـروديسيا) بشكل منظم في عام 1980، بعد 15 عامًا من الانفصال غير القانوني عن الحكم الاستعماري البريطاني تحت سيطرة أقلية بيضاء. ومع ذلك، واجهت انتقادات كبيرة داخلياً وخارجياً بسبب معارضتها للعقوبات الدولية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

وتميز النصف الثاني من فترة ولاية تاتشر الثانية بجدل لا ينقطع حول علاقة بريطانيا بالمجموعة الأوروبية (EC). ففي عام 1984، نجحت، وسط معارضة شرسة، في تقليص مساهمة بريطانيا في ميزانية المجموعة الأوروبية بشكل كبير. وبعد فوزها الانتخابي في عام 1987، اعتمدت موقفًا أكثر عدائية تجاه التكامل الأوروبي، حيث قاومت الاتجاهات “الفيدرالية” القارية نحو عملة موحدة واتحاد سياسي أعمق. وقد انقسم حزبها، الذي كان تقليديًا مؤيدًا لأوروبا، واستقال عدد من كبار الوزراء من الحكومة بسبب هذه القضية.

وأدى تطبيق الضريبة الثابتة على البالغين في عام 1989 إلى اندلاع أعمال عنف في الشوارع، وأثار قلق صفوف حزب المحافظين، الذين خشوا أن تاتشر لن تتمكن من قيادة الحزب إلى ولاية رابعة متتالية. مدفوعين بالرفض الشعبي لضريبة الرأس وبلهجة تاتشر المتصاعدة، تحرك أعضاء حزب المحافظين في البرلمان ضدها في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1990.

وعلى الرغم من فوزها على أقوى منافس لها، وزير الدفاع السابق مايكل هيسلتين، بفارق 204 أصوات مقابل 152، لم تحصل تاتشر على الأغلبية المطلوبة لضمان استمرارها في زعامة الحزب دون الحاجة لجولة تصويت ثانية. ونتيجة لذلك، قررت عدم خوض الجولة الثانية، وأعلنت في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1990 استقالتها من زعامة حزب المحافظين ورئاسة الوزراء، ليخلفها جون ميجور بعد ستة أيام.

السنوات اللاحقة والوفاة

 

المصدر: BBC