ما حقيقة مقطع متداول يزعم توثيق استقبال حاشد للحوثيين في المخا؟

بالتزامن مع إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن سيطرتها على مدينة المخا ومينائها المطل على البحر الأحمر، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زُعم أنه يوثق “أكبر استقبال حاشد للحوثيين في المدينة بعد تحريرها”.

وحصد المقطع المتداول مئات آلاف المشاهدات خلال ساعات قليلة من نشره، ويُظهر مدنيين مصطفين على جانبي طريق عام وهم يرحبون بعناصر ومقاتلين من جماعة أنصار الله.

وروجت للمقطع حسابات على “فيسبوك” و”إكس” بوصفه مشهدا حديثا التُقط في مدينة المخا غربي اليمن تعبيرا عن ترحيب أبناء المدينة بالجماعة عقب سيطرتها عليها.

وتكتسب مدينة المخا أهمية استثنائية في سياق التطورات الميدانية باليمن، إذ تقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر على بعد نحو 70 كيلومترا شمال مضيق باب المندب، مما يمنحها بعدا عسكريا واقتصاديا وإقليميا نظرا لقربها من خطوط الملاحة الدولية.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2لماذا تمثل السيطرة على المخا تحولا إستراتيجيا في اليمن؟
  • list 2 of 2بعد سقوط المخا.. هل أصبح باب المندب وتعز على خريطة المعركة؟

end of list

أول ناشر

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن أول حساب نشر المقطع (مؤرشف) مقرونا بالادعاء هو حساب يحمل اسم “سهيل النهمي” على منصة “إكس”، ونشره بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول الجاري، وحصد أكثر من 600 ألف مشاهدة خلال وقت قصير.

ويُعَد هذا الحساب من أبرز الحسابات المؤيدة لجماعة أنصار الله والنشطة على المنصة مؤخرا، وقد أظهر تحليل نشاطه أنه ساهم سابقا في نشر مواد دعائية وأخرى مضللة في سياق التطورات المتصاعدة باليمن.

مؤشرات أثارت الشك

عند التدقيق في المقطع، لاحظ فريق التحقق عدة عناصر بصرية استُخدمت منطلقا لتتبع مصدره الحقيقي، أبرزها: لافتات إعلانية ظاهرة في الشوارع، وأزياء وشكل العناصر المسلحة المشاركة، إضافة إلى أسماء شركات بارزة تظهر في خلفية المشهد.

تدقيق بصري في المشهد المتداول لتتبع خيوط الادعاء
تدقيق بصري في المشهد المتداول لتتبع خيوط الادعاء

كما تبيّن أن المقطع يحمل شعار “الإعلام الحربي اليمني” التابع للحوثيين، غير أن البحث في الموقع الرسمي لجماعة أنصار الله لم يُظهر أي نشر حديث له، وهو ما أثار الشكوك حول توقيت تصويره الفعلي.

إعلان

ولفت انتباه فريق الوحدة أن طبيعة المشهد بدت أقرب إلى موكب أو استعراض عسكري منظم منها إلى مشهد عفوي لاستقبال شعبي؛ إذ خلا المقطع من أي مركبات عسكرية، وهو ما يتناقض مع الصورة المعتادة لمشاهد الدخول إلى مدينة أو السيطرة عليها، والتي عادة ما ترافقها تحركات لآليات ومركبات مسلحة.

وعند فحص أزياء الوحدات المشاركة، تبين أنها تتطابق إلى حد كبير مع أزياء “قوات التدخل السريع” التابعة للجماعة، والتي وثقتها صور أرشيفية منشورة على موقع أنصار الله ووسائل إعلام موالية لها.

فحص أزياء الوحدات المشاركة يظهر تتطابقها مع أزياء قوات التدخل السريع
فحص أزياء الوحدات المشاركة يظهر تتطابقها مع أزياء قوات التدخل السريع (أنصار الله الحوثيون)

لافتات تقود إلى موقع التصوير الحقيقي

عند التدقيق في الثانية الرابعة من المقطع، ظهرت في الخلفية لافتة تحمل اسم “شركة جمعان للتجارة والاستثمار”. وبالبحث عن الشركة، تبيّن أن لها فروعا موزعة على عدة محافظات ومدن يمنية، من بينها صنعاء وعدن والحديدة وباجل والمكلا، إضافة إلى مندوبين لها في سيئون وإب.

وبمراجعة الموقع الرسمي للشركة، حصلنا على صور لواجهات فروعها في اليمن، وبمقارنتها مع المشهد المتداول، تبيّن أن شكل اللافتة والمبنى يتطابقان إلى حد كبير مع فرع الشركة في مدينة باجل، الواقعة غربي اليمن ضمن محافظة الحديدة.

مراجعة الموقع الرسمي للشركة وتطابقها مع المشهد المتداول
مراجعة الموقع الرسمي للشركة وتطابقها مع المشهد المتداول (غوغل)

وعزّز هذا الاستنتاج تطابقُ صورة أرشيفية لنفس اللافتة وواجهة المبنى، منشورة على “خرائط غوغل” في فبراير/شباط 2024، مع مشاهد الفيديو المتداول، فيما أكدت بياناتها الوصفية أنها التُقطت في باجل بالفعل.

صورة أرشيفية للافتة وواجهة المبنى منشورة عبر
صورة أرشيفية للافتة وواجهة المبنى منشورة عبر (خرائط غوغل)

اسم مستشفى يحل لغز المكان

كما دققنا في لافتة أخرى ظاهرة في خلفية المقطع تحمل اسم “مستشفى الإسراء”، وبالبحث ضمن نطاق مدينة باجل تبيّن وجود مستشفى يحمل الاسم نفسه، ويتطابق شعاره تماما مع الشعار الظاهر في المقطع.

وبالاستعانة بهذا المعلم، تمكّن الفريق من تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لتصوير المقطع، إذ تبيّن أنه على طريق صنعاء/الحديدة، على بعد نحو 455 مترا فقط من مستشفى الإسراء، وفق قياسات “غوغل إيرث”.

تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لتصوير المقطع
تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لتصوير المقطع (غوغل إيرث)

وبذلك يكشف التحقق أن السياق المكاني للمقطع مضلل تماما؛ إذ تبعد مدينة المخا عن باجل، موقع التصوير الفعلي، مسافة تقدر بنحو 190 كيلومترا.

تحديد الموقع الجغرافي وقياس المسافة عبر خرائط
تحديد الموقع الجغرافي وقياس المسافة عبر خرائط (غوغل إيرث)

المصدر الأصلي للمقطع

وبالبحث العكسي عن المقطع، عثرت وحدة المصادر المفتوحة على نسخة منشورة منه على الموقع الرسمي لجماعة أنصار الله، وعلى حسابات في “إكس”، منذ الثامن من مايو/أيار 2024، تحت عنوان: “مسير حارس الطوفان لوحدات رمزية من قوات التدخل السريع التابعة لوزارة الدفاع”.

وتتطابق العناصر البصرية في المقطع المتداول مع المشاهد الأرشيفية المنشورة بجودة عالية ومدة زمنية أطول، كما تتضمن شعار “الإعلام الحربي”، مما يؤكد أنها المصدر الأصلي للمقطع.

مطابقة بصرية للعناصر الظاهرة في المشهدين المتداول على أنه حديث والنسخة الأصلية
مطابقة بصرية للعناصر الظاهرة في المشهدين المتداول على أنه حديث والنسخة الأصلية (مواقع التواصل)

وبحسب الإعلام التابع لجماعة أنصار الله حينها، فقد نفذت وحدة رمزية من قوات التدخل السريع في وزارة الدفاع مسيرا تحت شعار “حارس الطوفان”، قطع خلاله المشاركون نحو 180 كيلومترا، ابتداء من منطقة بني منصور بمديرية الحيمة الخارجية في محافظة صنعاء، وصولا إلى مدينة الحديدة، على مدى 5 أيام، في إطار “رفع الجاهزية القتالية” والتضامن مع الشعب الفلسطيني.

 

وبذلك يخلص التحقق إلى أن المقطع وُظف في سياق زماني ومكاني خاطئ تماما، ولا صلة له بإعلان السيطرة الأخير على مدينة المخا، بل يعود إلى مسير عسكري تضامني جرى قبل أكثر من عام في محافظتي صنعاء والحديدة.

من روّج للمقطع؟ ولماذا؟

بتتبع الحسابات التي نشرت المقطع وتحليل نمط محتواها، تبيّن أنها حسابات مؤيدة لجماعة أنصار الله الحوثيين، حاولت عبر هذا المقطع المضلل الإيحاء بحصول الجماعة على تأييد شعبي واسع واستقبال حافل في المناطق التي تعلن السيطرة عليها، في إطار حملة دعائية مواكبة للتصعيد الميداني الأخير في اليمن.

إعلان

وتقع المخا على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، على بعد نحو 70 كيلومترا شمال مضيق باب المندب، مما يجعلها جزءا من منظومة السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويمنح موقعها الجغرافي القوات المتمركزة فيها قدرة على مراقبة وتأمين جزء مهم من خطوط الملاحة الدولية التي تعبر من خليج عدن والمحيط الهندي نحو البحر الأحمر وقناة السويس.

ولهذا يُنظر إلى المخا كحلقة رئيسية في الدفاع عن باب المندب، إذ إن أي اقتراب من المدينة أو السيطرة عليها يغير ميزان السيطرة على الساحل الغربي ويؤثر في أمن الممرات البحرية الإقليمية والدولية.

وخلال السنوات الماضية تحولت المخا إلى أكبر قاعدة انطلاق للقوات الحكومية والقوات المشتركة في الساحل الغربي، ومنها تدار العمليات العسكرية الممتدة من باب المندب جنوبا وصولا إلى مناطق جنوب الحديدة شمالا.

 

المصدر: الجزيرة