“ما خفي أعظم” يكشف وثائق سرية ومشاهد حصرية لتاريخ محمد الضيف

 

من شريط يعود إلى عام 1994، يظهر فيه مقاتل ملثم يعلن مسؤولية كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن خطف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان، يفتح تحقيق “ما خفي أعظم” سيرة رجل ظل اسمه حاضرا، بينما بقي وجهه بعيدا عن الكاميرات لعقود.

تتبدل الصورة القديمة بمشاهد الظلال، قبل أن يتردد صوت محمد الضيف في تسجيل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، متزامنا مع مشاهد اختراق الحدود. ويرسم التحقيق مفارقة رجل غاب عن الصورة، ثم أعلن بصوته عملية هزت إسرائيل.

قصص مقترحة

list of 4 items

  • list 1 of 4محمد الضيف.. سيرة الظل الذي كسر درع إسرائيل
  • list 2 of 4بتوقيع السنوار ورفاقه.. الكشف عن رسالة القسام لنصر الله في 7 أكتوبر/تشرين الأول
  • list 3 of 4“ستنبت البذور”.. سيرة محمد الضيف تتصدر المنصات بذكرى رحيله الثانية
  • list 4 of 4صحة محمد الضيف تكشف إخفاقا استخباراتيا إسرائيليا جديدا

end of list

لكنّ الحكاية لا تبدأ من ذلك الصباح؛ تفتح المشاهد الحصرية اجتماعات قيادة القسام تحت الأرض. يظهر الضيف بين قادة الأركان، يتبادلون التحية ويجلسون حول طاولة العمل، ثم يؤدون الصلاة جماعة داخل نفق بعيدا عن أعين الملاحقة.

وتعرّف الحلقة عددا من الحاضرين، بينهم مروان عيسى ومحمد السنوار وعز الدين الحداد ورائد سعد وأحمد الغندور ورافع سلامة، ويقول معد البرنامج تامر المسحال، إن جميع القادة في المشاهد استُشهدوا، وإن اللقطات تحفظ فصولا من تاريخ لم يُروَ بعد.

في مشهد آخر، يظهر الضيف سائرا على قدميه داخل النفق، مرتديا قبعة ويتحدث مع مرافقيه، وتواجه اللقطة روايات تحدثت عن إصابته البالغة وعجزه عن الحركة، خصوصا بعد ضربة عام 2006، لتكشف جانبا من الغموض المحيط بحالته.

تقول الباحثة الإيطالية باولا كاريدي مؤلفة كتاب “حماس من المقاومة إلى الحكم” إن سرية الضيف ونجاته من 7 محاولات اغتيال، رسمتا حوله صورة أسطورية، أما مسؤول الشاباك السابق آشر بن أرتزي، فيتحدث عن إخفاق جهازه في الوصول إليه رغم تعقبه.

من المسرح إلى المعتقل

في شهادة مصورة وحصرية، يقدم الضيف نفسه باسم محمد دياب إبراهيم، المولود عام 1965، ويعيد أسرته إلى قرية كوكبة التي هُجّر منها والده. نشأ في خان يونس، ثم درس علم الأحياء في الجامعة الإسلامية وشارك في فرقة مسرحية.

ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، اقترب من العمل التنظيمي في حركة حماس، ثم انضم إلى “المجاهدون الفلسطينيون”، وبعد عامين اعتقلته سلطات الاحتلال، حيث يقول إنه تعرض للضرب والخنق والضغط، لكنه رفض الاعتراف بأي نشاط أمني أو عسكري.

داخل السجن، التقى صلاح شحادة وزكريا الشوربجي، وطلب منهما ترتيب عمل مباشر فور خروجه، ويكشف في شهادته أن الحديث بينهما تناول تأسيس عمل عسكري وخطف جندي، وكانت تلك اللقاءات محطة مبكرة في تشكل مساره اللاحق.

ويقول الضيف إن معرفته بتفكيك السلاح وتركيبه جاءت من رسومات في كراسة داخل المعتقل، ثم بدأ التدريب بعد الإفراج عنه، ويروي التحقيق أن مجموعته استولت عام 1992 على بندقية “إم 16” لجندي إسرائيلي، ثم شاركت في عملية “جاني تال”.

لاحقا، اتسعت تحركاته إلى الضفة الغربية بعدما ضاق مجال العمل في غزة مع شح السلاح، ويقول إن محيي الدين الشريف أوصله إلى بيت لحم، ومنها نسج صلات في الخليل والقدس، فيما يعرض البرنامج صورته مع أمجد أبو خلف داخل مغارة.

وفي تلك المرحلة، كانت المجموعة تتحرك ليلا بين الجبال لاستكشاف الطرق والتدرب، وفق رواية الضيف، وبنهاية عام 1993، تولى قيادة مجموعات القسام خلفا لعماد عقل، والتقى المهندس يحيى عياش، الذي وصفه بالهادئ وقليل الكلام في اللقاء.

ويروي جهاد يغمور، أحد منفذي عملية فاكسمان، اقتياد الجندي إلى منزل في بير نبالا، ونقل مواد مصورة ووثائق إلى غزة لتضليل الاستخبارات الإسرائيلية، وانتهت العملية باقتحام المنزل ومقتل فاكسمان وقائد القوة الإسرائيلية واستشهاد المنفذين، وفق التحقيق.

بناء التنظيم وخطة “الطوفان “

بعد انتقال يحيى عياش إلى غزة عام 1995 برعاية الضيف، اجتمع عياش وعدنان الغول والضيف، وأسفر التعاون، عن تطوير صاعق محلي الصنع، وعقب اغتيال عياش في يناير/كانون الثاني 1996، أطلق الضيف سلسلة عمليات “الثأر المقدس”.

ومع الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين عام 1997، عرض الضيف عليه تصورات لتوسيع التسليح والتجنيد، وينقل عنه تأكيد أولوية العمل العسكري، وبعد اغتيال صلاح شحادة عام 2002، تولى الضيف قيادة القسام، وبدأ تطوير الصواريخ والأنفاق وقذائف مضادة للدروع.

وفي عام 2006، اتخذ قرارا بعدم انضمام قيادات الصف الأول في القسام إلى الحكومة، حفاظا على طبيعة العمل العسكري، وتزامن ذلك مع أسر جلعاد شاليط وإدارة ملفه حتى صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011.

ثم جاءت محطات إطلاق صواريخ باتجاه تل أبيب عام 2012، وتشكيل قوات النخبة عام 2013، واعتماد القتال عبر شبكة الأنفاق خلال حرب 2014. ويعرضها التحقيق ضمن مسار بناء القوة العسكرية وتطوير أدوات المواجهة على مدى سنوات.

كما يكشف مشهدا يجمع الضيف وقائدَي المكتب السياسي لحركة حماس السابقين إسماعيل هنية ويحيى السنوار داخل ورشة لتصنيع الصواريخ، وتسجيل مكالمة بين الضيف والسنوار عقب معركة “سيف القدس” عام 2021، وتكشف اللقطتان التواصل بين القيادتين ومكانة الضيف في دائرة القرار العسكري حينها.

أما الوثائق فتعود إلى اجتماع المجلس المصغر للقسام في 11 فبراير/شباط 2023، حيث سُجل قرار بدء التحضير لما سُمي “مشروع فهد” (طوفان الأقصى)، مع النص على إلغائه إن تراجع الاحتلال عن اعتداءاته. ويعد التحقيق ذلك محطة في التخطيط.

وتكشف وثيقة الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2023 توقيع الضيف على أمر العمليات، عقب اجتماع لهيئة الأركان استمر 6 ساعات، وحدد ساعة الصفر السادسة والنصف صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقال عز الدين الحداد إن الضربة استهدفت إرباك قيادة فرقة غزة وتعطيل الاتصال والسيطرة.

وتظهر اللقطات الضيف داخل غرفة العمليات، يتفقد مجسمات الدبابات الإسرائيلية ويناقش قادة الألوية خطة المواجهة، ثم ينتقل التحقيق إلى لقطة له خلال الحرب، ممسكا بسماعة هاتف سلكي داخل نفق، في تسجيل وصفه المسحال بأنه الوحيد لإدارته المباشرة للعمليات.

ويقر مسؤول الشاباك السابق بأن الضيف كان ركيزة قرار 7 أكتوبر/تشرين الأول، ويربط الإخفاق الإسرائيلي بالغرور والاعتقاد بأن مؤسسته أذكى من خصمها. وبعد أشهر من التكتم، أعلنت القسام استشهاده، ويُختَتم التحقيق بتسجيله الصوتي مستعيدا مسيرة بدأت بحجارة الانتفاضة ووصلت إلى الصواريخ والأنفاق.

 

المصدر: الجزيرة