بعد أيام فقط من الاتفاق اللبناني الإسرائيلي في ختام الجولة الرابعة من المفاوضات برعاية أمريكية، استهدف الجيش الإسرائيلي السبت مركبة عسكرية للجيش اللبناني في الجنوب، في تطور وصف بالخطير، ويحمل رسائل إسرائيلية عديدة للبنانيين كافة.
وأعلن الجيش اللبناني في وقت سابق مقتل ضابطين وجندي جراء غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية في منطقة النبطية جنوبي البلاد، معتبرا أن “الاعتداءات الإسرائيلية تهدف إلى إفشال الجهود الرامية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإعادة الاستقرار وانسحاب القوات الإسرائيلية”.
وأفادت مراسلة الجزيرة في لبنان كارمن جوخدار، أن الاعتداء الإسرائيلي أثار حالة من الاستنكار والسخط في لبنان، إذ اعتبرت الرئاسة ما جرى بأنه انتهاك للسيادة اللبنانية.
وفي تبريره للاعتداء، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن “الجيش يحقق في ملابسات الحادثة ويستخلص الدروس والعبر اللازمة”.
وجاء الاعتداء الإسرائيلي على الجيش اللبناني رغم المفاوضات المباشرة التي اضطلع بها لبنان، وقبيل زيارة مرتقبة لقائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

توقيت شديد الخطورة
ويرى مراقبون أن الخطوة التي أقدمت عليها إسرائيل تحمل رسائل عدة، إذ أوضح الكاتب والمحلل السياسي واصف عواضة -في حديثه لقناة الجزيرة ضمن نافذة من محيط الضاحية الجنوبية لبيروت- أن أولاها “ألا أحد في لبنان فوق الغربال” وأن الجميع مستهدفون.
أما الرسالة الثانية، فيخشى عواضة أن تكون موجهة مباشرة للجيش اللبناني ولقائده العميد رودولف هيكل، مفادها أن موقفه المتوازن، والذي يرفض الصدام مع أي فريق لبناني، غير مقبول إسرائيليا.
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي نبيل بو منصف أن الاعتداء الإسرائيلي اتسم بعدوانية فائقة، وجاء في توقيت شديد الخطورة وشديد الالتباس، مرجحا ارتباطه بالانتخابات المقررة في سبتمبر/أيلول بإسرائيل.
ويفترض أن يضطلع الجيش اللبناني بدور حتى في “المناطق التجريبية”، التي تحدث عنها الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل، بما في ذلك التنسيق فيما لو حصل أي اتفاق. وفي ضوء هذا الدور، يقول بو منصف إن الاعتداء الإسرائيلي جاء خارج السياق المنطقي إطلاقا.
كما يبين الأكاديمي والباحث السياسي علي أحمد في مداخلة سابقة مع الجزيرة أن استهداف الجيش اللبناني ليس أمرا جديدا، بل يتواصل منذ المراحل الأولى للهجوم الإسرائيلي على لبنان، مؤكدا قيادة الجيش تؤدي دورا وطنيا تجلّى في محطات عدة، أثار انزعاج الجانبَين الإسرائيلي والأمريكي.
ويذكر أن حزب الله اعتبر أن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الآلية تمثل “جريمة موصوفة ومقصودة”، محملا السلطات اللبنانية مسؤولية ما وصفه بـ”الاستهانة بسيادة البلاد وتقديم تنازلات مجانية”.
ماذا تفعل السلطة؟
وفي ظل تباين المواقف داخل لبنان بشأن خيار المفاوضات مع إسرائيل، تقول السلطة إن لا خيار أمامها، لكن رئيس الوزراء نواف سلام قال أمس إن “المفاوضات ليست الخيار الوحيد”، مؤكدا اليوم: “لا استقرار في لبنان طالما الجنوب مهدد”.
ويعتقد بو منصف أن “المفاوضات خيار إستراتيجي لا مفر منه، ولا عودة عنه”، خصوصا بعد ما فرضه حزب الله بواسطة حروب الإسناد المتتالية التي يشنها ويجر إليها البلاد.
لكن السلطة اللبنانية -يتابع بو منصف- يمكنها أن تتحكم في مسار المفاوضات، وتفرض كلمتها، ويمكنها تعليقها لمدة، أو أن تشترط ضمانات أخرى إذا لزم الأمر مثلما حدث في الاعتداء على الجيش، محذرا من خطورة تراجع الدولة عن خيار التفاوض.
أما عواضة، فيرى أن المفاوضات بالشكل الحالي أمر غير مقبول، وتؤدي إلى مزيد من الانقسام اللبناني، وستدفع إسرائيل إلى مزيد من حرب الإبادة والإجرام بحق جميع اللبنانيين.
وأعلنت الولايات المتحدة مؤخرا أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تنفيذ وقف لإطلاق النار يتضمن إنشاء “مناطق تجريبية” عقب اختتام جلسات اليوم الثاني والأخير من جولة تفاوض رابعة بينهما في واشنطن، وكان ذلك وسط استمرار التصعيد الميداني الإسرائيلي في جنوب لبنان موقعا عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.
وأعلن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم رفضه للإعلان الأمريكي “رفضا كليا”، وشدد على أن الحزب لن يوقف عملياته إلا عند تحقق وقف فعلي لإطلاق النار، وجدولة انسحاب إسرائيلي ضمن مدة زمنية محددة.
الهدف من زيارة إسلام آباد
وحول الهدف من زيارة قائد الجيش إلى إسلام آباد بينما يتواصل فيه الجدل بشأن ارتباط المسارين اللبناني والإيراني، قال بو منصف إن الدعوة موجهة له منذ شهر، موضحا أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير يمثل لاعبا أساسيا في المفاوضات بين أمريكا وإيران، باعتبار بلاده وسيطا رئيسيا..
واستبعد بو منصف أن يتم فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني الأمريكي “بسحر ساحر”، معتبرا أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية في واشنطن هي تجسيد لهذا الفصل بشكل ممتاز.
وفي المقابل، يحبذ عواضة انتظار “الرسالة الباكستانية” من وراء الزيارة المقررة -بحسبه- بين قيادات الجيوش بشكل تقليدي، مضيفا: “ليس من الممكن أن نتوقع شيئا يُبلّغ لقائد الجيش”.
كما يرى أن إيران هي صاحبة المصلحة الأكبر الآن في تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان لسبب رئيس يتمثل في كون هذا الأمر يحررها من “بند ضاغط” في ورقة التفاهم وهو تثبيت وقف إطلاق النار.
المصدر: الجزيرة