ما وراء الصمت الإيراني.. لماذا يتأخر حسم “مذكرة التفاهم” مع واشنطن؟

رغم اقتراب واشنطن وطهران من توقيع مذكرة تفاهم تمهد لمرحلة تفاوض جديدة، لا يزال الإعلان الرسمي مؤجلا. وبينما تؤكد الولايات المتحدة جاهزية الاتفاق، تشير المعطيات إلى أن طهران تستكمل ترتيبات داخلية وسياسية قبل اتخاذ قرارها النهائي.

وجاء ذلك بعدما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني التوصل إلى نص نهائي لاتفاق السلام بين واشنطن وطهران، فيما أكدت الخارجية الإيرانية أن معظم بنود مذكرة التفاهم حُسمت، موضحة أنها تمثل مرحلة أولى من مفاوضات تمتد ستين يوما لمناقشة الملفات الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات.

ويرى مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير أن التأخر الإيراني لا يرتبط برفض الاتفاق أو التردد في توقيعه، بقدر ما يعكس تعقيدات إجرائية وأمنية تفرضها آليات اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني.

وأوضح أن الوثيقة المطروحة تحتاج إلى المرور عبر مؤسسات القرار العليا، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم ممثلين عن المؤسسة العسكرية والحكومة ومكتب المرشد، قبل استكمال المصادقة النهائية عليها.

ويشير الدغير إلى أن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بنقل الوثائق الحساسة ومراجعتها من قبل الجهات المعنية أسهمت في إطالة الجدول الزمني، ما يجعل التأخير أقرب إلى كونه مسألة لوجستية منه إلى خلاف سياسي حول مضمون الاتفاق.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الإجرائي، إذ يلفت الدغير إلى وجود بعد داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في كيفية تهيئة الرأي العام الإيراني لتقبل اتفاق يأتي بعد أسابيع من المواجهة العسكرية والتوتر الإقليمي.

ظهور عراقجي

وفي هذا الإطار، يقرأ الدغير ظهور عراقجي الأخير في الإعلام الإيراني باعتباره محاولة لتقديم الاتفاق بوصفه نتيجة تحفظ المصالح الإيرانية، وتسهم في الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية، أكثر من كونه مناسبة للكشف عن تفاصيل المذكرة نفسها.

إعلان

كما تواجه الحكومة الإيرانية اعتراضات من تيار محافظ ومتشدد يعارض، من حيث المبدأ، أي تفاهم مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن بنود الاتفاق أو المكاسب التي يمكن أن يحققها.

ويؤكد الدغير أن هذا التيار اعتاد رفض مسارات التفاوض السابقة مع واشنطن، ويرى أن أي تقارب معها يتعارض مع مرتكزاته السياسية، فضلا عن مطالبته بالحفاظ على مكاسب يعتبر أن إيران حققتها خلال المواجهة الأخيرة، بما في ذلك ما يتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي.

ورغم ذلك، تبدو مراكز القرار الأساسية أقرب إلى دعم المضي في الاتفاق، خاصة بعد المؤشرات الصادرة عن عراقجي، الذي لمح إلى إمكانية توقيع المذكرة إلكترونيا فور استكمال الإجراءات المطلوبة.

في المقابل، تبدو واشنطن في حالة ترقب لما ستسفر عنه المداولات الإيرانية، وسط استعدادات عملية للانتقال إلى مرحلة التوقيع فور صدور الموافقة النهائية من طهران.

واشنطن تنتظر

ويقول مراسل الجزيرة في واشنطن مراد هاشم إن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الاتفاق باعتباره جاهزا من الناحية العملية، لكنها تدرك أن الإعلان النهائي ما زال مرهونا بالقرار الإيراني.

وأوضح أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن إمكانية التوقيع خلال عطلة نهاية الأسبوع أو مطلع الأسبوع المقبل، في حين تستعد دوائر نائب الرئيس جيه دي فانس للمشاركة في مراسم التوقيع إذا تم استكمال الترتيبات.

ويشير هاشم إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب كثفت خلال الأيام الأخيرة جهودها للدفاع عن الاتفاق في مواجهة انتقادات صقور الحزب الجمهوري، الذين يفضل بعضهم استمرار الضغوط العسكرية وعدم منح إيران أي فرصة لالتقاط الأنفاس.

وبحسب ما يتسرب من بنود المذكرة، فإنها تقوم على وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، يتزامن مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وعودة حركة العبور إلى مستوياتها السابقة خلال فترة زمنية محددة.

وفي المقابل، تتعهد الولايات المتحدة بتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية ومنح إعفاءات تسمح لطهران بالحصول على عائدات مالية، على أن يرتبط توسيع هذه التسهيلات بالتقدم في المفاوضات اللاحقة بشأن البرنامج النووي والقضايا العالقة الأخرى.

وتنسجم هذه المعطيات مع ما تحدثت عنه تقارير أمريكية أخيرا بشأن سعي الطرفين إلى إقرار هدنة سياسية وأمنية مؤقتة، تؤسس لمسار تفاوضي أطول يتناول ملفات التخصيب والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة”.

وفي ظل هذه الأجواء، يبدو أن العقبة الأساسية لم تعد تتعلق بصياغة بنود المذكرة بقدر ما ترتبط بآليات إقرارها داخل إيران، وهو ما يجعل الأنظار متجهة إلى طهران لمعرفة ما إذا كانت ستمنح الضوء الأخضر لاتفاق قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع مع واشنطن.

 

المصدر: الجزيرة