متى يكون الابتعاد عن الوالدَين ضرورة؟

القطيعة بين الآباء وأبنائهم ليست أمراً نادراً كما يُعتقد، هذا ما تكشفه الأبحاث حول اتخاذ مثل هذا القرار الصعب.

تقول سارة، وهو اسم مستعار لحماية هويتها، وقد قطعت علاقتها مع والدتها بعد أيام قليلة فقط من عيد ميلادها الحادي والعشرين : “كنت أشعر بغضب شديد”، وقد أنهت العلاقة خلال مكالمة هاتفية غاضبة.

كان انشغال والديها عن الاحتفال بعيد ميلادها سبباً من الأسباب، لكنه لم يكن الوحيد، بعد أن سئمت سارة من برود والدتها، وانشغالها بنفسها، وقلّة اهتمامها بحياة ابنتها.

كانت تستخف بتعليم سارة، وتضغط عليها باستمرار لمساعدتها في مزرعة العائلة، لكن أكثر ما آلم سارة هو فشل والدتها في حمايتها من والدها المتسلط، الذي كان أحياناً مسيئاً في تعامله.

ومع ذلك، فإن ما هو متوفر من معطيات يشير إلى أن هذه الظاهرة أكثر شيوعاً مما يُعتقد، وقرار قطع العلاقة مع الوالدين يُعدّ من القرارات الكبرى في حياة الإنسان.

تقول لوسي بليك، المحاضرة البارزة في علم النفس بجامعة “ويست أوف إنجلاند” ومؤلفة كتاب “لا عائلة مثالية: دليل لتقبّل الواقع المربك”، إن الأبحاث حول القطيعة العائلية لا تزال محدودة نسبياً.

وتضيف: “لا يزال هذا الموضوع من المحرّمات”، موضحةً: “إنه موضوع مخيف لا يرغب الناس في الحديث عنه، ويظنون أنه أمر لا يحدث إلا للآخرين”.

ويشمل ذلك بعض الأشخاص الذين كانوا لا يزالون يرون والديهم بين الحين والآخر، وكما أظهرت دراسة مشابهة أُجريت على 10,200 شخص في ألمانيا، أن 9 في المئة من المشاركين مرّوا بقطيعة مع أمهاتهم، و20 في المئة مع آبائهم خلال فترة 13 عاماً.

وفي استطلاع آخر أُجري في الولايات المتحدة على 1,340 شخصاً، واستُعرض في كتاب نُشر عام 2020، قال عالم الاجتماع كارل بيلمر من جامعة كورنيل إنه وجد أن 10 في المئة من المشاركين كانوا في حالة قطيعة تامة مع أحد والديهم أو مع أحد أبنائهم — أي لا يوجد بينهم أي تواصل على الإطلاق.

لكن نظراً لعدم وجود بيانات تتابع الأشخاص الذين مرّوا بفترات طويلة من القطيعة، فمن الصعب الجزم ما إذا كانت هذه الظاهرة في تزايد، ومع ذلك، يعتقد بعض الباحثين، مثل بيلمر، أنها آخذة في الازدياد.

يقول بيلمر: “في الأجيال التي سبقت جيل طفرة المواليد، كانت هناك قيمة قوية للغاية للتضامن العائلي، وكانت مقولة ‘الدم أغلى من الماء’ تشكل قاعدة اجتماعية راسخة، لكن تلك القيم تراجعت”.

ويتفق مع هذا الرأي جوشوا كولمان، وهو اختصاصي نفسي يعمل مع عائلات تعاني من القطيعة، وألّف عدة كتب في هذا المجال، ويضيف أن تصاعد النزعة الفردية قد يكون من العوامل المحرّكة للقطيعة الأسرية.

ويقول: “ثقافة الفردانية تعني انشغال الإنسان بذاته، وهويته، وسعادته الشخصية”، موضحاً أن “العلاقات مع الآخرين أصبحت تُعدّ أموراً ثانوية”.

وتشير دراسات إلى أن الآباء المسنّين في الولايات المتحدة أكثر عرضة بمرتين لعلاقات متوترة مع أبنائهم، مقارنة بآباء في دول أخرى أقلّ فردانية بعض الشيء، مثل إسرائيل وألمانيا والمملكة المتحدة.

يرى كولمان أن وسائل التواصل الاجتماعي تُسهم في تفاقم هذه الظاهرة، فقد بات من السهل الآن العثور على “قبيلتك الرقمية”، أي مجموعة من الأشخاص الذين يشاركونك نفس الأفكار والقيم عبر الإنترنت، وكثيرٌ من المؤثرين يشجّعون الناس على قطع علاقاتهم بمن يصفونهم بـ”الأشخاص السامّين”.

ويضيف كولمان أن تزايد الاعتماد على المعالجين النفسيين كان له أيضاً دور في هذا الاتجاه، ولم يكن دائماً إيجابياً، إذ يشير إلى أن بعض المعالجين قد “يشخّصون” أفراداً من الأسرة باضطرابات نفسية دون حتى لقائهم، اعتماداً فقط على رواية طرف واحد، وهو ما يتعارض مع القواعد الأخلاقية المتعارف عليها في مجالي الطب النفسي وعلم النفس.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قرار قطع العلاقة هو قرار خاطئ، فكثير من الأشخاص لديهم أسباب وجيهة تماماً لاتخاذ مثل هذا القرار، خصوصاً من عانوا من سوء معاملة في طفولتهم، كما يقول بيلمر.

ويضيف: “يجب ألا يكون هناك وصمة اجتماعية حول هذا القرار”، ويوافقه كولمان الرأي، مضيفاً أن الأمر نفسه قد ينطبق إذا كان الوالدان يرفضان تماماً الاعتراف بأخطائهما أو حتى الاستماع إلى ما يشعر به أبناؤهم.

مع ذلك، يوضح بيلمر أن أبحاثه — التي شملت استطلاعاً ومقابلات معمقة مع 300 شخص مرّوا بتجربة القطيعة الأسرية — تشير إلى أن الأمر غالباً ما يكون نتيجة “تراكم تفاعلات سلبية بسيطة”، مثل التوتر مع شريك الحياة أو أحد الأصهار، والتي تتفاقم مع الوقت إلى أن تؤدي إلى القطيعة.

وفي بعض الحالات، كان السبب مرتبطاً بما بعد الطلاق، أو انحياز أحد الأبناء إلى أحد الوالدين دون الآخر، أو رفضه للشريك الجديد.

وقد تلعب الهوية الجنسية دوراً أيضاً، إذ يرفض بعض الآباء الاعتراف بكون ابنهم أو ابنتهم مثليين، على سبيل المثال، حيث إن نحو خمس المشاركين أشاروا إلى أن الخلافات السياسية كانت من بين أسباب القطيعة.

لكن عندما أجرت لوسي بليك استطلاعاً شمل نحو 800 شخص في المملكة المتحدة مرّوا بقطيعة أسرية، وجدت أن السبب الأكثر شيوعاً كان الإساءة العاطفية.

لكنها تؤكد أن هذا يُسلّط الضوء على جانب مهم ومُهمل من مشكلات العلاقات الأسرية.

وتقول بليك: “لا أظن أن أحداً ينبغي أن يبقى في علاقة لا يشعر فيها بالأمان” وتضيف: “غالباً ما نفكر في الإساءة الجسدية أو الجنسية، لكن الإساءة العاطفية لا تقل أهمية ويجب الحديث عنها أيضاً”.

يقول كلٌّ من كولمان وبيلمر إن مصطلح “الإساءة العاطفية” مصطلح معقّد، وقد يُساء استخدامه في بعض الحالات، ففي بعض الأحيان، قد يُعاني الابن البالغ من مرض نفسي أو مشكلة إدمان تدفعه إلى إعادة تشكيل روايته عن طفولته بالكامل، بطريقة تُظهِر والديه الداعمين في صورة المعتدين أو الأشرار، كما يوضح كولمان.

ومع ذلك، من المهم عدم التقليل من التأثير العميق للإساءة العاطفية الحقيقية على من يتعرضون لها.

ويضيف كولمان أن معايير التربية الصحية ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار، فما يُعدّ اليوم إساءةً عاطفية أو إهمالاً، قد لا يكون قد اعتُبر كذلك في الماضي، فعلى سبيل المثال، أصبح من المعتاد اليوم أن يُحاول الأهل التعرّف على المشكلات النفسية لدى أبنائهم وتقديم الدعم لهم، بينما قبل أربعين عاماً، كان الوعي العام بقضايا الصحة النفسية محدوداً بدرجة كبيرة مقارنةً بما هو عليه اليوم.

يقول الفيلسوف كريستوفر كولي من جامعة “دبلن”: عندما يُطرح السؤال عمّا إذا كنا نَدين لوالدينا بعلاقة دائمة مدى الحياة، أشعر بالحيرة، فمن جهة، لا يمكن إنكار أنني مدين لهما بكل ما أنا عليه، من وجودي نفسه، إلى نشأتي وتكويني.

ويضيف “لكن من جهة أخرى، إذا كان الإنسان قد تعرّض في طفولته لإساءة جسيمة من أحد والديه، فربما لا يكون مُطالباً بالاستمرار في علاقة تُسبب له الألم.

ويرى كولي أن العلاقة المثالية بين الوالدين وأبنائهم حين يكبرون يجب أن تكون أقرب إلى الصداقة، تقوم على الاحترام المتبادل لا على الإلزام.

ويضيف “لكن ما إن نبلغ سن الرشد الكامل، لا يمكننا الاستمرار في تحميل والدينا مسؤولية كل مشاكلنا”، وفي مرحلة لاحقة، حين يكبر والدانا في السن ويصبحان ضعيفين، قد نحتاج إلى مزيدٍ من الصبر والرحمة تجاههم.

عندما نحكم على إخفاقاتنا الشخصية، نميل غالباً إلى لوم الظروف الخارجية بدلاً من أنفسنا، وإذا فاتنا موعدٌ نهائي مثلاً، فقد نقول إننا لم نحصل على وقت كافٍ، أو نختلق أعذاراً، لكننا لا نكون بالمرونة نفسها عند الحكم على الآخرين.

ولذلك، إذا أردنا أن نكون منصفين مع والدينا، فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار ظروفهم الخارجية أيضاً: هل كانت قلّة المعرفة، أو المرض النفسي، أو الصدمة، أو الضائقة المالية سبباً في تقصيرهم كآباء؟

يستذكر بيلمر مقابلة أجراها مع أم وابنها الذي انقطعت علاقته بها، لم يرَ أحدهما الآخر منذ نحو 25 عاماً. ويقول عن الأم: “كان زوجها قد تخلّى عنها في أوائل الستينيات، ولم تكن الخيارات المتاحة أمام النساء في تلك الفترة كثيرة”.

ويضيف: “لذلك تزوجت رجلاً لم يكن رائعاً، لكنه لم يكن مسيئاً أيضاً”، وكان الابن يحمل ضغينة تجاهها بسبب هذا الزواج، لكنها كانت ترى أنها فعلت ما يجب لحماية أسرتها، وهو أمر بدأ الابن فهمه لاحقاً.

أما كولمان، فيشير إلى مثال متكرر يصادفه في عمله: شاب بالغ تربّى على يد والدته فقط، دون أن يكون لوالده أي دور في حياته.

 

المصدر: BBC