تدور أحداث مسلسل “بوتس” الكوميدي الدرامي على نتفليكس، حول مراهق منعزل ينضم إلى سلاح مشاة البحرية الأمريكية (المارينز). بروح الدعابة والحيوية، يُظهر المسلسل معاناة المجندين المثليين في القوات المسلحة.
يبدو أن هناك كلمتين تُعرّفان تاريخ المثليين في الجيش الأمريكي وهما: الخدمة والسرية.
يعتقد العديد من المؤرخين أن فريدريش فيلهلم فون ستوبن، المستشار الموثوق لجورج واشنطن، والذي يُنسب إليه غالباً تأسيس الجيش الأمريكي المحترف في أواخر القرن الـ 18، كان مثلياً. ولكن، مثله عدد لا يُحصى من أفراد الخدمة الذين حذوا حذوه، ومن الجدير بالذكر أن فريدريش لم يُعلن عن ميوله الجنسية قط.
هذا لأنه، ولعقود عديدة، عوقب المثليون وسُرحوا من الجيش الأمريكي. حتى في عام 1994، عندما أُقرّ قانون للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي (LGB) بالخدمة العسكرية.
وعندما أُلغيت سياسة “لا تسأل، لا تُخبر” عام 2011، رُحِّب بالمثليين ومزدوجي الميل الجنسي أخيراً في الجيش الأمريكي، وتحقق مزيد من التقدم منذ ذلك الحين.
وفي بيان، أقرّ بايدن بأن “العديد من أفراد الخدمة السابقين، أُدينوا لمجرد كونهم أو تصرفهم على سجيتهم”.
يصف كوب وايت الخدمة العسكرية بأنها “المعادلة الكبرى” لأنهم، كما صرّح لبي بي سي، “يحلقون رأسك، ويضعونك في زيّ مموه، ويسلمونك بندقية، ويخبرونك أنكم جميعاً متساوون”.
ولكن حتى في العقود الأخيرة، اضطر أفراد الجيش من مجتمع الميم إلى النضال من أجل حقهم في أن يُعاملوا معاملة نظرائهم ممن يختلفون عنهم في الميول الجنسية.
وعلى الرغم من صياغتها الصارمة، لم تمنع المادة 125 من قانون القضاء العسكري الموحد المثليين من خدمة وطنهم – كان عليهم فقط توخي الحذر لتجنب القبض عليهم.
يشير فرانك، مؤلف كتاب “النيران غير الودية: كيف يُقوّض حظر المثليين الجيش ويُضعف أمريكا” الصادر عام 2009، ومدير بوابة الأبحاث التي تعرف بـ”ما نعرفه” بجامعة كورنيل، يُشير إلى أن “راتب ومزايا التقاعد ومسيرة الجندي المثلي أو مزدوج الجنس كانت دائماً في خطر” في حال فضح أمره.
ويضيف: “وفي بعض الأحيان، كان ينتهي الأمر بالمثليين في السجون العسكرية وذلك لممارستهم علاقات حميمة مع أشخاص من نفس الجنس”.
يقول فرانك إنه عندما أصدر الرئيس بيل كلينتون توجيه “لا تسأل، لا تُخبر”، كان من المفترض أن “يُحسن” الوضع من خلال “إنهاء ما يُسمى بـ”حملات مطاردة الساحرات” وحماية أفراد الجيش الذين يخفون ميولهم الجنسية من التعرّض للمضايقة أو التمييز.
لكن عملياً، زادت هذه السياسة الأمور سوءاً. ويضيف فرانك “بتسليط الضوء على هذه القضية في خضمّ حرب ثقافية وطنية، وُضع المثليون تحت المجهر، وأظهرت البيانات أن عدد حالات التسريح بسبب التوجه والميول الجنسية قد ارتفع بدلاً من أن ينخفض”.
تصوير فريد للحياة العسكرية
يُسلّط مسلسل “بوتس” الضوء على شجاعة وصمود أفراد الخدمة العسكرية، الذين ضحّوا بجزء لا يتجزأ من هويتهم من أجل الخدمة.
ابتكر فكرة المسلسل، المخرج، آندي باركر، الذي تشمل أعماله السابقة اقتباس نتفليكس لرواية أرمستيد موبين الكلاسيكية عن مجتمع الميم “حكايات المدينة”، ويحافظ مسلسل “بوتس” على روح رواية كوب وايت، الصريحة والكوميدية، والتي تُركّز على الإيجابية أكثر من الشفقة.
يقول المؤلف “أعلم أنني رجل، لكن المجتمع كان يُخبرني أنني أقل شأناً بسبب ميولي الجنسية. دخلتُ تلك البيئة لأجد مكاني في العالم الذكوري، مع أنه قد يكون أصعب مكان للعثور على ذلك”.
لكن في الوقت نفسه، يُجري المسلسل المكون من ثمانية أجزاء تغييرات جوهرية على نطاق الكتاب ومكانه. فبينما بدأ كوب وايت معسكر التدريب عام 1979، ينقل بوتس أحداثه إلى عام 1990، أي قبل أربع سنوات فقط من تطبيق سياسة “لا تسأل، لا تُخبر”.
وإذا كُتب للمسلسل أن تكون له مواسم أخرى، كما يأمل باركر، فمن شأن هذه السياسة أن تُوفّر الكثير من الإثارة الدرامية التي تُكمّل القصص الأخرى.
وحتى مع جاذبيته المتمثلة في المثلية الجنسية، فإن هذا الشعور السخيف، الذي يبرزه المسلسل، يعكس وضعاً حقيقياً محزناً ومدمراً للغاية بالنسبة للعديد من أفراد الخدمة.
يقول باركر: “بعض أفراد مشاة البحرية السابقين الذين عملوا في هذه السلسلة كمستشارين تاريخيين ليسوا مثليين، لكنهم وجدوا هذه السياسات سخيفة تماماً مثل نظرائهم المثليين”، مشيراً إلى الطريقة التي ظهروا بها وهي “مخالفة تماماً للتماسك الاجتماعي” في جوهر الحياة العسكرية.
ويوضح كوب وايت أن السبب الرئيسي لتركه مشاة البحرية بعد ست سنوات من الخدمة هو حاجته الدائمة إلى الكذب باستمرار – وهو أمر يتعين على كاميرون التعامل معه طوال المسلسل.
ويضيف “مشاة البحرية مكان للعثور على ذاتك الحقيقية. لكن لم يُسمح لي بأن أكون ذاتي الحقيقية، ولم أستطع الاستمرار في عدم الصدق مع من كنت معجباً بهم وأحترمهم كثيراً”.
ومع ذلك، يجد الأفراد المتحولون جنسيا أنفسهم في مأزق مألوف بعد الحظر الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب في يناير/ كانون الثاني، والذي يمنعهم من تولي أي وظيفة في الجيش الأمريكي، إذ أكد أمره التنفيذي في هذا الشأن أن تحديد الهوية الجنسية “يتعارض مع التزام الجندي بأسلوب حياة شريف وصادق ومنضبط” ويعيق الاستعداد العسكري. وفي مايو/ أيار، سمحت المحكمة العليا لترامب مؤقتا بتطبيق حظره ريثما تستمر الطعون القانونية.
وبسبب هذه المعركة القضائية المستمرة، جاءت رواية بوتس في توقيت مناسب بشكل ملحوظ لكتاب تاريخي.
يقول باركر “عندما روّجت للفكرة في عام 2020، ظننت أننا سنروي قصة تاريخية ذات مغزى. لم أكن أتوقع ما يعنيه ذلك الآن في هذا الوقت الحاضر، خصوصاً عندما نتحدث عن حق العابرين جنسياً في الخدمة ونشهد قسوة مماثلة تُمارس عليهم”.
يعتقد فرانك أن “الدفاع الوطني لطالما شكّل منصةً للنقاشات حول معنى أن تكون أمريكيا” نظراً لمكانته الفريدة في النفس الجماعية.
ويرى كوب وايت أن أي نوع من الإقصاء يُعدّ لعنة على فكرة الخدمة العسكرية نفسها.
ويضيف: “ندعو الشباب من جميع أطياف الحياة إلى التكاتف والتضحية، ربما، بأرواحهم لحماية دستورنا”.
ويتابع “لا ينبغي السماح لأي شخص راغب أو مؤهل للخدمة بالخدمة فحسب، بل يجب احتضانه والاحتفاء به”.