في خطوة كبيرة على مستوى العلاقات التركية الليبية، صدَّق البرلمان الليبي بالإجماع على مذكرتي تفاهم وقعتهما أنقرة مع حكومة طرابلس بشأن ترسيم الحدود البحرية، وألغى قراره السابق بقطع العلاقات بين البلدين، وهو ما يعكس حالة إعادة التموضع التي تفرضها التطورات الإقليمية على الجميع، كما يقول محللون.
وصدَّق مجلس النواب الليبي -اليوم الثلاثاء- على مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، بينما عبّرت اليونان عن رفضها، قائلة إن الاتفاق ليس له أثر قانوني.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
كما صدَّق المجلس بالإجماع على إلغاء قرارين صادرين عن المجلس عام 2020، يتعلق الأول برفض التصديق على مذكرتي تفاهم بين البلدين، والثاني بإلغاء قرار قطع العلاقات السياسية مع الجمهورية التركية، وفق المتحدث باسم مجلس النواب الليبي عبد الله بليحق.
وجاءت الخطوة في وقت تشهد فيه ليبيا حراكا متنوعا وتطورات ربما تحل الأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد منذ عام 2014، والتي عززت انقسامها سياسيا وعسكريا وألحقت بها خسائر اقتصادية فادحة.
فقد أدت الخلافات الداخلية والتدخلات الإقليمية إلى تأخر التصديق على الاتفاقية، التي يقول الكاتب والمحلل الليبي خالد سكران إن بلاده أصبحت بحاجة إليها من أجل توحيد الحكومة والإنفاق استفادة من النفوذ التركي إقليميا ودوليا.

توحيد ليبيا
وخلال مشاركته في برنامج “ما وراء الخبر”، قال سكران إن ليبيا لن تتضرر من هذه الاتفاقية، وإن تركيا أسهمت في إيقاف المسار الذي طرحته الولايات المتحدة أخيرا لحل الأزمة الليبية، مشيرا إلى أن هذا التصديق جاء بإيعاز من بعض الأطراف التي عطلت القرار سابقا بما لها من نفوذ في الشرق الليبي.
واستدل المحلل الليبي على حديثه بترحيب جميع الأطراف الليبية بالتصديق على هذه الاتفاقية، وقال إنه يتوقع لقاء قريبا في تركيا بين نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية (قوات شرق ليبيا) صدام حفتر، ورئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة، معربا عن اعتقاده بأن ليبيا قد تشهد ولادة حكومة موحدة برئاسة صدام حفتر خلال فترة قريبة.
كما أشار إلى زيارة محتملة سيجريها رئيس البرلمان الصالحين العبيدي إلى طرابلس لإجراء مباحثات مع الدبيبة ورئيس المصرف المركزي ورئيس مجلس الدولة.

انتصار تركي في المتوسط
أما الكاتبة والباحثة التركية إيبيك يزداني، فقالت إن هذه الخطوة تعكس الجهود التي بذلتها أنقرة لإعادة رسم العلاقات مع الحكومة التابعة لخليفة حفتر في الشرق الليبي، وإن ما جرى اليوم يمثل انتصارا جيوسياسيا لأنقرة.
فهذه ليست اتفاقية بين بلدين، كما تقول يزداني، وإنما جزء من الخط الذي ترسمه تركيا في شرق المتوسط، والذي قد لا يعجب دولا مثل إسرائيل واليونان وقبرص وربما مصر، مشيرة إلى أن أنقرة شعرت بأنها تُستثنى من ثروات الطاقة الموجودة في حديقتها الخلفية.
وبعد هذا التصديق، ستكون لدى تركيا ورقة ضغط قانونية تمكنها من التنقيب عن الغاز في مياه المتوسط التي تم تجاهل حقوق القبارصة الأتراك في الاتفاقيات المماثلة التي وُقعت بين إسرائيل واليونان وقبرص.

انزعاج إسرائيلي
لكن هذه الورقة ليست مجرد ورقة اقتصادية لأنها تحمل تداعيات سياسية أيضا، برأي المحلل السياسي الدكتور محجوب الزويري، الذي قال إن هذا التطور سيقض مضجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي ظن أنه سيكون صاحب اليد العليا في مياه المتوسط.
فهذا التصديق ستكون له تداعيات كبيرة على إسرائيل التي ترى في النفوذ التركي بمنطقة المتوسط خطرا داهما عليها، بينما هي لا تملك الكثير لفعله.
ولفت الزويري إلى أن الأهداف التركية لا تقف عند حد التنقيب عن الغاز، وإنما تمتد إلى حل الخلاف الليبي الممتد أملا في توحيد الدولة، لأنها تتبنى فكرة الدولة المركزية كما فعلت في سوريا.
ومن ثم، يرى الزويري أن الخطوة الليبية تعكس إعادة صياغة للسياسة الخارجية التركية وتقارب أنقرة مع بعض الأطراف التي لم تكن قريبة منها في السابق، واصفا المشهد بأنه جزء من إعادة التموضع الإقليمي لأنقرة في مواجهة إسرائيل وقبرص واليونان.
المصدر: الجزيرة