محنة أدوبي وأخواتها.. لماذا تنهار إمبراطورية البرمجيات؟

في 25 فبراير/شباط الماضي، أعلن مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة “سيلزفورس”، شركة البرمجيات الأمريكية العملاقة المتخصصة في إدارة العملاء، عن مقياس جديد يسمى (Agentic Work Units)، الذي سنطلق عليه مجازا “وحدات قياس العمل الذكية”. وتعرفها الشركة بأنها مهمة منفصلة ينفذها وكيل الذكاء الاصطناعي (AI Agent)، وتُستخدم كمعيار لقياس حجم العمل الذي تؤديه الأنظمة الرقمية المستقلة، أي أن كل وحدة قياس تمثل مهمة ينجزها الوكيل الذكي.

لنفهم وزن ما قاله مارك بينيوف، علينا أن نعرف حقيقة شركة سيلزفورس، لأنها ببساطة الشركة التي اخترعت تقريبًا، في مطلع الألفية، النموذج التجاري الذي أسس لصناعة البرمجيات كخدمة (SaaS) بأكملها، وهو نموذج “السعر لكل مقعد”. ببساطة، تدفع الشركة المشتركة مبلغا شهريا عن كل موظف يستخدم البرنامج. وكلما زاد عدد الموظفين، زادت الإيرادات.

“قدمت سيلزفورس نموذجا جديدا يمثل انقلابا على نموذج السعر لكل مقعد الذي أسس لصناعة البرمجيات كخدمة (SaaS) بأكملها”

ما أعلنه بينيوف يمكننا اعتباره نقيضا لهذا المفهوم الراسخ، ونذيرا بتوقف فكرة الاشتراك الشهري لكل مستخدم، على أن تدفع الشركة التي تتعامل مع منتجات سيلزفورس مقابل كل مهمة ينجزها الوكيل الذكي، وهو ما يعني -في الصورة الأكبر- تفكيك النموذج الذي بنى عليه عمل الشركة من الأساس. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حدث ذلك؟ ولماذا الآن تحديدا؟

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2عقيدة ألبرتا.. لماذا ترغب مقاطعة كندا الغنية في الانفصال؟ وما علاقة ترمب؟
  • list 2 of 2عاصفة مينسك.. لماذا ينشر بوتين أسلحة نووية في قلب أوروبا؟

end of list

في محاولة البحث عن الإجابة، علينا أن نعود لبضعة أسابيع إلى الوراء قبل هذا الإعلان.

مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة "سيلزفورس" (رويترز)
مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة “سيلزفورس” (رويترز)

انهيار السوق

في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، رفع مهندسو شركة أنثروبيك مجموعة من الملفات إلى منصة “غيت هاب”. لم تعقد الشركة مؤتمرًا صحفيًا، ولم تنفّذ حملة تسويقية ضخمة، كانت مجرد ملفات بصيغتي ماركداون (Markdown) وجيسون (JSON)، ترشد نموذج الذكاء الاصطناعي كلود إلى تنفيذ مهام بعينها، مثل مراجعة العقود القانونية، وفحص الامتثال التنظيمي، وإعداد ملفات المبيعات، والبحث الداخلي في المؤسسات، والمساعدة في مهام التسويق مثل كتابة المحتوى والتخطيط للحملات الإعلانية.

إعلان

بعد 4 أيام فقط، في 3 فبراير/شباط، محت أسواق المال 285 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات البرمجيات في جلسة تداول واحدة. هبط مؤشر غولدمان ساكس لأسهم البرمجيات بنسبة 6% في ذلك اليوم، وهو أشد انخفاض يسجله منذ موجة بيع أبريل/نيسان 2025 التي أعقبت قرارات التعريفات الجمركية للرئيس الأمريكي ترمب. وتراجعت أسهم عدة شركات بهذا القطاع، مثل أدوبي وسيلزفورس وكراود سترايك، بنسب متفاوتة تجاوز بعضها 20%.

“في 3 فبراير/شباط الماضي، محت أسواق المال 285 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات البرمجيات في جلسة تداول واحدة”

في اليوم التالي، 4 فبراير/شباط، انتشرت العدوى عالميًا، وفي أوروبا تراجعت أسهم شركات القطاع بنسب تراوحت بين 6% و12%. وفي آسيا، هبطت أسهم شركة الخدمات السحابية اليابانية “تي آي إس” (TIS)، بنسبة 16%، وانخفض مؤشر “نيفتي آي تي” (Nifty IT) الهندي بنسبة 5.8%. أطلق محللو بنك جيفريز على ما حدث اسم “ساسبوكاليبس”، وهو تعبير يمزج بين مصطلح البرمجيات كخدمة (SaaS) ونهاية العالم.

لكن ما يجعل الأمر لافتًا ليس حجم الخسارة في يوم واحد، بل ما حدث بعد ذلك. في الأشهر الثلاثة التي تلت هذا الحدث، لم يتعافَ القطاع، بل ظل صندوق المؤشرات المتداولة لقطاع البرمجيات (IGV) منخفضًا بنحو 18% حتى شهر مايو/أيار، ولا تزال أسهم شركة أدوبي منخفضة بنسبة أكثر من 60% عن أعلى مستوياتها إلى اليوم، لتوضح لنا المؤشرات، على الأرجح، أننا بصدد عملية إعادة تسعير منهجية وليس مجرد حالة ذعر عابرة للأسواق.

السؤال الذي طرحته الأسواق لم يكن عن شركة بعينها أو منتج محدد، بل كان أعمق من ذلك: هل النموذج الذي بنت عليه صناعة البرمجيات ازدهارها على مدى عقدين كاملين، وهو نموذج بيع الأدوات المتخصصة بنظام الاشتراك الشهري لكل مستخدم، لا يزال صالحًا في عالم يتعلم فيه الذكاء الاصطناعي تنفيذ المهام بدلا من تقديم الأدوات؟

“الذكاء الاصطناعي لا ينافس البرمجيات، بل يفكك المنطق الذي جعلها نموذج الأعمال المهيمن من الأساس”

قبل 15 عاما، كتب مارك أندريسن، وهو من أشهر المستثمرين في قطاع التقنية، مقالته الشهيرة: “لماذا تلتهم البرمجيات العالم؟”، التي أصبحت بيانا تأسيسيا للصناعة بأكملها. لكن ما يحدث حاليًا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا ينافس البرمجيات، بل يفكك المنطق الذي جعلها نموذج الأعمال المهيمن من الأساس. موجات التحول السابقة، من الحوسبة المكتبية إلى الإنترنت إلى الهواتف الذكية إلى الخدمات السحابية، أعادت ترتيب شركات البرمجيات لكنها حافظت على المنطق الجوهري نفسه: المستخدم يحتاج إلى أدوات متخصصة لتنفيذ مهام متخصصة، بينما تقنيات الذكاء الاصطناعي تهاجم هذا المنطق من حيث الأصل.

كيف التهمت البرمجيات العالم؟

في عام 2011، كان مارك أندريسن واحدا من أهم المستثمرين ورواد الأعمال في وادي السيليكون، بعد أن شارك في تأسيس شركة “نتسكيب” في التسعينيات ثم أسس واحدة من أبرز شركات رأس المال المغامر في قطاع التكنولوجيا. وقتها، طرح أندريسن في مقال بصحيفة “وول ستريت جورنال” فرضية بسيطة وجريئة مفادها أن كل صناعة في العالم ستتحول إلى صناعة برمجيات. سيارات الأجرة ستصبح تطبيقات، والمكتبات ستصبح منصات رقمية، والبنوك ستتحول إلى واجهات على الشاشة.

إعلان

لم تكن المقالة مجرد تحليل عابر لما يحدث، بل كانت نافذة مستقبلية لعصر قائم على تلك البرمجيات. خلال العقد التالي، تحولت البرمجيات من أداة تستخدمها الشركات إلى البنية التحتية التي ترتكز عليها كل الأعمال تقريبًا. وبحسب مؤسسة غارتنر الرائدة للأبحاث والاستشارات، من المتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على تقنية المعلومات 6.15 تريليونات دولار في عام 2026، بزيادة 10.8% عن العام السابق، منها أكثر من 1.4 تريليون دولار على البرمجيات وحدها.

“تحولت البرمجيات من أداة تستخدمها الشركات إلى البنية التحتية التي ترتكز عليها كل الأعمال تقريبًا”

أما سوق البرمجيات كخدمة (SaaS) تحديدًا، وهو النموذج الذي يدفع فيه المستخدم اشتراكًا شهريًا أو سنويًا مقابل الوصول إلى البرنامج عبر الإنترنت بدلًا من شرائه وتثبيته، فقد تجاوزت قيمته 400 مليار دولار سنويًا طبقًا لتقديرات منصة “ستاتيستا”. حتى بداية عام 2025، كان يعمل في هذا القطاع أكثر من 30 ألف شركة حول العالم، وكانت المؤسسات الكبرى التي يتجاوز عدد موظفيها 10 آلاف تستخدم في المتوسط 447 تطبيقا من هذا النوع.

لكن نجاح هذا النموذج لم يكن عشوائيًا، بل تأسس على فرضية محددة وآلية تسعير واضحة. كانت الفرضية أن كل مهمة متخصصة في العمل تحتاج إلى أداة متخصصة لتنفيذها؛ فريق المبيعات يحتاج إلى نظام إدارة علاقات العملاء (CRM)، وفريق الموارد البشرية يحتاج إلى منصة إدارة للموظفين، وفريق المحاسبة يحتاج إلى برنامجه الخاص، والتسويق وخدمة العملاء وغيرها من القطاعات.

وهكذا تتراكم الاشتراكات. استنادًا إلى مؤشر “زايلو” لإدارة البرمجيات كخدمة الصادر في 2026، تنفق المؤسسة المتوسطة 55 مليون دولار سنويًا على اشتراكات البرمجيات، وترتفع هذه القيمة إلى ما بين 123 و375 مليون دولار للمؤسسات الكبرى التي يتجاوز عدد موظفيها 10 آلاف موظف.

The Microsoft Office 365 logo is seen as part of a display at the Microsoft Ignite technology conference in Chicago, Illinois, May 4, 2015. REUTERS/Jim Young
تطبيق مايكروسوفت “أوفيس 365” من أهم الأمثلة على نموذج الاشتراكات (رويترز)

أما آلية التسعير فهي ما يُعرف بنموذج “السعر لكل مقعد”. ببساطة، تدفع الشركة مبلغا شهريا عن كل موظف يستخدم البرنامج، وكلما زاد عدد الموظفين زادت الإيرادات. وقد كانت شركة سيلزفورس رائدة هذا النموذج منذ مطلع الألفية، وهي الشركة المالكة لتطبيق سلاك. الآن، بحسب تقارير الشركة لعام 2025، تتجاوز إيرادات سيلزفورس السنوية 38 مليار دولار، بزيادة سنوية 9%، ووصل سعر أعلى باقاتها إلى 500 دولار لكل مستخدم شهريا، أي ضعف ما كان عليه قبل خمس سنوات.

تتبع الشركات الكبرى النموذج نفسه: مايكروسوفت أوفيس 365، وأدوبي كرييتيف كلاود، وزوم، وعشرات التطبيقات والبرمجيات التي نستخدمها يوميًا في أعمالنا. ووفقًا لأبحاث التسويق الرقمي، لا تزال نحو 40% من شركات البرمجيات تعتمد نموذج السعر لكل مقعد بوصفه آلية تسعيرها الأساسية، وهنا تكمن المفارقة التي كانت تنضج بهدوء تحت سطح الأرقام اللامعة.

“بلغت صناعة البرمجيات ذروتها؛ سوق ضخم بالمليارات يجني الأرباح بناء على عدد المستخدمين وليس القيمة المضافة، ويعاني من تضخم سعري ويحقق معدلات هجر مرتفعة”

في السنوات الأخيرة، بدأت شركات البرمجيات ترفع أسعارها بوتيرة متسارعة بنسب تراوحت بين 9% و25%. مع هذه الزيادات السعرية، أصبح مديرو التقنية في المؤسسات يخصصون نسبا متزايدة من ميزانياتهم السنوية لمجرد تغطية زيادة الأسعار على برمجيات يستخدمونها فعلاً، قبل أن ينفقوا أي دولار آخر على الاشتراك في أدوات جديدة. أضف إلى ذلك أن “معدل التخلي عن التطبيقات” داخل المؤسسات بلغ 33% سنويًا، أي أن ثلث التطبيقات التي تشتريها الشركات تُهمل أو تُلغى خلال عام واحد.

نحن إذن أمام صناعة بلغت ذروة نضجها؛ سوق ضخم يتجاوز مليارات الدولارات، يرتكز على نموذج تسعير يكافئ التوسع في عدد المستخدمين وليس في القيمة المقدمة، ويعاني من تضخم سعري يُرهق عملاءه، ويحقق معدلات هجر مرتفعة. كان هذا النموذج ناجحًا لأنه كان الخيار الوحيد، فكل مهمة عمل تحتاج إلى أداة، وكل أداة تحتاج اشتراكًا، وكل اشتراك يحتاج مقعدًا لكل موظف.

إعلان

لكن، ماذا يحدث حين يظهر بديل لا يحتاج إلى أداة متخصصة من الأساس؟

بفضل ميزة الهندسة العكسية الثنائية، يستطيع GPT-5.4-Cyber تحليل البرمجيات الخبيثة واكتشاف الثغرات الصفرية التي قد تعجز عنها العين البشرية (بكسلز)
صناعة البرمجيات بلغت ذروة نضجها وربحيتها (بكسلز)

ما المختلف في الذكاء الاصطناعي؟

قد يبدو ما يحدث مألوفًا إلى حد ما، ففي كل عقد تقريبًا، تظهر تقنية جديدة يقول المحللون إنها ستقضي على البرمجيات التقليدية، ثم لا يحدث ذلك. حين ظهرت الحوسبة السحابية في أواخر العقد الأول من الألفية، توقع كثيرون انتهاء عصر شركات البرمجيات التقليدية، لصالح عمالقة الحوسبة مثل أوراكل وساب ومايكروسوفت.

لكن ما حدث كان مختلفًا، إذ تكيّف هؤلاء العمالقة. نقلوا منتجاتهم إلى السحابة، وحوّلوا نماذج تراخيصهم إلى اشتراكات، وخرجوا أقوى مما كانوا. حدث الأمر نفسه مع الهواتف الذكية في 2007، ومع منصات التواصل الاجتماعي، ومع كل موجة تحول رقمي سبقت هذه اللحظة. فما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا؟

ربما تكمن الإجابة في طبيعة التهديد نفسه؛ كل الموجات السابقة، الخدمات السحابية والهواتف الذكية ومنصات التواصل، غيّرت طريقة توصيل البرمجيات إلى المستخدم، لكنها لم تبدّل المنطق الأساسي الذي يفترض أن المستخدم يحتاج أداة متخصصة لكل مهمة. الخدمات السحابية نقلت البرنامج من جهاز الحاسوب إلى المتصفح. الهواتف الذكية نقلته من المتصفح إلى التطبيق. لكن في الحالتين، ظل المستخدم هو الذي يفتح الأداة ويتعامل معها ويُنجز المهمة بنفسه.

“يستبدل الذكاء الاصطناعي النشاط البشري نفسه الذي كان يبرر وجود الأداة من الأساس”

الذكاء الاصطناعي لا يغير طريقة التوصيل، بل يهاجم الفرضية ذاتها. طبقًا لتقرير شركة “بين آند كومباني” للتقنية، الصادر في 2025، فإن “الذكاء الاصطناعي التوليدي يزعزع نموذج البرمجيات كخدمة من خلال أتمتة المهام ومحاكاة سير العمل بالكامل”. لاحظ هنا أن الشركة لا تتحدث عن تحسين الأدوات القائمة أو إضافة ميزات ذكية إليها، بل تتحدث عن استبدال النشاط البشري نفسه الذي كان يبرر وجود الأداة من الأساس.

مثلا، حين يستطيع وكيل ذكي مراجعة عقد قانوني في ثوان، لا تحتاج المؤسسة إلى اشتراك في منصة مراجعة عقود. وحين يستطيع الوكيل نفسه إعداد ملف مبيعات كامل، تصبح منصة إدارة المبيعات مجرد قاعدة بيانات، وليست أداة عمل يومية تستحق 500 دولار شهريا عن كل مستخدم. هذا ما وصفه الاقتصادي الدنماركي أندرياس ستينو لارسن بعبارة مباشرة: “الحاجة إلى اشتراكات البرمجيات الباهظة المبنية على نموذج المقعد تتبخر، لأن الذكاء الاصطناعي يتيح للشركات أن تدفع مقابل النتيجة بدلًا من الدفع مقابل العملية”.

“بدلا من أن يسجّل إنسان دخوله إلى لوحة تحكم ليضغط على بعض الأزرار، سيؤدي وكيل ذكي المهمة في الخلفية”

لذلك، يرى بعض المحللين أننا في مرحلة الانتقال من البرمجيات كخدمة (Software as a Service) إلى الخدمة كبرمجيات (Service as Software). فبدلا من أن يسجّل إنسان دخوله إلى لوحة تحكم ليضغط على بعض الأزرار، سيعمل وكيل ذكي في الخلفية. فإذا لم يكن هناك مستخدم بشري، فلماذا نحتاج واجهة للمستخدم من الأساس؟ وهذا نقاش أوسع بالطبع، يتناول فكرة أن التواصل على الإنترنت في هذه الحالة يحدث بين وكلاء ونماذج لغوية ذكية، والإنسان فقط يحصل على النتيجة النهائية. قد يؤدي كل هذا في النهاية إلى تغيير طريقة استخدامنا لشبكة الإنترنت بأكملها.

الأخطر أن الأمر لا يتوقف عند استبدال المهام، إذ يوجد بُعد آخر يجعل هذا التحول أشد حدة من سابقيه: السرعة والاتساع.

مسار التحول

في 27 يناير/كانون الثاني الماضي، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك نفسها، مقالة مطولة من نحو عشرين ألف كلمة حذر فيها من أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث اضطرابًا “مؤلمًا على نحو غير معتاد” في سوق العمل.

كتب أمودي أن “وتيرة التقدم في الذكاء الاصطناعي أسرع بكثير من الثورات التقنية السابقة”، وأن ما يميز هذه التقنية هو “اتساعها المعرفي”، بمعنى أنها لا تؤثر في صناعة واحدة، بل تضرب في الوقت نفسه عبر قطاعات التمويل والاستشارات والقانون والتقنية. وصف أمودي الذكاء الاصطناعي بأنه “بديل عام للعمل البشري” وحذر من أنه قد يزيح “نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين خلال سنة إلى خمس سنوات”.

بصرف النظر عن صحة أو دقة تلك التوقعات، ما يهمنا هنا هو فكرة اتساع تغطية أدوات الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات عمل متنوعة ومختلفة، قد تشمل معظم الأعمال المعرفية، وهو واقع بدأ في التشكل فعلا. وهنا تظهر مفارقة مهمة حاول محللو بنك أوف أمريكا تفكيكها في مذكرة صدرت في الرابع من فبراير/شباط الماضي، أشارت إلى أن الأسواق تسير نحو سيناريوهين متناقضين في الوقت نفسه: تدهور الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي لأن عائداته غير مجدية، وتوسع تبني الذكاء الاصطناعي لدرجة أنه سيدمّر نماذج أعمال البرمجيات القائمة.

“الإنفاق على التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تضاعف خلال العام الماضي، بنسبة تصل إلى 400% في المؤسسات الكبرى”

المفارقة وجيهة، لكنها تفترض أن السوق يتصرف وفق منطق واحد متماسك. والحقيقة أن ما يحدث أقرب إلى مرحلتين مختلفتين: ذعر قصير المدى من تبخر إيرادات صناعة البرمجيات، ويقين هيكلي طويل المدى بأن نموذج الأعمال نفسه لم يعد صالحًا. كلا القوتين تضغطان على الأسعار في الاتجاه نفسه، وإن كانتا لأسباب مختلفة: فالمؤسسات الكبرى تبحث عن تقليص اشتراكاتها، والمطورون بدأوا يبنون ما يحتاجونه بدلًا من الشراء، والمستهلكون لم يعودوا يتوقعون أدوات ثابتة بل نتائج فورية.

إعلان

في المقابل، تُظهر الأرقام أن الإنفاق على التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تضاعف خلال العام الماضي، بنسبة تصل إلى 400% في المؤسسات الكبرى. هذا ليس إنفاقا إضافيا بل هو خصم مباشر من ميزانية البرمجيات التقليدية التي يتم التخلي عنها. ولعل المثال الأكثر دلالة يأتي من قلب صناعة البرمجيات نفسها، ففي فبراير/شباط 2025، أعلن مارك بينيوف نفسه أن شركته لن توظف مهندسين جددًا بسبب الذكاء الاصطناعي. كما أعلن أن الشركة خفّضت فريق خدمة العملاء، بعد أن أدار منتجها “إيجنتفورس” أكثر من 380 ألف محادثة خدمة عملاء بمعدل نجاح بلغ 84% دون تدخل بشري يُذكر.

يدخل الـ”فايب كودينج” صناعة البرمجة والتطبيقات بسرعة شديدة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

هذا ما يحدث داخل الشركة التي اخترعت تقريبًا نموذج الاشتراك لكل مقعد. أما على الجهة المقابلة، فإننا نشهد تغيرا جذريا تمامًا في طريقة بناء البرمجيات نفسها. في فبراير/شباط 2025، نشر أندريه كارباثي، العالم السابق في مختبرات أوبن إيه آي وتسلا، تغريدة وصف فيها أسلوبًا جديدًا في البرمجة أسماه “فايب كودينج” (vibe coding). إن كنت متابعًا لصناعة التقنية فربما سمعت بهذا المصطلح الجديد، والفكرة ببساطة هي أنه بدلًا من كتابة الكود سطرًا بسطر، يصف المستخدم ما يريده بلغة محادثة عادية، ويكتب نموذج ذكاء اصطناعي الكود نيابة عنه. لم يكن كارباثي يمزح، إذ حاز المصطلح على كلمة العام 2025 من قاموس كولينز.

الأرقام التي تلت ظهور ذلك المصطلح كانت ملفتة للانتباه؛ بحسب مسح أجراه موقع “بروداكت هانت” على مجتمع المطورين، فإن 63% من مستخدمي “الفايب كودينج” ليسوا مطورين أصلا. هذا الرقم يستحق التأمل، لأن أغلب من يستخدمون هذه الأدوات لم يتعلموا البرمجة قط، فهم مديرو منتجات ومسوّقون ورواد أعمال يبنون تطبيقات عبر وصف ما يريدونه لنموذج ذكاء اصطناعي.

“تفيد تقارير داخلية لشركة غوغل أن 25 إلى 30% من أكوادها الجديدة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي”

وحتى على مستوى الشركات الكبرى، تفيد تقارير داخلية لشركة غوغل أن 25 إلى 30% من أكوادها الجديدة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقال ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، إن النسبة عندهم تتراوح بين 20 و30%. وتتوقع مؤسسة غارتنر أن تكون 60% من الأكواد الجديدة في العالم مكتوبة بالذكاء الاصطناعي بحلول نهاية 2026.

لكن لاحظ هنا أن الصورة ليست وردية تمامًا؛ ففي سبتمبر/أيلول 2025، نشرت مجلة “فاست كومباني” تقريرًا حذّرت فيه من أن الأكواد المولدة بالذكاء الاصطناعي تتراكم بسرعة تفوق قدرة الفرق الهندسية البشرية على مراجعتها وصيانتها. وقدّر محللون أن “الدين التقني” الناتج عن هذه الأكواد (نتيجة تقديم سرعة التسليم على جودة البناء وما يتبع ذلك من تكاليف) سيبلغ 1.5 تريليون دولار بحلول 2027. بمعنى آخر، سرعة البناء الجديدة حقيقية، لكنها تحمل بين طياتها ثمنًا مؤجّلا.

بمعنى آخر يمكن للمطور، أو أي شخص آخر اليوم، بناء عدد هائل من التطبيقات بهذا الأسلوب الجديد في غضون فترة قليلة. لكن أيًا منها لا يحل محل أنظمة السجلات المؤسسية مثلا. فهناك فرق جوهري بين بناء تطبيق يعمل وبناء نظام يُعتمد عليه في المؤسسة أو الشركة، وهذا الفرق الجوهري لا يزال قائمًا.

“لن يقبل المستخدم أن يدفع اشتراكا شهريا مقابل أداة تؤدي مهمة واحدة، حين يستطيع وكيل ذكي واحد أن يؤدي عدة مهام بدون اشتراكات”

التغير الثالث أقل وضوحًا في البيانات، لكنه ربما الأعمق أثرا على المدى الطويل. يبرز الآن مفهوم ناشئ يسميه بعض المحللين “البرمجيات بلا واجهة” (headless software)، فإذا كان الوكيل الذكي قادرًا على تنفيذ المهمة في الخلفية، فلماذا يحتاج المستخدم إلى واجهة يتعامل معها أصلًا؟ لماذا يفتح تطبيقًا لحجز رحلة إن كان بإمكانه أن يطلب ذلك من وكيل ذكي ينفذ الحجز والمقارنة والدفع دون أن يرى المستخدم شاشة واحدة؟

هذا التحول لا يزال في بداياته؛ لا توجد بيانات قاطعة تقيس حجمه بعد. لكن الاتجاه الذي يشير إليه هو أنه حين تتبنى المؤسسات أدوات ذكاء اصطناعي تُغني عن اشتراكات متعددة، وحين يبني المطورون تطبيقات في ساعات بدلا من أشهر، فإن توقعات المستهلك العادي تتغير تلقائيا. لن يقبل المستخدم أن يدفع اشتراكا شهريا مقابل أداة تؤدي مهمة واحدة، حين يستطيع وكيل ذكي واحد أن يؤدي عدة مهام بدون اشتراكات متعددة.

نتيجة هذه التحولات مجتمعة هو تغير ما يتوقعه الناس من البرمجيات. المؤسسة تتوقع كفاءة بعدد أقل من الأدوات، والمطور يتوقع أن يبني بدلا من أن يشتري، والمستهلك يتوقع نتيجة ملموسة وليس مجرد أداة. وكل هذه التوقعات تضغط في الاتجاه نفسه، بعيدًا عن نموذج الاشتراك لكل مقعد، وباتجاه شيء آخر لم يتبلور شكله بالكامل بعد.

ولكن إذا كان الجميع يتحرك بعيدًا عن النموذج القديم، فإلى أين يتحركون؟ وكيف ستتحول طريقة الدفع مقابل البرمجيات حين لا يعود المستخدم هو من يُنجز العمل؟

نتيجة هذه التحولات مجتمعة هو تغير ما يتوقعه الناس من البرمجيات (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

من بيع المقعد إلى بيع النتيجة

لنفهم ما يتجه إليه نموذج الأعمال الجديد، من المفيد أن ننظر إلى صناعة أخرى لا علاقة لها بالبرمجيات.

في تسعينيات القرن الماضي، كانت شركة رولز رويس تبيع محركات الطائرات النفاثة بالطريقة التقليدية: تصنع المحرك، تبيعه لشركة الطيران، ثم تبيع قطع الغيار وعقود الصيانة. كان نموذج الأعمال يتمثل في دفع الشركة مقابل المنتج. لكن في أواخر التسعينيات، قلبت الشركة هذا المنطق رأسًا على عقب ببرنامج أسمته “توتال كير”.

حينها، توقفت رولز رويس عن بيع المحركات وبدأت تبيع “ساعات التشغيل”، أي أن شركة الطيران لم تعد تشتري محركًا، بل أصبحت تدفع مقابل كل ساعة يعمل فيها المحرك فعليًا. الصيانة والإصلاح والمراقبة أصبحت كلها مسؤولية رولز رويس. كانت النتيجة ارتفاع حصة الشركة من سوق المحركات الكبيرة من 14% إلى 35%، وأصبح نحو 90% من محركاتها مسجلًا في هذا البرنامج.

“التحول الذي حدث في محركات الطائرات هو نفسه الذي يلوح في أفق صناعة البرمجيات، من بيع المنتج إلى بيع النتيجة”

التحول الذي حدث في محركات الطائرات هو نفسه الذي يلوح في أفق صناعة البرمجيات، من بيع المنتج إلى بيع النتيجة. لكن بين الرؤية والواقع تظهر فجوة واسعة. حللت شركة “بين آند كومباني” أكثر من 30 شركة برمجيات كخدمة أدخلت قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى منتجاتها. النتائج كانت أن نحو 35% من هذه الشركات اكتفت برفع سعر الاشتراك لكل مقعد مع تضمين ميزات الذكاء الاصطناعي في الحزمة الأساسية، ونحو 65% تبنت نموذجًا هجينًا يضيف عدّاد استهلاك للذكاء الاصطناعي فوق الاشتراك القائم.

لكن الرقم الأهم أنه لا توجد أي شركة انتقلت بالكامل إلى نموذج التسعير المبني على النتائج، ولم تنجح أي شركة في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر إيرادات مستقل عن الاشتراك التقليدي. بمعنى آخر، الجميع يتحدث عن التحول، ولكن القليل يستجيبون له فعليًا. من هؤلاء مثلا شركة سييرا ، التي شارك في تأسيسها بريت تايلور، الرئيس التنفيذي السابق لسيلزفورس، والتي تبنت نموذج التسعير المبني على النتائج لوكلاء الذكاء الاصطناعي منذ 2025.

حتى سيلزفورس نفسها بدأت تتحرك في هذا الاتجاه، ففي النموذج التقليدي للشركة، كانت تتقاضى مبلغا شهريا ثابتا عن كل موظف لديه حساب على المنصة، أيًا كان ما يفعله بها. مديرو المبيعات الذين يستخدمون النظام بكثافة، والإداريون الذين يفتحونه مرة في الأسبوع، يدفعون السعر نفسه. أما في النموذج الجديد، فإن وحدة الفوترة لم تعد المستخدم البشري، بل المهمة المُنجزة؛ وكيل ذكي يرد على استفسار عميل هذه وحدة، وكيل ذكي يجمع بيانات صفقة هذه وحدة أخرى، وكيل ذكي يحدث ملفا في قاعدة البيانات، وحدة ثالثة. وهنا تدفع الشركة مقابل ما يُنجز من مهام، وليس مقابل الأداة التي تنجزها.

“أعلن بينيوف أن شركته سجّلت أكثر من 2.4 مليار وحدة عمل ذكية في السنة المالية الأخيرة، منها 771 مليون وحدة في الربع الأخير وحده”

طبقًا لتحليل موقع “كاستومر ثينك” المتخصص في تقنيات إدارة العملاء، أعلن بينيوف أن شركته سجّلت أكثر من 2.4 مليار وحدة عمل ذكية في السنة المالية الأخيرة، منها 771 مليون وحدة في الربع الأخير وحده، بنمو يبلغ 57% مقارنة بالربع الذي سبقه. وقال إن المقاييس التقليدية لاستهلاك الذكاء الاصطناعي، مثل “الرموز” (tokens) التي تقيس مقدار النص الذي يولّده النموذج، لم تعد تعني شيئًا للعميل، بقوله إن “الرموز تقيس مقدار كلام الذكاء الاصطناعي، لا مقدار العمل الذي يُنجزه فعليًا”.

الفارق ليس في الرقم فحسب، بل في المنطق، الشركة لا تدفع مقابل الأداة، بل مقابل المشكلة التي حلتها الأداة. نحن في مرحلة غريبة، فالصناعة تعرف أن النموذج القديم ينتهي، والنموذج الجديد لم يكتمل، والمرحلة الانتقالية أغلى من كليهما، وهذا بالضبط ما تعاني منه الأسواق حاليًا.

AI text generator concept: a man uses Ai, artificial intelligence, to generate text and assist with writing content
الشركة لا تدفع مقابل الأداة، بل مقابل المشكلة التي حلتها الأداة (شترستوك)

دورة حياة التقنية

على مدار السنوات الماضية، تكرر نمط في تاريخ التقنية، وهو أبسط مما يبدو، فكل طبقة تقنية مهيمنة تتحول في النهاية إلى بنية تحتية غير مرئية للطبقة التي تليها. العمليات اليدوية ابتلعتها الأدوات التناظرية. الأدوات التناظرية ابتلعتها البرمجيات. البرمجيات ابتلعتها الخدمات السحابية والاشتراكات. والآن، الذكاء الاصطناعي يبتلع الاشتراكات نفسها.

ما يعيد الذكاء الاصطناعي ترتيبه اليوم هو ثلاث طبقات: أنظمة السجلات في الأسفل، ووكلاء أذكياء يشغلون العمل في الوسط، وواجهات تقدم النتائج مباشرة في الأعلى. ليس هذا تدميرًا للبرمجيات، بل إزاحة لها من القمة إلى القاعدة، في استمرار لدورة حياة التقنية المعتادة.

لكن إذا كان هذا النمط حقيقيًا، فهو يطرح سؤالا يتجاوز البرمجيات: ما الذي سيلتهم الذكاء الاصطناعي نفسه؟

كل طبقة مهيمنة ظنت أنها الأخيرة؛ الحاسوب الشخصي بدا نهاية التاريخ التقني في الثمانينيات، والإنترنت بدا كذلك في التسعينيات، والهواتف الذكية في العقد الأول من الألفية، والبرمجيات كخدمة في العقد الثاني، ثم جاء ما بعدها في كل مرة. لكن الأرجح أن ما سيلتهم الذكاء الاصطناعي ليس تقنية منافسة، بل تحوّله هو نفسه إلى بنية تحتية غير مرئية، تمامًا كما حدث للكهرباء والإنترنت من قبله.

“الصناعة التي بنت ثروتها على بيع أدوات متخصصة لكل مهمة تواجه الآن عالما لم يعد يحتاج إلى أدوات متخصصة بالطريقة نفسها”

إن عُدنا الآن إلى تلك الملفات الهادئة التي رفعها مهندسو شركة أنثروبيك إلى منصة “غيت هاب”، التي ربطنا بها محو 285 مليار دولار من سوق شركات البرمجيات، سنجد أنها في الواقع لم تمحُ شيئًا، بل كشفت فقط عن حدث كان يتشكل فعلا، وهو أن الصناعة التي بنت ثروتها على بيع أدوات متخصصة لكل مهمة تواجه الآن عالمًا لم يعد يحتاج إلى أدوات متخصصة بالطريقة نفسها.

انخفاض أسهم البرمجيات ليس خللًا، بل يمكن اعتباره تصحيحًا لتسعير خاطئ استمر عقدا كاملا من الزمن، فالاعتقاد بأن الكود البرمجي وحده يمنح نفوذا لا نهائيا دُحض بظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ربما هذا ما يحدث فعلا، أو ربما يكون أيضًا مجرد فصل آخر في دورة حياة تقنية لن تنتهي. كل ما نعرفه هو أن البرمجيات التهمت العالم فعلا، والآن ثمة شيء يلتهمها. أما ما سيلتهم ذلك الشيء، فهذا سؤال الدورة القادمة.

 

المصدر: الجزيرة