مع الإعلان عن تولي آية الله مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في إيران، بدا أن البلد يدخل مرحلة جديدة، وهو لا يزال في خضم حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي الساعات التالية للإعلان، تتابعت مؤشرات سياسية وعسكرية وإعلامية تُظهر أن الانتقال لم يكن مجرد تغيير في قمة الهرم، بل حدثا يُعاد من خلاله ترتيب معادلات الشرعية الداخلية ورسائل الردع إلى الخارج، في وقت تتزامن فيه الضغوط العسكرية مع قراءات دولية تتحدث عن “تشدد” و”شبهة توريث”.
انتقال تحت النار.. كيف ثُبّت مركز القرار؟
أبرز ما رافق الإعلان هو الحديث عن تحرك سريع لمؤسسات الحكم لتفادي فراغ القيادة بعد اغتيال المرشد السابق علي خامنئي في الضربة الافتتاحية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
وفي سرد تفصيلي لمسار الانتقال، قُدّمت صورة عن مشاورات بدأت فور الاغتيال وشملت مجلس خبراء القيادة ومؤسسات سيادية عدة، قبل أن يُعلن أن اجتماع المجلس انعقد “وفق الصيغة الدستورية الكاملة”، وانتهى إلى اختيار مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا للجمهورية الإسلامية.
وفي خلفية هذا المسار، طُرحت أسماء داخل الأوساط السياسية والدينية، لكن اسم مجتبى ظل “الأكثر حضورا” في النقاشات، قبل أن يتحول التوافق إلى قرار رسمي عبر آلية التصويت داخل مجلس الخبراء.
وبينما يظهر هذا المسار في العلن باعتباره انتقالا مؤسسيا منظما، فإن ارتداداته الفعلية تتصل برسالة أعمق، ألا وهي أن النظام، حتى وهو يتعرض لضربة نوعية في رأسه، يسعى لإظهار قدرته على إعادة إنتاج القيادة بسرعة، ومنع خصومه من الاستثمار في لحظة ارتباك قد تفتح الباب على صراعات داخلية أو انقسامات في زمن الحرب.
“جدل التوريث” ورمزية الليالي العشر
الأمر اللافت الأكثر حساسية بعد التعيين كان عودة الحديث عن إشكالية التوريث، حيث جاء انتقال منصب المرشد من الأب إلى الابن في نظام قام نظريا على فكرة “الاختيار” لا “الوراثة”.
وفي قراءة تفسيرية لمسار الصعود، قيل إن هذه “العقدة” لاحقت اسم مجتبى لسنوات، لأن فكرة التوريث تتعارض مع الفلسفة السياسية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية.
لكن السياق الحالي، بحسب الطرح نفسه، أدخل عنصرا جديدا على معادلة الشرعية، حيث إن اغتيال المرشد السابق في إطار حرب مفتوحة أضاف ما سُمّي “مشروعية الدم”، وهي رمزية لها حضور في التاريخ السياسي الشيعي، ويمكن أن تُستخدم لتقوية موقع القائد الجديد حين يُربط اسمه بلحظة “استشهاد” وصدام مع خصوم خارجيين.
ومن زاوية أخرى، لم يكن توقيت الإعلان تفصيلا عابرا في بلد تُقرأ فيه السياسة كثيرا عبر الرمز. فقد جاء الإعلان في بداية العشر الأواخر من رمضان، حين كان الإيرانيون يحيون المناسبة في المساجد والميادين، في ليلة تتزامن في الذاكرة الشيعية أيضا مع ليلة اغتيال الإمام علي بن أبي طالب بما يحمله من شحنة وجدانية كثيفة تتمثل في حزن ديني، وتضرع جماعي، وإحساس بأن المصير يُكتب في ساعات استثنائية.
وفي مثل هذا المناخ، يتداخل السياسي بالروحاني، فيبدو الانتقال وكأنه يُقدَّم داخل إطار وجداني يطلب التماسك ويستدعي المعنى، لا داخل إعلان سياسي بارد. ومما كان لافتا الاحتفالات الشعبية التي ملأت الشوارع فضلا عن بيانات البيعة المستمرة.
ويرى مراقبون أن المجتمع الإيراني يتفاعل عاطفيا بقوة مع رمزية الفقد والطقس الديني، مما قد يخفف مؤقتا من حدة الأسئلة السياسية الباردة.
لذلك فإن مقتل المرشد السابق في سياق حرب، لا وفاته الطبيعية، يمنح انتقال القيادة مظلة وجدانية أوسع، ويجعل تمرير اختيار مثير للجدل -مثل تعيين مجتبى- أقل كلفة في لحظة الصدمة العامة.
وبالمقابل، لو كان المرشد السابق قد رحل بوفاة طبيعية وفي ظروف اعتيادية، لكان الجدل حول التعيين، خصوصا من زاوية “التوريث”، مرشحا لأن يكون أشد حضورا وأصعب احتواءً، لأن المشهد حينها كان سيُقرأ كترتيب سياسي داخلي صرف، لا كامتداد لصدمة وطنية في زمن حرب.
أما قراءات الصحف الغربية فقد ركزت على وصف المرشد الجديد بأنه شخصية “غامضة ومتشددة” ذات علاقات عميقة بالحرس الثوري، وتحدثت عن دور مؤثر للمؤسسة الأمنية في ترجيح خيار “الاستمرارية الصلبة”، مع تذكير بأن مجتبى لم يشغل مناصب منتخبة أو حكومية رفيعة رسميا رغم حضوره المؤثر في مركز القرار.
مؤشرات تصعيد
على الأرض، لم يبدُ أن التعيين فتح نافذة تهدئة. فبعد الإعلان مباشرة، صدر ما يفيد بإطلاق “جيل جديد من الصواريخ” باتجاه تل أبيب، وتحدثت تقارير عن صفارات إنذار وأضرار وإصابات، مع إشارة إلى أن بعض الدفعات تضمنت صواريخ “انشطارية”.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء موجة جديدة من الهجمات في وسط إيران، وقال إنه استهدف “البنية التحتية التابعة للنظام”.
من جانبه، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن قرار وقف الحرب سيكون “مشتركا” بالتشاور مع بنيامين نتنياهو، وأعلن عدم رضاه عن اختيار مجتبى خامنئي مرشدا لإيران، في إشارة إلى أن واشنطن ترى في التعيين جزءا من معركة أوسع على “شكل ما بعد الحرب”، وليس مجرد تبديل داخلي في طهران.
وخلاصة الصورة التي رسمتها التطورات التالية للتعيين تقول إن إيران انتقلت سريعا إلى تثبيت القيادة مع استمرار موجات التصعيد المتبادل، بينما تلوّح واشنطن بأن مسار إنهاء الحرب وشروطها سيظل مرتبطا بحسابات مشتركة مع إسرائيل وبموقف غير متقبل للقيادة الجديدة في طهران.
المصدر: الجزيرة