مشروع “يطو”.. كيف تصنع شابة مغربية من دمية واحدة ألف حكاية؟

داخل صندوق ورقي واجهته مستوحاة من الأبواب التراثية العتيقة بالمغرب، تطل دمية لا تشبه نظيراتها في متاجر الألعاب اسمها “يطو” وهو اسم أمازيغي أصيل كاد يطويه النسيان.

وبمجرد أن يفتح الطفل هذا الصندوق يجد نفسه قد تجاوز بابا واسعا ليبدأ في رحلة من الخيال الطفولي تجمع بين متعة اللعب وعمق الانتماء إلى هويته وثقافة بلده.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2المطبخ الليبي.. حكاية تاريخ تروى على نار هادئة
  • list 2 of 2لماذا كعك العيد مستدير؟ حكاية عمرها 5 آلاف عام

end of list

دمية من قماش وهوية من جذور

المصممة دعاء بنحمو بدأت مشروع إنتاج الدمية “يطو” في مبادرة تمزج بين الإبداع الحرفي وصون الذاكرة الثقافية وإعادة التدوير.

ولا تسعى دعاء إلى تقديم منتج ترفيهي للأطفال فحسب، بل إلى جعل الأطفال يكتشفون المغرب من خلال دمى مستعملة ترتدي أزياء وحليا وأحذية تقليدية تعكس التنوع الثقافي لمختلف جهات البلاد.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ دمى ترتدي ملابس تقليدية تعكس التنوع الثقافي في جهات المملكة/ مصدر الصورة: سناء القويطي
دمى ترتدي ملابس تقليدية تعكس التنوع الثقافي في المغرب (الجزيرة)

من أعواد القصب إلى “يطو”.. طفولة تحلم بالدمى

لم يكن مشروع “يطو” وليد الصدفة، بل هو امتداد لطفولة قضتها دعاء بين قصاصات الأقمشة في ورشة المؤسسة التعاونية لوالدتها للخياطة والتطريز بمدينة الخميسات شرق العاصمة الرباط. وتتذكر دعاء تلك الأيام قائلة: “كنت أصنع دمى من أعواد القصب، وأصنع لها ملابس من بقايا الأقمشة لألعب بها مع صديقاتي”.

رافق هذا الشغف دعاء في فترة دراستها الجامعية بالرباط حين كانت تدرس الاقتصاد بجامعة محمد الخامس، فبعد أن صقلت مهاراتها في الخياطة على يد والدتها، بدأت في تصميم أزياء تقليدية مصغرة وتلبسها للدمى ثم تبيعها في جناح تعاونية والدتها في معارض الصناعة التقليدية، ما ساعدها آنذاك على تمويل دراستها وتوفير مصاريف لاحتياجاتها الشخصية.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ دمى ترتدي قفاطين بالطرز الفاسي وجلباب رجالي جبلي/ مصدر الصورة: سناء القويطي
دمى ترتدي قفاطين بالطرز الفاسي وجلباب رجالي جبلي (الجزيرة)

يطو “سفيرة ثقافية”.. دمى ترتدي خريطة المغرب

بعد التخرج كتقنية متخصصة في تنظيم المقاولات، انغمست دعاء في العمل بشهادتها الجامعية في عدة شركات لمدة ثماني سنوات، لتبتعد عن عالم الخياطة والأزياء، إلى أن جاءت جائحة كورونا وفترة “الحجر الصحي”.

إعلان

في تلك العزلة الإجبارية، وجدت الفرصة لاستعادة شغفها القديم، لكن هذه المرة قررت البحث أكثر في تنوع الأزياء التقليدية النسائية والرجالية لتجعل من كل دمية مستعملة تقع في يدها “سفيرة ثقافية”.

عكفت دعاء على دراسة المراجع والكتب لتتعمق في أسرار اللباس التقليدي، فاكتشفت سحر “الشدة التطوانية” وفخامة “القفطان الفاسي” وعراقة “الملحفة الصحراوية” وخصوصية “تكنست الأمازيغي” وجمال “المنديل والشاشية الجبلية”.

انبهرت الشابة دعاء بغنى اللباس التقليدي المغربي الذي يتنوع بتنوع تضاريس المملكة، فلكل جهة بصمة خاصة تطبع زيها التقليدي. وبالرغم من أن الجلباب والقفطان و”التكشيطة” تظل الأسماء الكبرى لملابس تقليدية توحد المرأة المغربية، إلا أن سحرها الحقيقي يكمن في اختلاف أنماط الخياطة ونوعية الأقمشة وفنون التطريز.

وتقول دعاء للجزيرة نت: “حاولت تجسيد هذا التنوع الثقافي في الملابس التي ألبسها للدمى، وكان هدفي في تلك الفترة بيع هذه المنتجات في المعارض التي تشارك فيها والدتي ثم العودة بعد انتهاء تداعيات الجائحة للبحث عن وظيفة جديدة مستقرة”.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ دمى ترتدي ملابس تقليدية صحراوية: الملحفة النسائية والدراعة الرجالية/ مصدر الصورة: سناء القويطي
دمى ترتدي ملابس تقليدية صحراوية: الملحفة النسائية والدراعة الرجالية (الجزيرة)

من الهواية إلى مشروع احترافي

في أول معرض بعد انقضاء الجائحة بالرباط، عرضت دعاء حوالي 75 دمية بيعت كلها، وتقول إن تشجيع الزبائن وكلماتهم الحماسية ودعواتهم لها للاستمرار في هذا العمل، جعلها تقرر الدخول إلى عالم الاحتراف وإطلاق مشروعها الخاص.

لجأت إلى “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، وهو برنامج حكومي لدعم حاملي المشاريع للحصول على آلات العمل، وحصلت على قرض من برنامج “فرصة” الحكومي -برنامج حكومي لتشجيع الشباب من أصحاب الأفكار والمشاريع- مما ساعدها على تأجير ورشة العمل وتجهيزها.

تقول إن برنامج “فرصة” وفر لها إلى جانب التمويل، المواكبة الاحترافية مما ساعدها على نقل المشروع من الهواية والحلم إلى الاحترافية، مؤكدة أن “هذه البرامج تفتح الأبواب للأفكار والمشاريع الجادة”.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ دمى ترتدي ملابس تقليدية تجسد منطقة جبالة وهي عبارة عن قفطان وفواطة وشاشية/ مصدر الصورة: سناء القويطي
دمى ترتدي ملابس تقليدية تجسد منطقة جبالة وهي عبارة عن قفطان وفواطة وشاشية (الجزيرة)

تدوير كامل.. وهوية تعاد إلى الواجهة

ما يميز مشروع دعاء أنه يقوم بالكامل على فكرة إعادة التدوير، فكل دمية هي نتيجة عملية إحياء لأشياء قديمة ومستعملة، إذ يتم جمع الدمى من أسواق الأشياء المستعملة ثم تنظف وتصلح وتضاف لها لمسات مغربية كالحناء والوشم.

أما الشعر فيجلب من صالونات الحلاقة ليحاكي طبيعة الشعر المغربي، في حين تصنع الملابس من بقايا الأقمشة وبقايا “السفيفة” المذهبة، وتعاد صياغة الحلي من قطع مكسورة لتصبح سلاسل وأقراط وخواتم تزين الدمى.

وتقول دعاء بفخر: “هذا المنتج هو نتيجة عملية تدوير كاملة، نحن لا نصنع لعبة، بل نصنع قطعة من الهوية بلمسات مستدامة”.

من ورشة صغيرة إلى منصات التتويج

وفي عام 2025، حصلت دعاء على المرتبة الأولى في “جائزة للا مريم للابتكار والتميز” لدعم النساء من أصحاب المشاريع المبتكرة، ورأت أن كل ما حدث لها في تلك الفترة أكد أن مشروع “يطو” يستحق أن يستمر وينجح.

: المغرب/ الرباط/ إكسسوارات الدمى مصنوعة من أشياء مستعملة/ مصدر الصورة: سناء القويطي
كافة كسسوارات الدمى مصنوعة من أشياء مستعملة (الجزيرة)

“يطو” في المدارس.. أداة تربوية بملامح دمية

يتجاوز طموح دعاء بيع الدمية “يطو” لمحبي التراث، بل تنظم ورشات في المدارس لتعريف الأطفال بتنوع الأزياء في بلدهم، وتقول بأسى: “لا يعرف الأطفال في بعض المدارس الكثير عن الزي التقليدي، معلوماتهم سطحية ولا يدركون غنى عالم (الراندة) و(السفيفة) وتعدد أنواع اللبسة والأحزمة والأحذية”.

إعلان

لذلك ترى دعاء أن الدمية “يطو” هي أداة تربوية لربط الطفل بجذوره عبر جعل التراث جزءا من ألعابه وحياته اليومية.

زبائن أوفياء: دمى تشبهنا

ولمشروع “يطو” زبائن أوفياء يتابعون المشروع ويدعمونه منذ انطلاقته، من بين هؤلاء السيدة العماري -وهي أم لطفلتين- زارت دعاء في معرض للصناعة التقليدية بالرباط لتأخذ دمى جديدة، وقفت حائرة أمام الرفوف، اختارت في البداية ثلاث دمى ترتدي قفطانا بالتطريز الفاسي وأخرى بلباس العروس وثالثة بجلباب أبيض.

لكن انتهى بها المطاف باقتناء سبع دمى بعد أن لم تستطع كبح رغبتها في المزيد لجمال التفاصيل واختلاف وتنوع المعروضات، وقالت للجزيرة نت: “أتابع مشروع دعاء منذ سنوات، وأزورها كلما سنحت لي الفرصة لأختار دمى جديدة وقد أعجبني إتقانها لعملها”.

وأوضحت أنها خصصت ركنا في منزلها لعرض هذه الدمى تعبيرا عن غنى الثقافة المغربية و”لتمكين بناتي من اللعب بدمى تشبهنا وتعبر عن هويتنا وثقافتنا”.

: المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ دمى ترتدي ملابس تقليدية أمازيغية/ مصدر الصورة: سناء القويطي
دمى ترتدي ملابس تقليدية أمازيغية (الجزيرة)

الحلم الأكبر.. دمية بملامح مغربية خالصة

وتؤكد دعاء بنحمو أن زبائنها الأوفياء هم المحفز الحقيقي للاستمرار في مشروعها، واليوم تعمل بأمل وجد لتحقيق حلمها الأكبر وهو إنتاج دمية بملامح مغربية خالصة تشبهها وتشبه فتيات بلادها، لذلك تخطط لزيارة الصين هذا العام للوقوف على تفاصيل تنفيذ هذا الهدف.

فالدمية “يطو” بالنسبة لها ليست لعبة فقط بل حاملة للثقافة والأفكار والتقاليد والذاكرة، وسفيرة داخل كل بيت تقرب الجيل الجديد من هويته وتعلمه أن يفخر ويعتز بها.

 

المصدر: الجزيرة