تتدفق مئات المليارات من الدولارات في شرايين الاقتصاد الرقمي لتبني أضخم بنية تحتية عرفتها البشرية منذ الثورة الصناعية الأولى، لكن هذا الطوفان التمويلي يضع العالم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن يقود إلى ازدهار شامل يرفع إنتاجية المجتمعات، أو يتحول إلى أداة تكرس التفاوت وتعمق الفجوة بين دول تملك مفاتيح الحوسبة المتقدمة وأخرى تكافح لتوفير الربط الأساسي بالكهرباء والإنترنت.
في العاصمة القطرية الدوحة، وضمن فعاليات الدورة التاسعة لـ”منتدى الاستثمار العالمي” المنعقدة بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، التأم شمل نخبة من صناع القرار وخبراء التكنولوجيا الدوليين في جلسة نقاشية رفيعة المستوى أدارتها الإعلامية فيفي بيترز. حملت الجلسة تساؤلا جوهريا: كيف يمكن توجيه موجات رأس المال المتدفقة نحو البنية التحتية والعتاد الصلب لتتحول إلى قيمة مضافة حقيقية تعزز التنمية المستدامة ولا تترك أحدا خلف الركب؟
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
أرقام فلكية تعيد صياغة المشهد الاستثماري الدولي
افتتح وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات القطري محمد بن علي بن محمد المناعي الجلسة برسم ملامح المشهد المالي المتسارع، موضحا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع واعد، بل أضحى المحرك الأساسي الذي يحدد وجهة رؤوس الأموال الاستثمارية في العالم.

وتشير التقديرات الدولية التي استعرضها الوزير إلى أن حجم الاستثمارات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سيتجاوز حاجز تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2026. والأكثر إثارة للانتباه هو أن الإنفاق الإجمالي الموجه لتشييد مراكز البيانات والأنظمة الرقمية المتقدمة مرشح لبلوغ 7 تريليونات دولار بحلول عام 2030، منها نحو 5.2 تريليونات مرتبطة بالطلب على الذكاء الاصطناعي تحديدا.
طفرة الذكاء الاصطناعي
وعززت البيانات الصادرة عن “تقرير الاستثمار العالمي 2026” التابع لأونكتاد، والتي عُرضت على شاشات المنتدى، هذا المنحى التصاعدي، إذ قفزت القيمة الإجمالية للمشروعات التأسيسية المعلنة (Greenfield projects) في القطاعات الإستراتيجية من 109 مليارات دولار في عام 2020 إلى 576 مليارا في عام 2025، محققة معدل نمو سنوي مركب (CAGR) قدره 39%.
كما استحوذت استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات على نصيب الأسد، إذ نما قطاع أشباه الموصلات بمعدل سنوي مركب بلغ 54%، في حين سجلت البنية التحتية والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نموا بنسبة 47% سنويا، لتمثل وحدها 44% من إجمالي قيمة المشروعات الإستراتيجية التأسيسية في عام 2025.
وأظهرت مؤشرات أونكتاد أن مراكز البيانات كانت المحرك الأكبر للزيادة التراكمية في تمويل المشروعات خلال عامي 2024 و2025 بزيادة بلغت 235 مليار دولار، متفوقة بفارق هائل على قطاعات تقليدية مثل النفط والغاز (38 مليار دولار) وأشباه الموصلات المباشرة (13 مليار دولار).

التجربة القطرية: نموذج المواءمة بين البنية التحتية السيادية وبناء الإنسان
أمام هذه الأرقام الضخمة، طرح الوزير القطري الإشكالية التي تواجه الحكومات: كيف يمكن ربط البنية التحتية بالابتكار والتمويل لتحويل هذا التدفق المالي إلى قدرات وطنية مستدامة؟
واستعرض المناعي المقاربة القطرية المنبثقة من “رؤية قطر الوطنية 2030” و”الأجندة الرقمية 2030″، والتي تستند إلى 4 مسارات متوازية:
أولا: الاستثمار في بنية تحتية سيادية وعامة قابلة للتوسع، حيث أبرمت “كاي” الشركة الوطنية للذكاء الاصطناعي شراكة ضخمة مع مجموعة “بروكفيلد” العالمية باستثمارات تبلغ 20 مليار دولار، بهدف بناء بنية تحتية حوسبية متكاملة وعالية الأداء تخدم الدولة والمنطقة المحيطة.
ثانيا: الاستثمار في رأس المال البشري عبر تأهيل الكوادر الوطنية من خلال “أكاديمية قطر الرقمية” لتوفير أكثر من 50 ألف مقعد تدريبي متخصص في التقنيات الرقمية المتقدمة والذكاء الاصطناعي قبل حلول عام 2030.
ثالثا: تحفيز المنظومة وريادة الأعمال عبر تخصيص حزمة حوافز ودعم مالي تصل إلى 9 مليارات ريال قطري (نحو 2.47 مليار دولار) موجهة إلى الشركات الناشئة والقائمة، بالتوازي مع تطوير حالات استخدام مكثفة داخل المؤسسات الحكومية لرفع الكفاءة التشغيلية.
رابعا: الاستثمار في الثقة والحوكمة الأخلاقية عبر دعم المبادئ التوجيهية للذكاء الاصطناعي الأخلاقي، والتأكيد في المحافل الدولية على محورية حقوق الإنسان والإشراف البشري الصارم، مع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصيات الثقافية والهوية واللغة العربية.

الفجوة الرقمية وأزمة الطاقة
رغم بريق الأرقام التريليونية، فإن توماس لاماناوسكاس، نائب الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، وضع الحضور أمام حقائق صادمة تتعلق باختلال العدالة التوزيعية للمكاسب التكنولوجية.
واستشهد لاماناوسكاس ببيانات أونكتاد التي تؤكد أن نحو 80% من الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي تتركز في الدول المتقدمة، في حين تتركز 90% من قدرات بناء النماذج الأساسية في دولتين اثنتين فقط. وفي المقابل، لا تحظى قارة أفريقيا وأمريكا اللاتينية مجتمعتين إلا بنحو 3.3% فقط من هذه القدرات، مما يهدد بتعميق التبعية الاقتصادية والتقنية.
ونبّه نائب الأمين العام إلى عوائق هيكلية تسبق البرمجيات والخوارزميات، حيث ما زال نحو 2.2 مليار شخص في أنحاء العالم محرومين تماما من الاتصال بالإنترنت، ومن غير المنطقي الحديث عن دمجهم في ثورة الذكاء الاصطناعي دون تأمين نفاذهم الرقمي أولا.
إلى جانب اختناق شبكات الكهرباء، حيث يفرض الذكاء الاصطناعي التوليدي استهلاكا غير مسبوق للطاقة، ويواجه العالم -بما في ذلك الدول الصناعية المتقدمة- شحا متزايدا في إمدادات الكهرباء. وتستغرق إجراءات التراخيص لتوصيل الطاقة إلى مراكز البيانات الجديدة نحو 18 شهرا، في حين تعاني البلدان النامية عجزا حادا في الطاقة يتراوح بين 5 و12 ميغاواطا لتلبية الاحتياجات التشغيلية.
كما كشف لاماناوسكاس أن ردم الهوة الهيكلية للجاهزية الرقمية يتطلب حشد 28 مليار دولار بحلول عام 2030 لتطوير البنى التحتية وتأهيل السياسات وصقل المهارات، معلنا عن مبادرة مشتركة بين الاتحاد الدولي للاتصالات وأونكتاد و8 مصارف تنموية دولية لإطلاق “دليل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي” لمساعدة الدول على جذب رؤوس الأموال الخاصة.
ثنائية التطبيقات والنماذج: كيف تنافس الدول الناشئة والشركات الصغيرة؟
وقدم الخبير العالمي والرئيس التنفيذي لشركة “01.إيه آي” (01.AI) الدكتور كاي-فو لي قراءة إستراتيجية فككت مفاهيم التفوق في سوق الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن موجة الإنفاق الضخمة على أشباه الموصلات ومراكز المعالجة لن تكتسب قيمتها الحقيقية إلا من خلال “طبقة التطبيقات” التي تلامس متطلبات المستهلكين وقطاعات الأعمال الواقعية.

وفند لي الفكرة الشائعة القائلة بأن النماذج العامة الضخمة -مثل شات جي بي تي- ستلغي الحاجة إلى التطبيقات المستقلة، مبيّنا أن الشركات تمتلك مصفوفات عمل معقدة، وثقافات تنظيمية، وآليات لاتخاذ القرارات، لا تستطيع النماذج الشاملة فك شفرتها دون تطبيقات مخصصة ووكلاء افتراضيين موجهين.
وبخصوص معضلة التكلفة التي تؤرق الدول النامية، قدم كاي-فو لي رؤية تفاؤلية ترتكز على محورين متزامنين: الأول هو تحسن الكفاءة والقدرة التشغيلية حيث تشهد النماذج الأكثر تطورا قفزات نوعية في سرعة تنفيذ المهام المعقدة وكفاءتها. والثاني يتمثل في الهبوط الحاد في تكاليف الحوسبة حيث تتراجع تكلفة تشغيل النماذج بمعدلات تفوق انخفاضات أسعار الأجهزة الاستهلاكية عبر التاريخ.
وضرب لي مثلا بنماذج مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة مثل ديب سيك الصيني، الذي يقدم أداء مقاربا للنماذج الاحتكارية وبتكلفة تقل عن 10%، إلى جانب نماذج مثل جيميناي من غوغل وكوين من علي بابا.
ويرى لي أن 95% من المؤسسات والمستخدمين في العالم النامي لا يحتاجون إلى أضخم النماذج المعقدة، بل يمكنهم الاكتفاء بنماذج مفتوحة ومتاحة محليا. وشدد على ضرورة تحلي الحكومات بالواقعية فيما يتعلق بـ”سيادة البيانات”؛ فإذا تعذر بناء مراكز بيانات وطنية باهظة التكلفة، فإن تشغيل النماذج عبر السحابة خارج الحدود يظل خيارا أفضل بكثير من العزلة والغياب التام عن المشهد الاقتصادي الحديث.
الشركات الصغيرة وسلاسل القيمة: من مستهلك سلبي إلى صانع دخل
وتناول الرئيس التنفيذي لشركة “آنت إنترناشونال” بنغ يانغ البعد الاجتماعي والاقتصادي للتقنية، محذرا من أن العولمة تواجه مخاطر حقيقية إذا استمر حصر مكاسب الذكاء الاصطناعي داخل أسوار الشركات العابرة للقارات.
وأشار يانغ إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل العمود الفقري للاقتصادات بنسبة تتجاوز 90% من قطاع الأعمال عالميا. واستعرض تجربة شركته التي تخدم أكثر من 160 مليون تاجر، وتعتمد على دمج حلول الدفع الذكية وسلاسل الكتل (Blockchain) لمنح المتاجر المتناهية الصغر أدوات تمويل وتسوية دون الحاجة إلى توظيف أقسام مالية وتقنية مكلفة.
وبيَّن أن تزويد هذه الكيانات الصغيرة بحلول تكنولوجية ملائمة يرفع معدلات نمو أعمالها بنسبة تصل إلى 50% سنويا، مما يثبت أن دمج الذكاء الاصطناعي على مستوى القاعدة الشعبية يعزز النمو الاقتصادي الشامل.

إعادة ضبط سلاسل القيمة الرقمية
ولفت رئيس شركة “كاي” عبد الله حمد المسند إلى ضرورة إعادة ضبط سلاسل القيمة الرقمية. وذكر أن تكاليف البنية التحتية العالمية تقتضي توليد مداخيل لا تقل عن تريليوني دولار سنويا بحلول عام 2030 لمجرد تغطية النفقات الرأسمالية والتشغيلية، مما يستوجب تحقيق عوائد تجارية للمنظومة الكلية تدور حول 10 تريليونات دولار.
وأوضح أن تجاوز هذه الفجوة يتطلب النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه “مُمكّنا للإنتاجية” يولّد خدمات ذات قيمة مضافة في مجالات الإدارة والمحاسبة والتشغيل، بدلا من التعامل معه على أنه أداة استهلاكية مجردة.
النجاة من “تسونامي البطالة”
واتفق المتحدثون على أن أخطر التحديات المصاحبة لهذه الطفرة يتمثل في التحول الجذري لأسواق العمل والتعليم. وحذر كاي-فو لي بصراحة من دخول الاقتصاد العالمي في “حقبة بطالة هيكلية لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلا”؛ نظرا لقدرة الأنظمة الذكية على أتمتة كتابة الأكواد والبرمجيات والمهام المعرفية الروتينية بسرعة تفوق البشر.
وأكد المشاركون أن الحل يكمن في مسارات محددة، تتمثل في تغيير فلسفة التأهيل عبر إعادة تدريب القوى العاملة بطريقة لا تتطلب بالضرورة نيل شهادات جامعية جديدة في علوم الحاسوب؛ إذ يمكن للمحامين والمهنيين توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالاتهم بكفاءة تضاهي مهندسي البرمجيات.
كما أوضح لي أن التعليم هو القطاع الوحيد الذي لم يشهد تغييرا جذريا في أساليبه منذ 100 عام، فالمعلم لا يزال يواجه عشرات الطلبة بأساليب تلقين تقليدية. واستشهد بتجربة كازاخستان، التي أصدرت مرسوما رئاسيا لإعادة صياغة المناهج التعليمية وتدريب المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي في الفصول المدرسية لردم فجوة التحصيل العلمي.
وأشار لاماناوسكاس إلى تقديرات دولية تفيد بأن نحو 40% من مهارات الأيدي العاملة في العالم ستتبدل بالكامل بحلول عام 2030، وهو ما يحتم تبني برامج حكومية تعيد توجيه الكفاءات نحو الوظائف المستحدثة.

من يُعاقَب عندما يخطئ النموذج؟
على صعيد آخر، أثارت مديرة الجلسة مسألة غاية في الأهمية، وهي أنه في بيئة الأعمال التقليدية، يُحاسَب الموظف المخطئ أو يُفصل من عمله، لكن من يتحمل المسؤولية حينما يصدر الخطأ الفادح عن خوارزمية ذكاء اصطناعي؟
وفي هذا السياق، قال بنغ يانغ “إننا بدأنا في مجال التجارة نشاهد أن الذكاء الاصطناعي هو الذي يقوم بالعمل، وأن أعداد نماذج الذكاء الاصطناعي التي يتم الاعتماد عليها آخذة بالازدياد”، مشيرا إلى أنه يتم حاليا إدارة هذه المسائل من خلال الموارد البشرية، ولكن عندما يتدخل الذكاء الاصطناعي فلا يمكن محاسبته أو تسريحه، ومن ثم فهناك حاجة إلى شكل آخر من الحوكمة وعمليات رصد وسياسات تضبطه.
ونبّه لاماناوسكاس إلى مخاطر التحيزات الخوارزمية؛ حيث تشير البيانات إلى أن نحو 45% من النماذج الحالية تحتوي على تحيزات ضد المرأة، فضلا عن افتقارها إلى فهم البيئات الثقافية المحلية في قارات كأفريقيا نتيجة تدريبها داخل بيئات محددة في وادي السليكون. وأكد أن الاتحاد الدولي للاتصالات يعمل على صياغة معايير تقنية دولية تضمن التشغيل البيني، وتحد من الاستهلاك الطاقي لمراكز المعالجة، وتوفر أرضية مرنة تسبق القوانين الوطنية التي غالبا ما تعجز عن مواكبة سرعة التطور التكنولوجي.
طرح السؤال المناسب لبناء مستقبل عادل
في ختام المناقشات، أجمع المتحدثون على أن السباق الاستثماري نحو عام 2030 لا يقاس فقط بعدد الترانزستورات في الرقائق أو بعدد الميغاواط في مراكز البيانات، بل بالقدرة على إشراك الـ50% الأفقر من سكان الكوكب في ثمار هذا التحول وتفادي تهميشهم.
ولخص عبد الله حمد المسند جوهر المرحلة القادمة بالقول إن الذكاء الاصطناعي يغير بعمق نمط تفكير البشر وكيفية تفاعلهم مع العالم؛ فالقوة الحقيقية لن تقتصر على امتلاك التكنولوجيا نفسها، بل ستكمن في قدرة الأفراد والمجتمعات على “طرح الأسئلة الصحيحة” وأن “نمتلك رؤية واضحة بشأن القيم والأهداف”، مؤكدا أن “الناس الذين لا يطرحون السؤال المناسب لن يتمكنوا من تسخير الذكاء الاصطناعي بالشكل المناسب”.
المصدر: الجزيرة