مع اتساع رقعة الحرب.. الطيارون يواجهون المسيّرات والصواريخ والتوتر

واجه طيارو الخطوط الجوية مخاطر متصاعدة في السنوات القليلة الماضية جراء تسلل الطائرات المسيرة إلى مسارات الطيران المتقلصة بسبب الصراعات، والآن تجعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الأجواء أكثر خطورة.

فقد أدى اندلاع الحرب في الشرق الأوسط إلى إطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الهجومية في سماء بعض أكثر مطارات العالم ازدحاما.

وشمل رد طهران على الولايات المتحدة وإسرائيل ضرب مطارات في دول المنطقة، مما أدى إلى توقف مئات الرحلات الجوية، وتمكنت رحلات إنقاذ قليلة من الوصول إلى آلاف الركاب العالقين.

وتحدثت وكالة رويترز إلى ثمانية طيارين وأكثر من ستة مصادر داخلية مطلعة في مجال الطيران والأمن، فقالوا إن تراكم الصراعات -من أوكرانيا إلى أفغانستان وإسرائيل- زاد العبء على الطيارين، وأجبرهم على التحليق في مجال جوي متقلص والتعامل مع الاستخدام الأوسع نطاقا للطائرات العسكرية المسيرة على مبعدة من مناطق الحروب المشتعلة.

وأدى ذلك لزيادة الضغوط على الصحة النفسية للطيارين الذين يحاولون جاهدين الحفاظ على سلامتهم وسلامة ركابهم.

وقالت تانيا هارتر، وهي طيارة ذات خبرة في الشرق الأوسط ورئيسة رابطة قمرة القيادة الأوروبية، لرويترز “نحن لسنا طيارين عسكريين. لم نتدرب على التعامل مع هذا النوع من التهديدات في الجو”.

وأضافت أن الأزمة الحالية هي الأحدث في سلسلة من التهديدات الأمنية التي واجهها القطاع على مر السنين، والتي قد تسبب “الخوف والقلق” للطيارين. وقالت إن شركات الطيران لديها الآن برامج لتبادل الدعم بين الطيارين لمساعدتهم، مضيفة أنها لا تريد “مشاركة المجال الجوي مع الصواريخ”.

وقال خبراء في القطاع إن أمن المجال الجوي تدهور خلال العامين ونصف العام الماضيين مع تزايد الصراعات، وذلك بسبب مزيج من تزوير إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي لخداع الطائرات بشأن مواقعها، وزيادة أعداد الصواريخ والطائرات المسيرة.

إعلان

وعادت طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية (إير فرانس) كانت في طريقها لإعادة رعايا فرنسيين عالقين في الإمارات إلى وطنهم، بسبب إطلاق صواريخ يوم الخميس. وغيّر طيار من شركة “لوفتهانزا” أمس الجمعة وجهته ‌من الرياض إلى القاهرة بسبب المخاوف الأمنية في المنطقة.

تجنب الصواريخ

من جهته، قال الكابتن محمد عزيز، المدير العام للمديرية العامة للطيران المدني في لبنان، إن الطيارين المدربين في الشرق الأوسط أصبحوا معتادين على حالات الطوارئ. ووضع الصراع المتصاعد تلك المهارات قيد الاختبار سريعا.

وأظهرت لقطات مصورة التقطت في الخامس من مارس/آذار طائرات تقلع من مطار بيروت بينما يتصاعد الدخان فوق المباني في العاصمة اللبنانية.

وقال عزيز إن الطيارين في الشرق الأوسط دائما ما يواجهون أزمات ومشكلات، لذا تلقوا تدريبا منذ البداية “على كيفية التعامل مع حالات الطوارئ والظروف المحتملة”.

وأضاف “لا أحد يعطي ضمانات أساسا أنه لن يُستهدف مطار أو أنه سيُستهدف”.

وقال طيار بالناقل الوطني في لبنان، طيران الشرق الأوسط ، يحظى بخبرة تمتد 10 سنوات إن المسارات إلى بيروت أصبحت أكثر تعقيدا.

وأضاف أنه في الماضي، كان مدى الصواريخ المضادة للطائرات التي تُطلق من على الكتف في لبنان يبلغ عادة 4.6 كيلومترات تقريبا، لذلك كان الطيارون يزيدون الارتفاع للبقاء بعيدا عن هذا المدى، وكانت الطائرات تحمل غالبا وقودا إضافيا تحسبا لاضطرارها إلى تغيير مسارها.

ومع ذلك، فإن معظم الضربات الصاروخية تكون بعيدة بما يكفي بحيث لا تشكل خطرا، مما يصرف الطيارين عن الانشغال بها غالبا.

وقال الطيار “تكون مشغولا بالفعل في الطائرة بمحاولة التأكد من حصولك على إذن بالهبوط، وأن كل شيء على ما يرام، لذا لا يوجد لديك وقت للتفكير في ما يحدث خارج الطائرة”.

تهديد الطائرات المسيرة

ولا تقتصر المخاطر التي يواجهها الطيارون على الشرق الأوسط. فمنذ الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 2022، أصبحت الطائرات المسيرة سلاحا رئيسيا لكلا الجانبين. وواجهت مطارات في مدن أوروبا، من ستوكهولم إلى ميونخ، اضطرابات بسبب تحليق طائرات مسيرة يشتبه في أنها مرتبطة بالصراع، ولكن لم يتم تأكيد ذلك.

ويشعر الطيار كريستيان فون داهي، مدير رابطة طياري الخطوط الجوية الدانماركية، بالقلق من هذا التهديد الجديد.

وقال فون داهي “الطائرات المسيرة لا يمكن اكتشافها بسهولة. يمكننا رؤيتها في السماء، وهي صغيرة للغاية. لذا سيحدث شيء ما طال الوقت أم قصر”.

ويمكن أن تتسبب الطائرات المسيرة التي تصطدم بمحركات الطائرات في توقفها عن العمل تماما، في حين أن الأضرار التي تلحق بالأجنحة قد تضر بقدرة الطائرة على المناورة.

وتصدر معظم الطائرات المسجلة إشارة عبر جهاز إرسال واستقبال، وهو جهاز يحدد هوية الطائرة للرادار، لكن الطائرات المسيرة لا تفعل ذلك، مما يترك الطيارين في حالة من عدم اليقين. وتجد أجهزة الرادار العادية المستخدمة في المطارات صعوبة في رصد الطائرات المسيرة.

وتوجد أجهزة رادار متخصصة، لكن سلطات إنفاذ القانون أو الجيش هي التي تشغلها عادة.

وقالت شركة ديدرون، التي تنتج تكنولوجيا لمكافحة الطائرات المسيرة، إن هناك أكثر من 1.2 مليون مخالفة لقواعد الطيران ارتكبتها طائرات مسيرة في الولايات المتحدة في 2025، ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد في السنوات القادمة.

طائرة تقترب من مدرج مطار بيروت وتحلق فوق أعمدة الدخان المتصاعدة من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية (الفرنسية – أرشيف)

حلول قليلة

يمكن للمطارات استخدام الرادار وأجهزة استشعار التردد وأدوات التشويش لمواجهة الطائرات المسيرة، في حين أن بعض الأنظمة يمكنها “تضليلها” عن مسارها. لكن المخاوف المتعلقة بالسلامة تعني أن المطارات لا يمكنها إسقاط الطائرات المسيرة.

إعلان

وقال تيم فريبي، وهو مراقب حركة جوية في ألمانيا ونائب رئيس الاتحاد الأوروبي لمراقبي الحركة الجوية، إن الطائرات المسيرة تشكل “تهديدا متزايدا”، في حين أن المطارات غالبا ما تكون خياراتها محدودة.

وقال “في الوقت الحالي، لدينا تقارير وتقارير طيارين ‌أو في بعض الأحيان يرصد مراقبو الحركة الجوية الطائرات المسيرة. المشكلة هي أنه لا يوجد الكثير مما يمكن فعله سوى إغلاق المطار”.

وذكر ستة مسؤولين في القطاع أن الطائرات المسيرة تسببت في إغلاق بعض أكبر المطارات في العالم من ميونخ إلى غاتويك في لندن العام الماضي، مما دفع الجهات المشغلة إلى تعزيز أنظمة الكشف عن الأجسام الغريبة والطائرات المسيرة.

ويتذكر موريتز برغر، وهو طيار تجاري مقيم في ألمانيا، أنه رصد جسما يشبه بالونا به هيكل أسفله ‌عندما ‌كان على وشك الهبوط في مطار أوروبي.

وقال “كنت أنظر من النافذة وفجاة ظهر جسم مر أسفل طائرتنا مباشرة. استطعنا رؤيته لمدة ثانية أو ثانيتين على الأكثر”، مضيفا أن ذلك أذهله ولم يترك له وقتا للمناورة.

وأضاف “عندما تواجه مثل هذا الاصطدام الوشيك أو جسما عابرا، لا يكون هناك وقت كاف للتفاعل. لذا، من غير الواقعي توقع أن يتمكن الطيارون من الدوران حول جسم من هذا القبيل. لا يوجد ما يمكننا فعله تقريبا”.

 

المصدر: الجزيرة