أثارت التحولات الأخيرة في عدن جنوبي اليمن، تساؤلات حول قدرة العاصمة المؤقتة للبلاد على التعافي بعد سنوات من جولات الصراعات المسلحة والتباينات السياسية التي أضعفت مكانتها كمركز اقتصادي حيوي وأربكت حضور سلطة الدولة ومؤسساتها.
وقد دخلت بعض قوات درع الوطن الحكومية المدينة في أعقاب التطورات المتسارعة في المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة) التي فقد خلالها المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه العسكري بعد هجومه مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي وبسط سيطرة دامت شهرا على مناطق شرقي البلاد.
قلب الصراع
ظلت عدن حاضرة في قلب الأحداث المفصلية في اليمن طوال القرن الماضي والعقود الثلاثة من القرن الـ21 الجاري، منذ الاستعمار البريطاني لجنوب البلاد، إلى ثورتي 26 سبتمبر/أيلول 1962 و14 أكتوبر/تشرين الأول 1963، مرورا بأحداث يناير/كانون الثاني 1986 وحرب صيف 1994، وغيرها من المحطات الفارقة في تاريخ اليمن.
وفي مسار الأحداث العاصفة في البلاد منذ مطلع 2015، برزت عدن كأحد أبرز ميادين الصراع، حيث شهدت المدينة معارك مسلحة إثر تقدم قوات جماعة الحوثيين والرئيس الراحل علي عبد الله صالح، قبل أن تتمكن المقاومة بدعم من التحالف بقيادة السعودية، من استعادة السيطرة على المدينة في يوليو/تموز من العام ذاته.
ورغم الآمال حينها ببدء مرحلة جديدة في عدن التي أعلنها الرئيس السابق عبدربه منصور هادي في مارس/آذار 2015 عاصمة مؤقتة للبلاد مع استمرار الحوثيين في السيطرة على صنعاء، فإن المدينة غرقت في اضطرابات أمنية تخللتها اغتيالات لمسؤولين وقيادات حزبية وأئمة مساجد، فضلا عن احتدام سياسي وعسكري تسبب في عدم استقرار الحكومة في العاصمة المؤقتة مما انعكس سلبا على الأوضاع الأمنية والخدمية.
معارك وتباينات
وفي يناير/كانون الثاني 2018 تحولت عدن لساحات مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والتشكيلات المسلحة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي دعا حينها لإسقاط الحكومة مما خلف عشرات القتلى والجرحى، وهو ما مثّل نقطة تحول في الصراع العسكري بين الحكومة والانتقالي الداعي إلى انفصال جنوب البلاد عن شمالها.
وفي أغسطس/آب 2019 كانت عدن على موعد مع جولة جديدة من الصراع حين أعلن نائب رئيس المجلس الانتقالي هاني بن بريك “النفير” إلى قصر معاشيق الرئاسي، وإسقاط الحكومة الشرعية، حيث تمكنت قوات الانتقالي من السيطرة على عدن بعد معارك مع القوات الحكومية، أفضت تداعياتها إلى توقيع “اتفاق الرياض” بين الطرفين، والذي نص على تشكيل حكومة مناصفة وإعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية في إطار وزارتي الدفاع والداخلية.
ولم يتوقف الاحتقان بين الطرفين مع فشل دمج التشكيلات والفصائل المسلحة، إذ أعلن الانتقالي في نهاية أبريل/نيسان 2020 ما سماها الإدارة الذاتية للمحافظات الجنوبية قبل أن يتراجع بعد مرور نحو 3 أشهر بحجة إتاحة الطريق أمام التحالف لتطبيق اتفاق الرياض.
وبعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022 كانت الخلافات والتباينات تخيم على المشهد بين رئيسه وأعضائه وهو ما عطل فعالية المجلس الرئاسي والحكومة في انتشال عدن من وضعها الأمني فضلا عن الخدمي الذي وصل ذروته من التدهور وسط اتهامات متبادلة.
وعلى وقع المعادلات الجديدة، ونجاح الحكومة في بسط بعض سيطرتها على عدن وحل قيادات في الانتقالي المجلس، يعود إلى الواجهة السؤال العريض، عن إمكانية أن تتنفس المدينة الصعداء وتنهي عقودا من الصراع الذي دفعت ثمنه باهظا، لا سيما وأنها تمتلك مقومات التعافي، بحكم موقعها الحيوي الذي تتربع به على طرق التجارة والملاحة الدولية عبر مينائها الشهير، ومكانتها الحالية كمركز للقرار السياسي والإداري للحكومة.
لكن في المقابل، تقف جملة من التحديات المعقدة أمام الحكومة والمكونات السياسية في مقدمتها هشاشة الوضع الأمني، وتداخل مراكز النفوذ حتى الآن وضعف السيطرة الكاملة للحكومة، وتراكم الأزمات الاقتصادية، إلى تضرر البنية التحتية بفعل سنوات الصراع.
كما يواجه قطار التعافي تحديات تتعلق بترسيخ سلطة القانون، وتوحيد الأجهزة العسكرية والأمنية، واحتواء التوترات والاحتقان السياسي، بما يضمن التوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية تضمن تهدئة الشارع وانطلاق الجميع نحو البناء.
“عدن عائدة بقوة”
وقال محافظ عدن الجديد عبد الرحمن شيخ اليافعي، إن عدن عائدة بقوة لتكون نبراسا لبقية المحافظات، مؤكدا أن الأولوية القصوى تكمن حاليا في تثبيت الحالة الأمنية بعد الأحداث الأخيرة لمنع انزلاق المحافظة في أي فوضى، موضحا أن الكثير من المخربين يحاولون أن يستغلوا هذه الأوضاع لصالح أجندات معنية.
وأشار اليافعي في أول مقابلة له مع التلفزيون اليمني الحكومي، أن المدينة بحاجة ماسة إلى السلام و”استراحة محارب” لجمع شتاتها، مطالبا بإعطائه وقتا لتقديم نموذج مشرف في التنمية وصياغة وعي حقيقي.
وحذّر المحافظ من حصر المدينة، -التي تمتلك إمكانات كبيرة وإرثا تاريخيا وثقافيا عريقا وموقعا جغرافيا مهما-، في صراع سياسي ضيق، أو إجبار سكانها على الانخراط في مسار يُفرض عليهم ضمن مشروع أحادي الجانب، مؤكدا ضرورة القطيعة التامة مع عسكرة الحياة المدنية في عدن.
وأكد أن توجّه سلطات عدن يقوم على بناء شراكات مع رأس المال المحلي والإقليمي والدولي، لاستثمار الفرص الكبيرة التي تمتلكها المدينة، بما يحقق نموذجا تنمويا مشرفا على غرار العديد من دول الإقليم والخليج.
وأضاف أن سكان المحافظة التي عانت كثيرا يتوقون إلى تحقيق قدر مرضي من توفر الخدمات واستتباب الحالة الأمنية والمعيشية.

تعافٍ مشروط
من جهته، يرى رئيس المنتدى الثقافي العدني أحمد حميدان في تصريح للجزيرة نت أن هناك فرصة للنهوض بعدن إلا أنه ربط ذلك بمدى حضور الدولة وتطبيق النظام والقانون، مؤكدا أهمية وجود قوة أمنية لعدن من أبنائها ومحافظ يديرها بعقلية مدنية بعيد عما أسماها الشللية والمناطقية والقروية.
وقال حميدان إن ترسيخ النظام والقانون سيمكن عدن من إبراز مقومات نهوضها التي يمكن تكون بداية نهضة في الجنوب واليمن عامة، مشيرا إلى أن المدينة تتمتع ببيئة قابلة للنهوض لما تمتلكه من مقومات ثقافية وفكرية واقتصادية وسياسية أكبر وتجربة في التعدد السياسي والعرقي والثقافي.
ولفت حميدان -وهو كاتب صحفي وناشط سياسي ونقابي-، إلى أن عدن ظلت منذ 1967 حلبة صراع ولم يكن لها أي دور محوري بسبب تفكيك قواها الحية وتسريح كوادرها ومغادرة بعضهم للخارج فضلا عن قتل مقوماتها الاقتصادية.
ويعتقد أن مستقبل عدن مرهون بمخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، والقبول بالآخر والشراكة الحقيقة والتوافق على ترسيخ النظام والقانون ودولة المواطنة والتخلص من بؤر الكراهية والعنصرية، التي قال إنها خلخلت البنية الاجتماعية والتسامح والسلام والتعايش في مجتمع عدن المدني.
وحذر من إعادة بناء المشاريع السياسية بثقافة الشحن والتحريض وصراعات الماضي، مشددا على الحاجة إلى مشروع ينقل عدن للحاضر والمستقبل.
ويضيف أن عسكرة الحياة واستمرار النفوذ العسكري والقبلي والمذهبي على مصدر القرار لن يكون خيرا لعدن ولا لليمن وسيبقى ينقلها من صراع إلى آخر.
“رأس واحد”
من جانبه، يرى المحلل والكاتب السياسي سعيد علي النخعي أن عدن ستشهد تحسنا على مستوى الخدمات بعد نقل إدارة المرافق الحيوية في المدينة إلى الحكومة، مشيرا إلى أن القرار السياسي والإداري بات يُدار من جهة واحدة تتحمل مسؤولياتها بشكل مباشر.
وأوضح في تصريح للجزيرة نت أن هذا الواقع اختبار حقيقي لأداء الحكومة بعد زوال العراقيل، التي يرى أنها كانت متمثلة في سيطرة الانتقالي على الأرض، دون تحمل تبعات ذلك كسلطة أمر واقع خلال الفترة الماضية.
وبين أن المتغيرات الأخيرة ستلقي بظلالها على كل الصعد الأمنية والاقتصادية والخدمية، بعد سيطرة القوات الموالية للحكومة الشرعية وخروج قوات الانتقالي التي كانت مسيطرة على المدينة كسلطة موازية، مؤكدا أن تعدد رؤوس السلطة في السابق سبب إرباكا للأداء الحكومي.

صفحة جديدة
كما رأي مدير تحرير “منصة يمن فيوتشر” نشوان العثماني في تصريح للجزيرة نت أن ما حدث خلال الفترة الماضية مؤسف، لكنه يصفه بمنعطف قد يؤدي الى صفحة جديدة نحو الإجماع الوطني في هذه المرحلة بالذات.
وقال العثماني إن المخاطر تظل قائمة بطبيعة الحال، خاصة وسط التجاذب الإقليمي، مؤكدا أن التحدي الأبرز يتمثل في توحيد الأجهزة والمؤسسات والتشكيلات العسكرية والأمنية والإدارية إلى جانب ملف الخدمات ودفع الرواتب.
وشدد على أهمية تمكين أبناء عدن وتجسيد سلوك الدولة، بعيدا عن ردة الفعل في هذه المرحلة التي هي بأمس الحاجة للجميع، مشيرا إلى أن القضية الجنوبية سوف تظل في المصاف وأهم قضية لا بد من حلها جيدا بعدالة.
المصدر: الجزيرة